الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق .

اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق ، وأنه ما هو ، وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته ، بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك كقول الحسن حسن الخلق بسط الوجه .

وبذل الندى وكف الأذى ، وقال الواسطي هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى ، وقال شاه الكرماني هو كف الأذى واحتمال المؤن وقال بعضهم : هو أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا وقال الواسطي : مرة هو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال أبو عثمان هو الرضا عن الله تعالى وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال : أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقال مرة : أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه ، وفيما بينه وبين الناس وقال علي رضي الله عنه : حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال وقال الحسين بن منصور هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال أبو سعيد الخراز هو أن لا يكون لك هم غير الله تعالى فهذا وأمثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات أيضا وكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة ، فنقول : الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معا ، يقال : فلان حسن الخلق والخلق أي : حسن الباطن والظاهر ، فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ويراد بالخلق الصورة الباطنة ، وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ، ولذلك عظم الله أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين ، والروح إلى رب العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا ، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا ، وإنما قلنا : إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال : خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال : خلقه السخاء والحلم .

فههنا أربعة أمور: أحدها : فعل الجميل والقبيح .

. والثاني : القدرة عليهما .

والثالث : المعرفة بهما .

والرابع : هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح .

وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل ، إما لفقد المال أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء ، وليس هو عبارة عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء ، بل إلى الضدين واحد ، وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك ، وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد ، بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل ،فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها ، حتى يتم حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث .

أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .

وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني : إشارة العقل والشرع .

وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع .

فالعقل مثاله مثال الناصح المشير .

وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل .

والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس والشهوة مثالها ، مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد ، فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا وتارة يكون جموحا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ، ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة .

فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورا وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمى ، جبنا وخورا .

وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودا .

والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان ، بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور .

وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة .

فإذن ، أمهات الأخلاق وأصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية .

ونعني بالعدل حالة للنفس ، وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما ، في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع .

فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها .

.

التالي السابق


(بيان حقيقة حسن الخلق) *

(اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة الخلق الحسن ، وأنه ما هو ، وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته) اعلم ما أورده المصنف في كتاب المعارف العقلية أن المطالب الأصلية أربعة: الأول: مطلب " هل " وهو السؤال عن وجود الشيء ، الثاني: مطلب " ما " ، وهو السؤال عن ماهية الشيء. والثالث: مطلب " أي " ، وهو السؤال عن فصل الشيء الذي يفصله عن المشاركة له في الجنس . والرابع: مطلب " لما " ، وهو طلب العلة .

أما مطلب " هل " فعلى وجهين:

[ ص: 326 ] أحدهما: سؤال عن أصل الوجود ، الثاني سؤال عن وجود حال الشيء ، وأما مطلب " ما " فأيضا على وجهين: أحدهما سؤال المتكلم عن تفسير لفظه. والثاني: مطلب حقيقة الشيء في نفسه ، فهو بالمعنى الأول متقدم على مطلب " هل " فإن من لا يفهم الشيء لا يسأل عن وجوده ، وبالمعنى الثاني متأخر عن مطلب " هل " لأن ما لا يعلم وجوده لا يطلب ماهيته ، فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن ما ذكروه في تحديد الخلق الحسن إنما هو تعرض لثمرته الحاصلة منه، لا بيان أصله وحقيقته في نفسه، (ثم لم يستوعبه جميع ثمراته، بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له) في باله ، (وكان حاضرا في ذهنه) عند إلقائه، (ولم يصرفوا العناية) والاهتمام (إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب) والإحاطة ، (وذلك كقول الحسن) البصري رحمه الله تعالى حين سئل عن (حسن الخلق) فقال: هو (بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى ، وقال) أبو بكر محمد بن موسى (الواسطي) رحمه الله تعالى ، أصله من فرغانة، صحب الجنيد والنوري ، أقام بالري وبها مات سنة 321 : (هو أن لا يخاصم) أحدا ، (ولا يخاصم) أي: لا يخاصمه أحد ، هكذا أورده في معنى قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم وذلك (من شدة معرفته) -صلى الله عليه وسلم- (بالله تعالى ، وقال) أبو الفوارس (شاه) بن شجاع (الكرماني) رحمه الله تعالى : (هو كف الأذى واحتمال المؤن) أي: المشقات ، (وقال بعضهم: هو أن يكون من الناس قريبا) أي: يحسن خلطتهم ويتقرب إليهم ويداريهم ، (وفيما بينهم غريبا) أي: يكون غريب الشأن بينهم، أي: يكون بجهة مع الله تعالى ، وهذا يقرب من قولهم أن يكون كائنا بائنا ، (وقال الواسطي: مرة) وقد سئل عنه فقال: (هو إرضاء الخلق في السراء والضراء) أي: يكون على حالة واحدة في مخالطة الخلق ، ويعطي لكل وقت حكمه .

