الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
السابعة صلاة الضحى فالمواظبة عليها من عزائم الأفعال ، وفواضلها .

التالي السابق


( السابعة صلاة الضحى) أضيفت هذه الصلاة للضحى؛ لأنه وقتها، والمعنى الصلاة المفعولة في وقت الضحى، وهو بالضم مقصورا، قال في الصحاح: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم الضحى وحين تشرق الشمس، مقصورة، تؤنث وتذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم فعل كصرد، وثعل، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، وفي المحكم الضحو والضحوة والضحية كعشية: ارتفاع النهار، والضحى فويق ذلك أنثى، وتصغيرها بغير هاء؛ لئلا يلتبس بتصغير ضحوة، والضحاء إذا امتد النهار، وكرب أن ينتصف .

وقيل: الضحى من طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار، وتبيض الشمس جدا، ثم بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار. وقال في النهاية: الضحوة ارتفاع أول النهار، والضحى بالضم والقصر فوقه، وبه سميت صلاة الضحى: الضحاء، بالفتح والمد: إذا علت الشمس إلى ربع السماء فما بعده، وقال في المشارق: الضحاء ممدود مفتوح، والضحى بالضم مقصور، قيل: هما بمعنى، وإضحاء النهار ضوءه، وقيل: المقصور المضموم هو أول ارتفاعها، والممدود إلى قريب من نصف النهار، وقيل: المقصور حين تطلع الشمس، والممدود إذا ارتفعت، وقيل: الضحو ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك، والضحاء إذا امتد النهار. اهـ .

وقال ابن العربي: الضحى مقصور مضموم طلوع الشمس، والمفتوح الممدود إشراقها، وضياؤها، وبياضها، واختلف العلماء في هذه الصلاة، فطائفة أنكرت وعدتها بدعة؛ لما روى البخاري في صحيحه، عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن توبة، عن مؤرق قال: قلت: لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا أخاله.

وأخرج هو ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى، وإنى لأسبحها.

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت إلا أن أطوف بالبيت، وأنه سئل عن صلاة الضحى فقال: وللضحى صلاة؟! وأنه سئل عنها فقال: إنها بدعة.

وعن أبي عبيدة قال: لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى، وعن علقمة: أنه كان لا يصلي الضحى .

وحكى ابن بطال أن عبد الرحمن بن عوف كان يصلي الضحى، وعن أنس أنه سئل عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس. فهذا مجموع ما احتج به المنكرون .

والذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف: استحباب هذه الصلاة؛ ولذا قال المصنف: ( فالمواظبة عليها) أي المداومة على فعلها ( من عزائم الأفعال، وفواضلها) ، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبري: إنها بلغت حد التواتر .

وفي مصنف ابن أبي شيبة ، عن ابن عباس : أنها في كتاب الله، ولا يغوص عليها إلا غواص، ثم قرأ: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، وقال القاضي ابن العربي: وهي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد صلوات الله عليهم، قال الله تعالى مخبرا عن داود: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق فأبقى الله من ذلك في دين محمد العصر صلاة العشي، ونسخ صلاة الإشراق .

وفي المصنف لابن أبي شيبة فعل صلاة الضحى عن عائشة، وأبي ذر ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك، وابن مجلز، وقال النووي في شرح مسلم: وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة. محمول على أن صلاتها في المسجد، والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال قوله: بدعة. أي: المواظبة عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذر ، ويقال: ابن عمر لم يبلغه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الضحى وأمره بها، وكيف كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود وعن ابن عمر . اهـ .

قال الولي العراقي في شرح التقريب: الظاهر أن من عد صلاة الضحى بدعة لا يراها من البدع المذمومة، بل هي بدعة محمودة؛ فإن الصلاة خير موضوع، وليس فيها ابتداع أمر ينكره الشرع، ولذلك عقبت عائشة رضي الله عنها النفي بقولها: وإني لأسبحها. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن [ ص: 367 ] ابن عمر أنه سئل عنها فقال: بدعة، ونعمت البدعة، وأنه كان لا يصليها، وإذا رآهم يصلونها قال: ما أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه! وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع على استحبابها، وإنما اختلفوا في أنها مأخوذة من سنة مخصوصة أو من عمومات استحباب الصلاة، فتوقف هذا القائل الثاني في إثبات هذا الاسم الخاص لها، والله أعلم .

