الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
مسألة .

إذا بزق في صلاته لم تبطل صلاته ؛ لأنه فعل قليل .

وما لا يحصل به صوت لا يعد كلاما ، وليس على شكل حروف الكلام إلا أنه مكروه فينبغي أن يحترز منه ، إلا كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ؛ إذ روى بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في القبلة نخامة فغضب غضبا شديدا ، ثم حكها بعرجون كان في يده ، وقال : ائتوني بعبير فلطخ أثرها بزعفران ، ثم التفت إلينا ، وقال : أيكم يحب أن يبزق في وجهه ؟ فقلنا : لا أحد قال : فإن أحدكم إذا دخل في الصلاة ، فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة . وفي لفظ آخر واجهه الله تعالى ، فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، أو تحت قدمه اليسرى ، فإن بدرته بادرة ، فليبصق في ثوبه ، وليقل به هكذا ، ودلك بعضه ببعض .

التالي السابق


(مسألة)

ثالثة في حكم البزاق في الصلاة، وإذا غلبه كيف يفعل (إذا بصق) المصلي (في صلاته لم تبطل صلاته؛ لأنه فعل قليل) ، والفعل القليل لا يبطل الصلاة، كما تقدم (وما لا يحصل به صوت) مفهم (لا يعد كلاما، وليس على شكل حروف الكلام) ، والمراد بالكلام هنا اللفظ المركب من حرفين، أو أكثر، حتى لو تلفظ بكلمة واحدة تفسد عند أصحابنا، وقد تقدمت الإشارة إليه في مفسدات الصلاة، ويشترط عندنا في الكلام أمران؛ التصحيح، أو السماع (إلا أنه مكروه) ، وذلك إذا لم يكن مدفوعا إليه؛ لأنه أجنبي لا فائدة فيه. أما لو اضطر إليه بأن خرج بسعال، أو تنحنح ضروري، فلا يكره (فينبغي أن يحترز عنه، إلا كما أذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه؛ إذ روى بعض الصحابة أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى في القبلة نخامة) ، وهي "بضم النون" البلغم الذي ينفذ إلى الحلق بالنفس العنيف، إما من الخيشوم، أو من الصدر (فغضب غضبا شديدا، ثم حكها بعرجون) من نخل (كان في يده، وقال: ائتوني بعبير) ، وهو طيب معروف يعمل من الأخلاط، فأتوه به (فلطخ أثرها بزعفران، ثم التفت إلينا، وقال: أيكم يحب أن يبزق في

[ ص: 310 ] وجهه؟ فقلنا: لا أحد) يحب ذلك (قال: فإن أحدكم إذا دخل في الصلاة، فإن الله - عز وجل - بينه وبين القبلة. وفي لفظ آخر) : إذا دخل في الصلاة (واجهه الله تعالى، فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بدرته بادرة، فليبصق في ثوبه، وليقل به هكذا، ودلك بعضه ببعض) . هكذا ساقه صاحب القوت بتمامه، وقال العراقي: أخرجه مسلم من حديث جابر، واتفقا عليه مختصرا من حديث أنس، وعائشة، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر.

قلت: قد عقد البخاري في الصحيح لبيان هذه الروايات سبعة أبواب، فقال: باب حك البزاق باليد من المسجد، حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام، فحكه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدميه، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا. وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، ثم قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى بصاقا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى. حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى في جدار القبلة مخاطا، أو بصاقا، أو نخامة، فحكه، ثم قال: باب: حك المخاط بالحصى من المسجد. حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، وأبا سعيد حدثاه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحكها، فقال: إذا تنخم أحدكم، فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا، ثم قال: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة، وأبا سعيد أخبراه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في حائط مسجد، فتناول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصاة، فحتها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم، فلا يتنخم قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى. حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، أخبرني قتادة، سمعت أنسا قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا يتفلن أحدكم بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت رجله.

باب: ليبزق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى

حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، سمع أنس بن مالك قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه. حدثنا علي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل بين يديه، أو عن يمينه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى. باب: كفارة البزاق في المسجد. حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، سمعت أنس بن مالك قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها. وهذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود. باب: دفن النخامة في المسجد. حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، سمع أبا هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها. باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه. حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير، حدثنا حميد، عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في القبلة، فحكها بيده، ورؤي منه كراهية، أو رؤي كراهيته لذلك، وشدته عليه، وقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه وبين قبلته، فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه، ورد بعضه على بعض، قال: أو يفعل هكذا.