(وقال أبو عثمان) المغربي رحمه الله تعالى: (هو الرضا عن الله عز وجل) في كل ما أقامه فيه وعليه وبه ، فلا يعترض عليه في شيء من أحواله ، (وسئل) أبو محمد (سهل) التستري رحمه الله تعالى (عن الخلق) ما هو؟ (فقال: أدناه الاحتمال) لمخالطة (وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة) على العامة ، (وقال مرة: هو أن لا تتهم مولاك في الرزق) فإنه قد ضمنه لك ، (وتثق به) ، وتعتمد عليه ، (وتسكن) بباطنك (إلى الوفاء بما ضمن) لك ، (وتطيع مولاك ولا تعصيه في جميع الأمور فيما بينك وبينه ، وفيما بينك وبين الخلق) أي: فإن تم لك هذا المقام تم لك الخلق الحسن المشار إليه بالمدح .

(وقال علي كرم الله وجهه: حسن الخلق في ثلاث) خصال: (اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسيع على العيال) أي: بأن لا يقتر عليهم، بل يوسع عليهم بماله إن كان وإلا فيبسط الوجه، (وقال الحسين بن منصور) الحلاج أبو المغيث رحمه الله تعالى: (هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق) ولفظ العوارف: قال الحسين في قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم لأنه لم يؤثر فيه جفاء الخلق مع مطالعة الحق. (وقال) أبو سعيد (الخراز) رحمه الله تعالى: هو (أن لا تكون لك همة غير الله) وبه أجاب الجنيد حين سئل عن قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم قال: لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى ، وقال الواسطي: لأنه جاد بالكونين عوضا عن الحق ، وقيل: لأنه عاشر الخلق بخلقه ، وباينهم بقلبه (فهذا وأمثاله كثير) مشحون به كتب القوم كقول الجنيد: حسن الخلق أربعة أشياء: السخاء والأنفة والنصيحة والشفقة ، وقال أبو سعيد القرشي: الخلق العظيم الجود والكرم والصفح والعفو والإحسان ، وقيل: هو لباس التقوى والتخلق بأخلاق الله تعالى ، إذ لم يبق عنده للأعراض خطر .

وقال ابن المبارك: حسن الخلق هو بسط الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى ، وكل قد تكلم إما بما أفاض الله عليه في وقته وألقى في روعه ، أو أخبر بما هو متحقق به في ذلك، أو نظر إلى سائله فأجاب بما يطابق حاله حين سؤاله ، (وهو) إذا تأملت (تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه) وحقيقته (ثم ليس محيطا بجميع الثمرات أيضا) والعذر لهم في ذلك أن الأخلاق لها ثمرات كثيرة ومكارمها غير محصورة ، وإحاطتها في جملة واحدة متعسرة ، ولها مراتب عليا وسفلى ، وبينهما أوساط ، وكل قد أشار إلى مرتبة من مراتبها بحسب الاقتضاء ، كما في خبر عائشة عند البيهقي :

[ ص: 327 ] مكارم الأخلاق عشرة: . . . ثم ذكرها. فكأنه أشار إلى أعاليها، ولم يرد بذلك الإحاطة لها (وكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة، فنقول: الخلق) بفتح فسكون (والخلق) بضمتين (عبارتان مستعملتان معا ، يقال: فلان حسن الخلق والخلق أي: حسن الظاهر والباطن ، فيراد بالخلق) بالفتح (الصورة الظاهرة) إذ هو في اللغة بمعنى التقدير المستقيم (وبالخلق الصورة الباطنة ، وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر) الظاهر (ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة) الباطنة (ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة) وقد يكون القبح في الصورة الظاهرة والجمال في الصورة الباطنة وبالعكس ، فما أقبح بالمرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه ، كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه: أما البيت فحسن ، وأما ساكنه فرديء .