ثم قال: وإذا قلنا باستحباب صلاة الضحى، فهل الأفضل المواظبة عليها أو فعلها في وقت، وتركها في وقت؟

الظاهر: الأول؛ لقوله عليه السلام: أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل، وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أوصاني خليلي بثلاث، لا أدعهن حتى أموت؛ صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر".

وروى الترمذي عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حافظ على سنة الضحى غفرت له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر".

وروى أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك صلاة الضحى في سفر، ولا غيره، وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد السمتي ضعيف جدا، وذهبت طائفة إلى الثاني. حكاه القاضي عياض عن جماعة، والخلاف في ذلك عند الحنابلة. وقال بالأول أبو الخطاب منهم، حكاه ابن قدامة في المغني .

وفي مصنف ابن أبي شيبة أن عكرمة سئل عن صلاة ابن عباس الضحى، فقال: كان يصليها اليوم، ويدعها العشر، وعن إبراهيم النخعي كانوا يصلون الضحى، ويدعون ويكرهون أن يديموها مثل المكتوبة، ويدل له قول عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه، وقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أم هانئ، وهو في الصحيحين، وما رواه الترمذي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها.

وقال الترمذي : حسن غريب، قال النووي : مع أن عطية ضعيف فلعله اعتضد .

والجواب عن هذه الأحاديث ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من أنه صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل، وإنه ليحب أن يعمله مخافة أن يستن به الناس فيفرض عليهم، وقد أمن هذا بعده صلى الله عليه وسلم لاستقرار الشرائع، وعدم إمكان الزيادة فيها والنقص عنها، فينبغي المواظبة عليها، وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي : اشتهر بين كثير من العوام أنه من صلى الضحى، ثم قطعها يحصل له عمى، فصار كثير من الناس لا يصلونها خوفا من ذلك، وليس لهذا أصل البتة لا من السنة، ولا من قول أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ومن بعدهم .

والظاهر أن هذا مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام لكي يتركوا صلاة الضحى دائما ليفوتهم بذلك خير كثير، وهو أنهما يقومان عن سائر التسبيح، والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر اهـ .

قلت: ولفظ حديث أبي ذر عند مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، يجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" وحاصل ما أجابوا به عن حديث عائشة المتقدم: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها" تضعيف النفي لكونه معارضا بالأحاديث الصحيحة المشهورة، عن الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم صلى الضحى وأوصى بها، والمثبت مقدم على النافي، وحمله على المداومة أو على رويتها، أو على عدد الركعات، أو على إعلائها، أو على الجماعة فيها، فهذه ستة أجوبة: الأول أشار إليه محمد بن جرير الطبري، وهو ضعيف؛ لأن حديث النفي ثابت في الصحيحين، ورواته أعلام حفاظ لا يتطرق احتمال الخلل إليهم، والثاني اختاره البيهقي وحكاه النووي في الخلاصة وحكاه صاحب الإكمال بصيغة التمريض، ولم يرتضه، والثالث أشار إليه القاضي، والنووي في شرح مسلم، والرابع أشار إليه القاضي، والخامس ذكره ابن بطال، والسادس ذكره أبو العباس القرطبي، ويؤيد الجواب الخامس ما روي عن عائشة أنها كانت تغلق على نفسها الباب، ثم تصلي الضحى، وقول مسروق: كنا نقرأ في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك [ ص: 368 ] فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله؟! إن كنتم لا بد فاعلين، ففي بيوتكم. وكان أبو مجلز يصلي الضحى في بيته، وكان مذهب السلف الاستتار بها، وترك إظهارها للعامة لئلا يروها واجبة .




الخدمات العلمية