الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان إغضائه صلى الله عليه وسلم عما كان يكرهه .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه غضبه ورضاه وكان إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته الكريمة وكان لا يشافه أحدا بما يكرهه دخل عليه رجل وعليه صفرة ، فكرهها فلم يقل له شيئا حتى خرج فقال لبعض القوم : لو قلتم لهذا أن يدع هذه يعني الصفرة وبال أعرابي في المسجد بحضرته فهم به الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه البول ثم قال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء وفي رواية : قربوا ولا تنفروا وجاءه أعرابي يوما يطلب منه شيئا فأعطاه صلى الله عليه وسلم ثم قال له : أحسنت إليك قال الأعرابي : لا ، ولا أجملت ، قال : فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي ، وزاده شيئا ثم قال : أحسنت إليك قال : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك ، قال : نعم ، فلما كان الغد أو العشي جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي أكذلك ، فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال صلى الله عليه وسلم ، إن مثلي ومثل هذا الأعرابي ، كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه ، فاتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض فردها هونا حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه دخل النار .

التالي السابق


* (بيان إغضائه صلى الله عليه وسلم عما كان يكرهه ) *

(كان صلى الله عليه وسلم رقيق البشرة) محركة ظاهر الجلد ، وهو علامة اعتدال المزاج ، ويكنى به عن الحياء ، أيضا (لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه) الشريف (غضبه ورضاه) ، قال العراقي : روى أبو الشيخ من حديث ابن عمر : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعرف رضاه وغضبه بوجهه " ، الحديث ، وقد تقدم .

(كان) صلى الله عليه وسلم (إذا اشتد وجده) ، أي : غضبه يقال : وجد عليه وجدا وموجدة ؛ إذا غضب عليه . (أكثر من مس لحيته) قال العراقي : رواه أبو الشيخ ، من حديث عائشة -رضي الله عنها - بإسناد حسن .

(وكان) صلى الله عليه وسلم (لا يشافه أحدا بما يكرهه) ؛ لئلا يشوش عليه ، وذلك لكثرة حيائه ، وسعة صدره ، وسببه أنه (دخل عليه رجل وعليه صفرة ، فكرهها فلم يقل له شيئا) أي في وجهه ، (حتى خرج) من عنده ، (فقال لبعض القوم : لو قلتم لهذا) لو للشرط ، فالجزاء محذوف ، أي لكان أحسن أي لأنه فيه نوع تشبه بالنساء ، وهو من غير قصد التشبيه بهن مكروه ، أو للتمني (أن يدع هذه يعني الصفرة) الظاهر أن ذلك الأثر لم يكن محرما ، وإلا لم يؤخر أمره صلى الله عليه وسلم بتركه إلى مفارقته للمجلس ، فزعم بعضهم أن غضبه صلى الله عليه وسلم عند انتهاك المحارم ، لا ينافي تفويضه لغيره الأمر بإزالتها ، وإن أدى إلى تأخيرها غفلة عن كلام الأئمة في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أنه يجب على القادر إزالة المنكر ، فورا بلسانه أو يده ، ولا يجوز له أن يستنيب غيره في ذلك ، إذا أدت استنابته إلى تأخير ذلك المنكر ، ولو لحظة ، وهو صلى الله عليه وسلم سمع كلام هذا الرجل ثم ولم يأمرهم أن يقولوا له : أزل هذا إلا بعد قيامه من المجلس ، فأخر الإزالة إلى انقضاء المجلس ، وهذا لا يقوله إلا جاهل بالفقه وقواعده ، فتعين ما ذكرته من أن ذلك الأثر الذي كان عليه لم يكن محرما [ ص: 138 ] ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى على عمرو بن العاص ثوبين معصفرين أمره فورا بإزالتهما ، فإن قلت : لم أمر عمرا وثم أنابهم في ذلك ؟ قلت : لما تقرر أن عمرا عليه محرم بخلاف ذلك الرجل ، وبفرض تحريم المعصفر الذي قال به كثيرون فوجهه أن عمرا عليه محرم ، يفرح بذلك ويبادر إلى امتثاله ، وذلك الرجل لعله قريب عهد بالإسلام ، فخشي عليه إن واجهه بأمره بإزالة ما عليه ففوضه لغيره ، لا على وجه الإلزام به ، وهذا أيضا مما يصرح بأنه لم يكن محرما .

قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي في الشمائل ، والنسائي في اليوم والليلة من حديث أنس بإسناد ضعيف اهـ .

قلت : وكذلك رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد ، وفي رواية للطيالسي ، وأحمد ، والنسائي : "لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة " ، ورواه كذلك البخاري ، والبيهقي من حديث أبي هريرة ، بهذا اللفظ .

(وبال أعرابي في المسجد بحضرته فهم به الأصحاب) ، أي قصدوا منعه عن ذلك ، (فقال صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه) بضم التاء الفوقية ، وسكون الزاي ، (أي لا تقطعوا عليه البول) ؛ فإنه يضر البائل ، قال ذلك شفقة عليه ، (ثم قال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء ) ، أي : الغائط .

(وفي رواية : قربوا ولا تنفروا ) ، قال العراقي : متفق عليه من حديث أنس اهـ .

قلت : (وجاء أعرابي يطلب منه شيئا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم قال له : أحسنت إليك) ، يخبر بذلك باطنه (فقال الأعرابي : لا ، ولا أجملت ، قال : فغضب المسلمون لذلك ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا) ، أي امتنعوا عنه (ثم قام ودخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي ، وزاده شيئا ثم قال : أحسنت إليك ، فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم - : إنك قلت ما قلت) آنفا (وفي نفس أصحابي شيء من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك ، قال : نعم ، فلما كان من الغد أو من العشي جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم - : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي بذلك ، فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال صلى الله عليه وسلم ، إن مثلي ومثل هذا الأعرابي ، كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه ، فاتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض) ، أي : مما يقم من وجهها من حشيش وتبن ، (فردها هوي هوي) هكذا بضم الهاء ، وسكون الواو والياء ، فيهما كذا في بعض النسخ ، وهو اسم صوت لدعاء الناقة ، وفي بعض النسخ هونا هونا ، حتى جاءت ، (واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها) راكبا ، (وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه دخل النار) .

قال العراقي : رواه البزار ، وأبو الشيخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف .




الخدمات العلمية