ودخل حكيم على رجل فرأى دارا مشيدة وفرشا مبسوطة ، ورأى صاحبها خلوا من الفضيلة ، فبصق في وجهه ، فقال له: ما هذا السفه أيها الحكيم؟ فقال: بل هذه حكمة ، إن البصاق ليرمى إلى أخس مكان في الدار ، ولم أر في دارك أخس منك ، فنبه بذلك على دناءة الجهل ، وأن قبحه لا يزول بادخار القيتات ، (والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ، ولذلك عظم الله أمره بالإضافة إلى نفسه ، فقال: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) فقعوا له ساجدين (فنبه به على أن الجسد منسوب إلى الطين ، والروح منسوب إلى الله تعالى) لأنه أضافه إلى نفسه، (والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد) إذ المراد بكل منهما اللطيفة الربانية (فالخلق) بضمتين (عبارة عن هيئة) وهي الحالة التي (للنفس راسخة) أي: ثابتة فيها (تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى) استعمال (فكر وروية) فعيلة من الرؤية بالفكر وبالعقل، (فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا) بسهولة (سميت الهيئة خلقا حسنا ، وإن كان الصادر عنها أفعالا قبيحة) مذمومة عقلا وشرعا (سميت الهيئة التي هي المصدر) لتلك الأفعال (خلقا سيئا ، وإنما قلنا: إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور) والقلة (لحالة عارضة) من خارج (لا يقال: خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ) واستقرار (وإنما شرطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية) وفكر؛ (لأن من تكلف بذل المال أو) تكلف (السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال: خلقه السخاء والحلم) لعدم صدورهما منه بسهولة .

(فها هنا أربعة أمور: أحدها: فعل الجميل أو القبيح. والثاني: القدرة عليهما. والثالث: المعرفة بهما. والرابع: هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح ، وليس الخلق عبارة عن) ذلك (الفعل) الصادر عن الهيئة ، (فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل ، إما لفقد المال) أي: كونه غير موجود عنده (أو لمانع) آخر مع وجوده عنده، (وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل) المال (لباعث) قائم في النفس نحو حياء من الناس (أو لرياء وسمعة ، وليس هو) أي: الخلق (عبارة عن القوة) أي: القدرة على ذلك الفعل الصادر عن الهيئة (لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء، بل) نسبتها (إلى الضدين واحدة ، وكل إنسان خلق بالفطرة) الأصلية (قادرا على الإعطاء أو الإمساك، وذلك لا يوجب خلق البخل) بالنسبة إلى قوة الإمساك (ولا خلق السخاء) بالنسبة إلى قوة الإعطاء (وليس هو) أي: الخلق (عبارة عن المعرفة بذلك الفعل) الصادر عن الهيئة (فإن المعرفة تتعلق

[ ص: 328 ] بالجميل والقبيح على وجه واحد، بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها تستعد النفس) وتتهيأ (لأن يصدر منها الإمساك أو البذل، فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة) هذا هو الأصل ، واختلف في اشتقاقه وأخذه ، فقيل : هو من قولهم: فلان خليق بكذا ، وصاحب هذا القول يجعله اسما للحالة المكتسبة التي يصير الإنسان بها خليقا أن يفعل شيئا دون شيء ، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه ، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته كالشجاعة للأسد، والجبن للأرنب، والمكر للثعلب، أو من الخلاقة أي: الملاسة ، فكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قولهم: العادة طبيعة ثانية ، ويجعل مرة اسما للفعل الصادر عنه باسمه ، وعلى ذلك أسماء أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة ، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعا ، وربما تسمى الهيئة باسم والفعل الصادر عنها باسم كالسخاء والجود ، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان ، والجود اسم للفعل الصادر عنها ، وإن كان قد يسمى كل واحد باسم الآخر ، وانظر ما قدمنا فيه قريبا في التنبيه ، هذا ما يتعلق بالخلق والفرق بينه وبين الطبع والسجية والعادة ، فالطبع أصله من طبع السيف ، وهو اتخاذ الصورة المخصوصة في الحديد ، وكذلك الطبيعة اعتبارا بطبع السيف ، والضريبة اعتبار بضرب الدراهم، وقد تقدم ذكرها في الحديث: كرم الضريبة ، والنحيتة اعتبارا بالنحت ، والنجيرة اعتبارا بنجر الخشبة ، والغريزة لما غرز عليه ، وكل ذلك اسم للقوة التي لا سبيل إلى تغيرها ، والشيمة اسم للحالة التي عليها الغريزة اعتبارا بالشامة التي هي أصل الخلقة ، والسجية اسم لما سجى عليه الإنسان من قولهم: عين ساجية، أي: فاترة خلقة ، وأكثر ما يستعمل ذلك فيما لا يمكن تغيره ، وأما العادة فاسم لتكرير الفعل والانفعال من عاد يعود ، وبها يكمل الخلق ، وليس للعادة فعل إلا تسهيل خروج ما هو بالقوة في الإنسان إلى الفعل ، فأما أن يجذب السجية إلى خلاف ما خلقت عليه فمحال ، فالسجية اسم لفعل الخالق ، والعادة فعل للمخلوق ، ولا يبطل فعل المخلوق فعل الخالق ، لكن ربما تقوى العادة قوة محكمة حتى تعد سجية ، وبهذا النظر قيل العادة طبيعة ثانية ، (وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين) فقط (دون) حسن (الأنف والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها ، حتى يتم حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهي) القوى الأربعة (قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة) هذه الثلاثة أصول الأركان (و) الرابعة هي (قوة العدل بين هذه القوى الثلاث) ولا يحصل للإنسان طهارة النفس إلا بإصلاح تلك القوى الثلاث (أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق وهو التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأفعال) وإصلاح هذه القوة بالتعلم بشروطه وآدابه المذكورة في كتاب العلم، (وإذا انصلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة) التي هي إصابة الحق بالعلم والعمل .

