الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز ، وما يفتح له من العلوم الضرورية ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية فكذلك لا ، يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد ولكن إنما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته عن الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة كما سيأتي بيانه، وإلى هذا الجود الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له" وبقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه عز وجل : لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا وبقوله من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعاكل ذلك إشارة إلى أن أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علوا كبيرا ، ولكن بخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب ، فإن القلوب كالأواني ، فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء" ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة .

التالي السابق


(ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل) لكثرتها ، (وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه) وفي نسخة ما وراءه (من المنازل) التي تعدى عنها لسلوكه فيها ، (وأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما) إذ لم يصل إليها بعد ولم يسلكها (لكن قد يصدق به) في قلبه (إيمانا بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة وبالنبي ونصدق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي) .

قال المصنف في المقصد الأسنى: يستحيل أن يعرف النبي غير النبي ، وأما من لا نبوة له أصلا فلا يعرف من النبوة إلا اسمها ، وإنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا ، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا النبي خاصة ، فأما من ليس بنبي فلا يعرفها البتة ولا يفهمها إلا بالتشبيه بصفات نفسه اهـ .

(وكما لا يعرف الجنين) الذي في بطن الأم

[ ص: 221 ] (حال الطفل ولا الطفل حال المميز ، وما انفتح له من العلوم الضرورية) الأولية (ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية ، فلا يعرف عاقل ما انفتح على أولياء الله وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته) قال تعالى: ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذه الرحمة) المفتوح بابها لخاصة (مبذولة بحكم الجود والكرم) الواسعين (من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد) ولا ممنوع (ولكن إنما تظهر) آثارها (في القلوب المتعارضة لنفحات الله) أي: عطاياه (كما قال -صلى الله عليه وسلم- : إن لربكم في أيام دهركم نفحات) أي: تجليات مقربات يصيب بها من يشاء من عباده (ألا فتعرضوا لها) لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا". رواه الطبراني في الكبير عن محمد بن مسلمة، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الصلاة ، (والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته عن الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة كما سيأتي بيانه) ومع تطهير القلب يكون الطلب منه تعالى في كل وقت قياما وقعودا وعلى الجنب ووقت التصرف في أشغال الدنيا ، فإن العبد لا يدري بنا أي وقت يكون فتح خزائن المنى (وإلى هذا الجود الإشارة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا يقول: هل من داع فأستجيب له ") رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له، وقد تقدم في كتاب الأذكار والدعوات. (وبقوله) -صلى الله عليه وسلم- (حكاية عن ربه عز وجل: لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا) قال العراقي : لم أجد له أصلا إلا أن صاحب الفردوس ذكره من حديث أبي الدرداء ، ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا اهـ .

(وبقوله) -صلى الله عليه وسلم-: ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (كل ذلك إشارة إلى أن أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علوا كبيرا ، ولكن) حجابها عنها (بخبث) نفس (وكدورة) خاطر (وشغل من جهة القلوب ، فإن القلوب كالأواني ، فما دامت ممتلئة ماء لا يدخلها الهواء) لاشتغال المكان (فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله) وعظمته ، (وإليه الإشارة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء") رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه، وقد تقدم في الصيام (ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة) وبهما يفضل .




الخدمات العلمية