الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها ، والمعاودة يؤاخذ بها ، قال صلى الله عليه وسلم : لك الأولى ، وعليك الثانية . أي : النظرة وقال العلاء بن زياد لا تتبع بصرك رداء المرأة ؛ فإن النظر يزرع في القلب شهوة وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان ، فمهما تخايل إليه الحسن ، تقاضى الطبع المعاودة ، وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل ؛ فإنه إن حقق النظر ، فاستحسن ؛ ثارت الشهوة ، وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر ، وإن استقبح لم يلتذ وتألم لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه ، فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية وعن تألم ، وعن تحسر ، ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات ، فإن أخطأت عينه ، وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ، ونهاية التوفيق فقد روي عن أبي بكر بن عبد الله المزني أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه ، فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى ، فتبعها وراودها عن نفسها ، فقالت له : لا تفعل لأنا ؛ أشد حبا لك منك لي ولكني ، أخاف الله . قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه ؟! فرجع تائبا ، فأصابه العطش حتى كان يهلك فإذا برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله ، فقال : ما لك ؟ قال : العطش . قال : تعال حتى ندعو الله بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية . قال ما لي : من عمل صالح فأدعو فادع أنت . قال أنا : أدعو وأمن أنت على دعائي فدعا الرسول وأمن هو ، فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية ، فأخذ القصاب إلى مكانه ، فمالت السحابة معه ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : زعمت أن ليس لك عمل صالح ، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت ، فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني بأمرك ، فأخبره فقال الرسول : إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه وعن . أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال : كان عندنا بالكوفة شاب متعبد ، لازم المسجد الجامع ، لا يكاد يفارقه ، وكان حسن الوجه ، حسن القامة ، حسن السمت ، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل ، فشغفت به وطال عليها ذلك ، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق ، وهو يريد المسجد فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها، ثم اعمل ما شئت .

فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله ، فقالت له : يا فتى ، اسمع مني كلمات أكلمك بها فأطرق مليا وقال لها : هذا موقف تهمة ، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا . فقالت له : والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ، ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني ، والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير ، وأنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها ، وجملة ما أقول لك إن جوارحي كلها مشغولة بك ، فالله الله في أمري وأمرك . قال : فمضى الشباب إلى منزله ، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي ، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ، ثم خرج من منزله وإذا ، بالمرأة واقفة في موضعها ، فألقى الكتاب إليها ، ورجع إلى منزله وكان ، فيه بسم الله الرحمن الرحيم ، اعلمي أيتها المرأة إن الله عز وجل إذا عصاه العبد حلم ، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب ، فمن ذا يطيق غضبه ، فإن كان ما ذكرت باطلا ، فإني أذكرك يوما تكون السماء فيه كالمهل وتصير الجبال كالعهن وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم ، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي ، فكيف بإصلاح غيري ، وإن كان ما ذكرت حقا ، فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع المرمضة ذلك الله رب العالمين ، فاقصديه بصدق المسألة ؛ فإني مشغول عنك بقوله تعالى : وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فأين المهرب من هذه الآية ؟ ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها ، فقالت : يا فتى ، لا ترجع ، فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي الله تعالى ثم بكت بكاء شديدا ، وقالت: أسأل لك : الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك . ثم إنها تبعته ، وقالت : امنن علي بموعظة أحملها عنك ، وأوصني بوصية أعمل عليها فقال لها : أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله تعالى : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ، قال : فأطرقت وبكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول ، ثم إنها أفاقت ولزمت بيتها ، وأخذت في العبادة فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا ، فكان الفتى يذكرها بعد موتها ، ثم يبكي ، فيقال له : مم بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك ؟ فيقول : إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها ، وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند الله تعالى فأنا أستحي منه ، أن أسترد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى .

تم كتاب كسر الشهوتين بحمد الله تعالى وكرمه، يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب آفات اللسان، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه، وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء وسلم تسليما كثيرا .

كتاب آفات اللسان .

وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين .

.