(والحكمة رأس الأخلاق الحسنة) أي: أعلاها (وهي التي قال) الله (تعالى فيها: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) أشار بذلك إلى أن الحكمة جماع الخير كله ، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة قال: يعني العقل والفهم والفطنة من غير نبوة ، أخرجه ابن مردويه ، وأما قوة الغضب فحسنها في أن يقتصر انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وإصلاحها بأسلاسها حتى يحصل الحلم ، وهو كف النفس عن قضاء وطر الغضب وتحصل الشجاعة ، وهو كف النفس عن الخوف والحرص المذمومين ، (وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني: إشارة الدين والعقل) وإصلاحها بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة (وأما قوة العدل فهو في ضبط قوة الغضب والشهوة تحت إشارة العقل والشرع ، فالعقل منزلته منزلة الناصح المشير ، وقوة العدل هي القدرة ومنزلها منزلة المنفذ) للأمر (الممضي لإشارة العقل، والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة) المذكورة

[ ص: 329 ] (ومثال الغضب) في الظاهر (مثال كلب الصيد) أي: المتخذ له (فإنه يحتاج إلى أن يؤدب) ويعلم (حتى يكون استرساله) للصيد (وتوقفه) عنه (بحسب الإشارة لا بحسب هيجان النفس، ومثال الشهوة) في الظاهر (مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد ، فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا) يكون إقدامه وإحجامه تحت الإشارة (وتارة يكون جموحا) رافعا رأسه حيث يريد غير مطيع لصاحبه، (فمن استوت فيه هذه الصفات واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ، وفيه جماع المكارم وهو الممدوح بما تقدم من الآيات والأخبار ، ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة) فهو حسن مقصور (كالذي يحسن بعض أعضاء وجهه دون بعض) فإنه لا يقال فيه أنه حسن الوجه مطلقا (وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة) وهي إن اعتبرت في النفس، فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش ، وإن اعتبرت بالفعل، فالإقدام على موضع الفرصة (وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة) بالكسر وهي حصول حالة للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة ، وأصلها تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة ، والعفة بالضم البقية من الشيء (فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمي ذلك تهورا) وهو الثبات المذموم في الأمور العملية (وإن مالت إلى الضعف والنقصان ، سمي ذلك جبنا) وهو الإحجام عن مباشرة ما ينبغي (وخورا) محركة وهو الضعف عن مباشرة ما ينبغي ، اعلم أن الشجاعة تتولد من الفزع والغضب إذا كانا متوسطين ، فإن الغضب قد يكون لمن يحتدم سريعا من أشياء صغيرة ، وقد يكون مفرطا لا يغضب من الاجتراء على حرمه وشتم أبيه ، وقد يكون متوسطا على ما يجب من وقت ما يجب بقدر ما يجب ، وكذلك الفزع يكون منه فيتولد منه الجبن الهالع ومفرطا ، فيتولد منه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه وتضييع حرمه وأصدقائه ، وقد يكون متوسطا كما يجب وقدر ما يجب، (وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة سمي شرها) بالتحريك ، وهو شدة الحرص إلى الشيء، (وإن مالت إلى النقصان سمي جمودا) .

