الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
مسألة .

من ترك التشهد الأول ، أو القنوت ، أو ترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم : في التشهد الأول ، أو فعل فعلا سهوا وكانت ، تبطل الصلاة بتعمده ، أو شك فلا يدر أصلى ثلاثا ، أو أربعا أخذ باليقين وسجد سجدتي السهو قبل السلام .

فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب .

فإن سجد بعد السلام وبعد أن أحدث ، بطلت صلاته .

فإنه لما دخل في السجود كأنه جعل سلامه نسيانا في غير محله ، فلا يحصل التحلل به ، وعاد إلى الصلاة ، فلذلك يستأنف السلام بعد السجود .

التالي السابق


(مسألة)

ثامنة في حكم سجود السهو، اعلم أن سجود السهو سنة عند الإمام الشافعي، ليس بواجب، والذي يقتضيه شيئان؛ ترك مأمور، أو ارتكاب منهي. أما ترك المأمور، فقسمان؛ ترك ركن وغيره. أما الركن، فلا يكفي عنه السجود؛ بل لا بد من تداركه، ثم قد يقتضي الحال السجود بعد التدارك، وقد لا يقتضيه، وأما غير الركن فأبعاض وغيرها، فالأبعاض مجبورة بالسجود إن ترك واحدا منها سهوا قطعا، وكذا إن تركه عمدا على الأصح. أما غير الأبعاض من السنن، فلا يسجد لتركها. هذا هو الصحيح المشهور، وفيه قول قديم شاذ أنه يسجد لترك كل مسنون، ذكرا كان أو عملا .

وأما المنهي، فقسمان: أحدهما: لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة والخطوتين. والثاني: تبطل بعمده كالكلام، والركوع الزائد، ونحو ذلك، والأول لا يقتضي سهوه السجود، والثاني: يقتضيه إذا لم تبطل الصلاة، وقولنا إذا لم تبطل الصلاة احترازا من كثير الفعل، والأكل، والكلام، فإنها تبطل الصلاة بعمدها، وكذلك بسهوها على الأصح، فلا سجود، واحترازا من الحدث أيضا، فإن عمده، وسهوه يبطلان الصلاة، ولا سجود، وقد أشار إلى ذلك المصنف، فقال: (من ترك) سنة مقصودة مثل (التشهد الأول، أو القنوت، أو ترك الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول، أو فعل فعلا سهوا، وكان تبطل الصلاة بتعمده، أو شك فلم يدر أصلى ثلاثا، أو أربعا أخذ باليقين) ، أي: بنى عليه، وهو الأقل، بأن شك هل صلى ثلاث ركعات، أو اثنتين، فليجعلهما اثنتين، ومن شك هل صلى أربعا، أو ثلاثا حسبها ثلاثا (وسجد سجدتي السهو) وهما سجدتان بينهما جلسة يسن في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورك، وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما، وذلك يشعر بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة، ونقل عن بعض الأئمة أنه يستحب أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام، ولا يسهو. وهذا لائق بالحال. وفي محله ثلاثة أقوال؛ أظهرها (قبل السلام، فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على قرب) ، فإن سلم عامدا، فوجهان؛ الأصح السجود، والثاني، فوت السجود إن طال الفصل، وإلا فله السجود، وحينئذ لا يكون عائدا إلى الصلاة .

والثاني: إن سها بزيادة فعل سجد بعد السلام، وإن سها بنقص سجد قبله، والثالث: يتخير؛ إن شاء قبل وإن شاء بعد، والأول هو الجديد، والآخران قديمان، ثم هذا الخلاف في الإجزاء على المذهب، وقيل: في الأفضل، وعلى الأول لو سلم ناسيا، وبدا له أن لا يسجد، فذاك، والصلاة ماضية [ ص: 318 ] على الصحة، وحصل التحلل بالسلام على الصحيح، وفي وجه يسلم مرة أخرى، وذلك السلام غير معتد به، وإن أراد أن يسجد، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يسجد، كما مر، والثاني: لا يسجد، فإذا قلنا بالصحيح هنا، أو بالقديم عند طول الفصل، فسجد، فهل يكون عائدا إلى حكم الصلاة؟ وجهان؛ أرجحهما عند صاحب التهذيب لا يكون عائدا، وقيل: يكون عائدا، وهو الأرجح عند الأكثرين، وبه قال أبو زيد المروزي: وصححه القفال، وإمام الحرمين، والمصنف في الفتاوى، والروياني، وغيرهم، وتتفرع على الوجهين مسائل؛ منها ما أشار المصنف بقوله: (فإن سجد بعد السلام، وأحدث) في السجود، أو تكلم عامدا (بطلت صلاته) على الوجه الثاني، ولا تبطل على الأول (فإنه لما دخل في السجود كأنه جعل سلامه نسيانا في غير محله، فلا يحصل التحلل به، وعاد إلى الصلاة، فلذلك يستأنف السلام بعد السجود) ، ومنها لو كان السهو في صلاة جمعة، وخرج الوقت وهو في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني دون الأول، ومنها لو كان مسافرا يقصر، ونوى الإتمام في السجود لزمه الإتمام على الوجه الثاني دون الأول، ومنها هل يكبر للافتتاح، وهل يتشهد؟ إن قلنا بالوجه الثاني لم يكبر، ولم يتشهد، وإن قلنا بالأول كبر، وفي التشهد وجهان؛ أصحهما لا يتشهد. قال في التهذيب: والصحيح أنه يسلم، سواء قلنا يتشهد أم لا .




الخدمات العلمية