التالي السابق


(والنظرة الأولى) التي تقع مفاجأة (إذا لم تقصد) أي: لا تكون مقصودة، (لا يؤاخذ بها، والمعاودة) ، أي: مراجعتها ثانية (يؤاخذ بها، قال صلى الله عليه وسلم: لك الأولى، وعليك الثانية. أي: النظرة ) قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي من حديث بريدة ، قاله لعلي ، قال الترمذي : غريب، (وقال) أبو نصر (العلاء بن زياد) بن مطر العدوي البصري العابد المتوفى سنة 94: ( لا تتبع النظرة؛ فإن النظر يزرع في القلب شهوة ) أخرجه أبو نعيم في الحلية، فقال: حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي، حدثنا معتمر عن إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد : "لا تتبع بصرك رداء المرأة؛ فإن النظر يجعل في القلب شهوة" ، (وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان، فمهما تخايل إليه الحسن، تقاضى الطبع المعاودة، وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذا غاية الجهد؛ فإنه إن حقق النظر، فاستحسن؛ ثارت النفس بالشهوة، وعجز عن الوصول) إلى المطلوب، (فلا يحصل له إلا التحسر، وإن استقبح ولم يلتذ) ; لأن الاستلذاذ لا يكون إلا مع الاستحسان (تألم) في نفسه; (لأنه قصد الالتذاذ، فلا يخلو في كل حال عن معصية وعن تألم، وعن تحسر، ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات، فإن أخطأت عينه، وحفظ الفرج مع التمكن) والتيسر، (فذلك يستدعي غاية القوة، ونهاية التوفيق) من الله تعالى، (فقد روي عن بكر بن عبد الله المزني ) فيما رواه أبو نعيم في الحلية فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن محمد بن أبان ، حدثنا أبو بكر بن عبيد ، حدثني الحسن بن الصباح ، حدثنا زيد بن الخيار ، حدثنا محمد بن نشيط الهلالي ، حدثنا بكر بن عبد الله المزني (أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى، فتبعها وراودها عن نفسها، فقالت له: لا تفعل؛ فإنا) ولفظ الحلية: لأنا، (أشد حبا لك مني، ولكن أخاف الله. قال) القصاب: (وأنت تخافينه وأنا لا أخافه؟!) ، قال: (فرجع تائبا، فأصابه العطش حتى كاد يهلك) ، ولفظ الحلية: حتى كاد ينقطع عنقه، (فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله، فقال: ما لك؟ قال: العطش. قال: تعال حتى ندعو حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية. قال القصاب: ما لي من عمل فأدعو. قال: فأنا أدعو وأمن أنت) ، أي: قل: آمين، (على دعائي) ، قال: (فدعا الرسول وأمن هو، فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه، فمالت السحابة معه، فقال له الرسول: زعمت أن ليس لك عمل، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت، فأظلتنا سحابة ثم تبعتك) دوني، (لتخبرني بأمرك، فأخبره) بما جرى له مع الجارية، (فقال الرسول: إن التائب عند الله بمكان ليس أحد من الناس بمكانه. و) يحكى (عن أحمد بن سعيد العابد عن أبيه) سعيد بن إبراهيم ، (قال: كان عندنا بالكوفة شاب متعبد، لازم المسجد الجامع، لا يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه، حسن القامة، حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل، فشغفت به) أي: أحبته حبا شديدا دخل في شغاف قلبها; (وطال عليها ذلك، فلما كانت ذات يوم وقفت له على الطريق، وهو يريد المسجد، فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها) [ ص: 444 ] ثم اعمل ما شئت، فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه، وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها. (فأطرق) الفتى (مليا) ، أي: برهة من الزمن، (وقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا. فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك، ولكن معاذ الله أن يتشوف) ، وفي نسخة: يتشرف، (العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم معاشر العباد في مثل القوارير أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقول لك) ، وفي نسخة: ما أكلمك به (أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك. قال: فمضى الشاب إلى منزله، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا، ثم خرج من منزله، فإذا بالمرأة واقفة في موضعها، فألقى الكتاب إليها، ورجع إلى منزله، فكان فيه) ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، اعلمي أيتها المرأة أن الله عز وجل إذا عصاه العبد ستره، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره) كذلك، (فإذا لبس منها) ، وفي نسخة: لها (ملابسها) بحيث صار معروفا بها (غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا يطيق غضبه، فإن كان ما ذكرت باطلا، فإني أذكرك يوما تكون السماء فيه كالمهل) ، أي: كالرصاص الذائب، (وتصير الجبال كالعهن) ، أي: كالصوف المنفوش، (وتجثو الأمم) على ركبها (لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف بإصلاح غيري، وإن كان ما ذكرت حقا، فإني أدلك على طبيب يداوي الكلوم) أي: الجراحات (الممرضة والأوجاع المرمضة) ، أي: المحرقة (ذلك الله رب العالمين، فاقصديه بصدق المسألة؛ فإني متشاغل عنك بقوله تعالى: وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، والله يقضي بالحق، فأين المهرب من هذه الآية؟) ، وهذا آخر ما في الكتاب، (ثم إنها جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق) الذي يسلكه العابد إلى المسجد، (فلما رآها من بعيد أراد الرجوع لمنزله لئلا يراها، فقالت له: يا فتى، لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم إلا بين يدي الله تعالى) غدا، (ثم بكت بكاء شديدا، وقالت: أسأل الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك. ثم إنها تبعته، وقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك، وأوصني بوصية أعمل عليها، قال: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك) ، المراد بالنفس الأول الذات، وبالثاني الأمارة، أي: حفظ ذاتك من شرها، (وأذكرك قوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ، قال: فأطرقت وبكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول، ثم إنها أفاقت) من بكائها ورجعت إلى موضعها، (ولزمت بيتها، وأخذت في العبادة) وجدت فيها، (فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا، فكان الفتى يذكرها بعد موتها، ثم يبكي، فيقال له: مم بكاؤك وأنت قد أيستها من نفسك؟ فيقول: إني قد ذبحت طمعي منها في أول أمرها، وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند الله تعالى، وأنا أستحيي أن أسترد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى) ، هكذا أخرج هذه القصة الإمام [ ص: 445 ] أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج في كتاب مصارع العشاق، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمداني بمكة ، حدثنا إبراهيم بن علي ، حدثنا محمد بن جعفر الكاتب عن محمد بن الحسين البرجلاني ، قال: أخبرني أحمد بن سعيد العابد ، عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة .. فساقها إلى آخرها، وفيها بعض زيادات نشير إليها، منها بعد قوله: ثم إنها أفاقت فقالت:


والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنسا كمثلك في مصري وأحيائي



وذكر أبياتا آخرها قولها:


لألبسن لهذا الأمر مدرعة ولا ركنت إلى لذات دنيائي



وذكر بعد قوله: ثم لزمت بيتها، وأخذت في العبادة، قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينها، فيقال لها: وهل يغني هذا شيئا؟ فتقول: وهل لي دواء غيره؟ وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها، فإذا صلت قالت:


يا وارث الأمر هب لي منك مغفرة وحل عني هوى ذا الهاجر الداني
وانظر إلى خلتي يا مشتكى حزني بنظرة منك تجلو كل أحزاني



قال: فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا، ثم قال: وقال لنا الشيخ أبو القاسم الأزجي رحمه الله تعالى: ووجدت في نسخة زيادة مسموعة عن الزبيبي شيخنا رحمه الله تعالى قال: ثم إن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالا، فكان الطبيب قد عرف حديثها مع الفتى، فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى، فما كانت تجد لقطع لحمها ألما، ولا كانت تتأوه، فإذا سكت عن ذكره تأوهت، قال: فلم تزل كذلك حتى ماتت كمدا رحمة الله عليها .



(خاتمة)

قال صاحب القوت: فأما الصوم فليس عندهم هو الجوع المقصود لإسكان النفس وإخماد الطبع; لأن الصوم يصير عادة ويرجع الصائم إلى قوة طبعه إذا أفطر، فأما إذا كان يصوم ويفطر على الشهوات، أو يمتلئ من الأكل، فإن صوم هذا لا يزيده إلا قوة طبع وظهور نفس، وتفتق عليه الشهوات، ويدخل عليه الفتور عن الطاعات، ويجلب عليه الكسل والشبهات، وربما قوي طبعه جملة واحدة، وظهرت عليه نفسه بقوة مجملة، إلا أنه لا يجري في نهاره إلا فيما أجريت عادته عليه، وجعل حاله فيه من أبواب الدنيا، والتنقل في الهوى وإن كان ظاهر أحواله أسباب الآخرة عنده لقصور علمه فإن حشوها الدنيا، فالتقلل وأخذ البلغة من القوت في الأوقات مع الإفطار أصلح لقلب هذا، وأدوم لعلمه، وأبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم; لأن هذا الذي وصفناه عادة أبناء الدنيا المترفهين، ليس بصوم أهل الآخرة الزاهدين، ولكن بالتقلل والطي وترك الشهوات واجتناب الشبهات تنكسر النفس وتذل ويخمد الطبع وتضعف الصفة عن العادة، وتقوى إرادة الآخرة ، ويعمل المريد في سعيها، وتخرج حلاوة الدنيا من القلب، فيصير العبد من الجوع والطي وترك الترهات كأنه زاهد، وقيل لأبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى -وهو أعلى هذه الطائفة إشارة-: بأي شيء نلت هذه المعرفة؟ قال: ببطن جائع، وجسد عار. وفي الخبر الإسرائيلي أن عيسى عليه السلام ظهر له إبليس فرأى عليه معاليق من ألوان الأصباغ من كل شيء، فقال له: ما هذه المعاليق؟ قال: هذه شهوات بني آدم . فقال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة، وعن الذكر. قال: هل غير ذلك؟ قال: لا. قال: لله علي ألا أملأ بطني من طعام أبدا. قال إبليس: ولله علي ألا أنصح مسلما أبدا. وكان أبو سليمان الداراني يقول: إذا عرضت لك حاجة من حوائج الآخرة فأمضها قبل أن تأكل، فما من أحد شبع إلا نقص عمله، أو قال: تغير عقله عما كان عليه، وقالوا: إذا كان العبد ناسيا لجوعه، ذاكرا لربه، فهو يشبه الملائكة ، وإذا كان شبعان منهوما في طلب الشهوات، فهو أشبه شيء بالبهائم، ويقال: إن الجوع ملك، والشبع مملوك، وإن الجائع عزيز، والشبعان ذليل. وقيل: الجوع عز كله، والشبع ذل كله. وقال أبو سعيد الخراز : معنى الجوع اسم معلق على الخلق، افترقوا في الدخول فيه، والعمل به؛ لعلل كثيرة، فمنهم من يجوع ورعا إذا لم يصب الشيء الصافي، ومنهم من وجد الشيء الصافي فتركه زهدا [ ص: 446 ] فيه من مخالفة طول الحساب والوقوف والسؤال، ومنهم من استلذ العبادة والنشاط بها والخفة، فرأى النيل من الطعام والشراب قاطعا له وشاغلا عن الخدمة والخلوة، ومنهم من قرب من الله تعالى فلزم قلبه حقيقة الحياء حين علم أن الله مشاهده، وكان الحياء مقامه لا غير، فتوهم أن الله يراه وهو يمضغ بين يديه ويأكل ويشرب، فيؤديه ذلك إلى الاختلاف إلى الكنيف، فيجوع من هذه العين، وهكذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومنهم من أدركه السهر عن حاجاته فسلا عن نيل مصلحته حتى يذكر في الغب أو يذكر، ورأى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأخذ بجلد ذراعه وجعل يقول: جعت هذا الجوع كله؟ ولم يقل له: اترك الجوع. ولو قال له: اتركه؛ لعله كان يتركه .

قال صاحب القوت: وكان بعض شيوخنا ترك أكل الخبز الحار; لأنه كان يشتهيه سنين كثيرة، فعوتب في ذلك، فقال: لو طمعت نفسي في أكل الخبز عشرين سنة ما أطعتها الساعة، وكان ربما بكى من شدة شهوة نفسه وقوة عزم مجاهدته؛ لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه، فييأس من شهوتها آخر الدهر، فلذلك كان يقع عليه البكاء للإياس من المشتهى، واعلم أن الشهوات لا حد لها، وإنما الحد للقوت، فمثل الشهوات مثل الجهل، لا حد له، ومثل القوت مثل العلم، له حد ينتهي إليه، فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية، وكان أبو سليمان الداراني يقول: لا تضر الشهوات من لم يتكلفها، إنما تضر من حرصها. وكان يدعو أصحابه فيقدم إليهم الطيبات، فيقولون: تنهانا عنها وتقدمها إلينا؟ قال: لأني أعلم أنكم تشتهونها فتأكلونها عندي خير، ولو جاءني من يزهد ما زدته على الملح. وكان يقول: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله تعالى. وقال بعض الخلفاء: شرب ماء بثلج يخلص الشكر لله تعالى. وأوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه: أدرك إلى لطف الفطنة وخفي اللطف؛ فإني أحب ذلك. قال: يا رب، وما لطف الفطنة؟ قال: إذا وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها، فسلني حتى أرفعها. قال: وما خفي اللطف؟ قال: إذا أتاك فولة مسوسة فاعلم أني ذكرتك بها، فاشكرني عليها. وأوحى إلى بعض الأنبياء: لا تنظر إلى قلة الهدية، وانظر إلى عظمة مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، وانظر إلى كبرياء من واجهته بها، وإذا أصابك ضر أو فقر، فلا تشكني إلى خلقي، كما إذا صعدت مساويك إلي لم أشكك إلى ملائكتي.وبه تم شرح كتاب كسر الشهوتين، شهوة البطن، وشهوة الفرج، وذلك عصر يوم الثلاثاء ثاني عشر محرم الحرام، افتتاح سنة ألف ومئتين، أرانا الله خيرها، وكفانا ضيرها، قال ذلك أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني، لطف الله به، آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .




الخدمات العلمية