[ ص: 311 ] هذا آخر سياق البخاري في الصحيح .

وأخرج الإمام أحمد، والأربعة أصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بلفظ: إذا صليت، فلا تبزقن بين يديك، ولا عن يمينك، ولكن ابزق تلقاء شمالك إن كان فارغا، وإلا فتحت قدمك اليسرى. وأخرجه البزار بلفظ: إذا أردت أن تبزق، ولم يقل إذا صليت .



(فوائد أحاديث الباب)

الأولى: قوله: فإنه يناجي ربه. هو من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنه يناجيه تعالى، والرب تعالى يناجيه من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز؛ لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوب إلا من جهة العبد .

الثانية: قوله: أو أن ربه بينه وبين القبلة، ظاهره محال؛ لتنزيه الرب تعالى عن المكان، فيجب على المصلي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء، وسوء الأدب أن تتنخم في توجهك إلى رب الأرباب، وقد أعلمنا الله بإقباله على من توجه إليه .

الثالثة: قوله: أو يفعل هكذا، فيه البيان بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، وليست أو للشك؛ بل للتنويع، ومنهم من قال: هو مخير بين هذا وهذا، لكن في الرواية الأخرى في باب إذا بدره البصاق ما يشهد للتنويع .

الرابعة: البزاق يقتضي الاستخفاف والاحتقار، والقبلة معظمة بتعظيم الله إياها، ومن ثم قالوا: النهي للتحريم، وأنه الأصح .

الخامسة: ظاهر الروايات السابقة في النهي عن البصاق مقيد بما إذا كان داخل الصلاة، وفي بعضها عدم التقييد، والمطلق محمول على المقيد، وقد جزم النووي بالمنع منه في الجهة اليمنى داخل الصلاة، وخارجها، سواء كان في المسجد، أو غيره، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وغيره، عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه، وليس في الصلاة، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، ونقل عن مالك أنه قال: لا بأس به؛ يعني خارج الصلاة، وكان الذي خصه بالصلاة أخذه من علة النهي المذكورة في رواية همام، عن أبي هريرة حيث قال: فإن عن يمينك ملكا. وعند أبي بكر بن أبي شيبة بسند صحيح، فإن عن يمينك كاتب الحسنات .

السادسة: قوله: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها. فقوله: في المسجد ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه تناوله النهي .

قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، فمن أراد دفنه فلا، ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد، والطبراني بإسناد حسن مرفوعا: من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ورده النووي، فقال: هو خلاف صريح الحديث، قال: وحاصل النزاع أن ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله: البزاق في المسجد خطيئة، وقوله: ليبصقن عن يساره، أو تحت قدمه، فالنووي يجعل الأول عاما، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي يجعل الثاني عاما، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها، وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر لم يتمكن في الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر .

السابعة: قوله: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصقن ... إلخ ظاهره تخصيص المنع بحالة الصلاة، لكن التعليل بتأذي المسلم يقتضي المنع مطلقا، ولو لم يكن في الصلاة، نعم هو في الصلاة أشد إثما مطلقا، وفي جدار القبلة أشد إثما من غيرها من جدار المسجد .

الثامنة: قوله: فيدفنها؛ أي: يغيب البصقة بالتعميق إلى باطن أرض المسجد إن كان مفروشا بتراب، أو رمل، أو حصى، كما كان في الصدر الأول، وبشرط أن لا يكون باطن أرض المسجد متنجسا بحيث يأمن الجالس عليها من الإيذاء، وإلا فليدلكها بشيء حتى يذهب أثرها البتة، أو يخرجها خارج المسجد، وهذا الحكم اليوم لا يمكن إجراؤه؛ لأن المساجد بعد أن فرشت بالرخام لم يكتفوا به، ففرشوا عليه الحصر المثمنة، ولم يكتفوا بها، ففرشوا عليها بالأنماط الروسية، والبسط الغالية، والطنافس العجمية، فالأوفق للمصلي أن يبزق في ثوب له، ثم يرد بعضه على بعضه، كما فعله -صلى الله عليه وسلم-. والله أعلم .




الخدمات العلمية