اعلم أن العفة لا تتعلق إلا بالقوى الشهوية ولا تتعلق القوة الشهوية إلا بالملاذ الحيواني وهي المعلقة بالغارين وهما البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة ، فهي إذا ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية وهي حالة متوسطة بين إفراط وتفريط (والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة) ، بل أس الفضائل من القناعة والزهد ، وغنى النفس والسخاء وعدمها يعفى على جميع المحاسن ويعري عن لبوس المحامد ، ومن يتسم بسمة العفة قامت العفة له بحجة ما سواها من الفضائل ، وسهلت له سبيل الوصول إلى المحاسن، (والطرفان) الإفراط والتفريط (رذيلتان مذمومتان) قد تنشأ عنهما رذائل كثيرة كما سيأتي بيانها .

(والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان ، بل له ضد واحد وهو الجور) نعم قد يتصور أن يكون للعدل طرفان متغيران باعتبار كماله ونقصانه ، وباعتبار ظهوره في وصفه الحقيقي ، وفي غير وصفه بأن يسمى عدلا بالإضافة وهو جور في الحقيقة ، وذلك كقولهم: " المساواة في الظلم عدل" وهذا يتصور فيما إذا انتشر الجور ، وصار كل من يأتي من الولاة يزيد جورا على الجور السابق ، فيأتي رجل فيبطل تلك الزيادة ويقيم الناس على القانون السابق ، فذلك القانون السابق ، ولو كان في حد نفسه جورا إلا أنه بالإضافة لما يصدر من الناس من الزيادة هو عدل في الجملة ، ولكن ليس لطرفيه اسم خاص يتميز به عن ضده ، ومما يدلك على اختلاف مراتب العدل أنه ليس عدل عمر بن عبد العزيز رحمه الله كعدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كما أنه ليس عدل السلطان نور الدين الشهيد رحمه الله كعدل عمر بن عبد العزيز ، وكل منهم عادلون في أزمنتهم، (وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة) التي لا يبيحها الشرع (خبا) بالكسر (وجربزة) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الموحدة وهي الشطارة (ويسمى تفريطها بلها) محركة ، وهو ضعف العقل (والوسط هو الذي يخص باسم الحكمة ، فإذا أمهات الأخلاق وأصولها أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من

[ ص: 330 ] الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية) وهي المسماة بهيئة القوة العقلية العلمية (ونعني بالعدل حالة للنفس ، وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها مع مقتضى الحكمة ، وتضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها) أي: الحكمة لا على حسب مقتضى النفس (ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها) سواء اعتبرت في النفس أو في العقل (ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة وتأديب العقل والشرع) وهذه الأربعة التي هي أمهات الأخلاق تسمى فضائل نفسية وبعضها يلازم بعضا؛ فإن العقل المعبر عنه بالحكمة إذا أشرف عقل صاحبه عن الإقدام على ما يورثه مذمة ويحمله على الإقدام على المخاوف التي تورثه محمدة ، وعلى أن يسمح بفضلات ما في يده لمن يحتاج إليه ، وأن يبذل لكل ذي حق حقه ، وذلك هو العفة والشجاعة والجود والعدالة ، وكذلك إذا كان عدلا يحمله عدله على ترك ما لا يجوز له تناوله ، وإلا يحجم عما يلزمه الإقدام عليه وأن لا يبخل بفضلات في يده ، وإذا كان شجاعا لا تقهره شهوته على تناول ما لا يجوز تناوله ، وعلى ظلم غيره ، ولا يخاف الفقر فيبخل ، وبهذا النظر جعل بعض الشعراء الشجاعة سماحة والسماحة شجاعة ، فقال:


أيقنت أن من السماح شجاعة * تدمي وإن من الشجاعة جودا



وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- دفع الشهوة جهادا فقال: جهادك هواك ، وجعلت العفة جودا فقيل : الجود جودان جود بما في يدك ، وجود بما في يد غيرك ، وهو أعظمهما ، وهذه الفضائل إذا حصلت حصل بها الإنسانية والحرية والكرم ، وعنها يتأصل الإسلام والإيمان والتقوى والإخلاص .




الخدمات العلمية