الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشروط الصحيحة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 80 ] باب

الشروط في النكاح

وهي قسمان : صحيح مثل اشتراط زيادة في المهر أو نقد معين أو لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى ، فهذا صحيح لازم إن وفى به ، وإلا فلها الفسخ ، وإن شرط لها طلاق ضرتها ، فقال أبو الخطاب : هو صحيح ، ويحتمل أنه باطل ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ، ولتنكح ، فإن لها ما قدر لها .

التالي السابق


باب

الشروط في النكاح ( وهي قسمان : صحيح ) وفاسد ، لأنه عقد معاوضة ، فانقسم إلى ذلك كالبيع ، والأول نوعان ، أحدهما : شرط ما يقتضيه العقد كتسليم المرأة ، وتمكينه من الاستمتاع بها ، فهذا لا أثر له ، وجوده كالعدم ، والثاني : شرط ما تنتفع به المرأة وهو المعبر عنه بقوله : ( مثل اشتراط زيادة في المهر أو نقد معين ) ، فهذا صحيح يجب الوفاء به ، كالثمن في البيع ( أو ) شرط أن ( لا يخرجها من دارها أو بلدها ) هذا المذهب وعليه الأصحاب ; لما روى عقبة بن عامر - مرفوعا - قال : إن أحق الشروط أن توفوا به ، ما استحللتم به الفروج رواه الشيخان ; ولعمومات الأمر بالوفاء بالعقود والعهود ; ولأن الشارع حرم مال الغير إلا عن تراض منه ، ولا شك أن المرأة إذا لم ترض ببذل فرجها إلا بهذا الشرط وشأن الفرج أعظم من المال ، فإذا حرم المال إلا بالتراضي ، فالفرج أولى ، مع أن الأثرم روى أن رجلا تزوج امرأة ، وشرط لها دارها ، ثم أراد نقلها ، فخاصموه إلى عمر ، فقال : لها شرطها ، وعنه : لا يلزم ، وحكاها أبو الحسين عن شيخه ; لقوله عليه السلام : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وعن عمرو بن عوف المسلمون عند شروطهم ، إلا شرطا حرم حلالا ، أو أحل حراما رواه الترمذي ، وقال : حسن صحيح ، وجوابه بأن معناه : ليس في كتاب الله ، أي : في حكمه وشرعه ، وهذه مشروعة ، ومن نفاه فعليه الدليل ، وعن الثاني : بأنها لا تحرم الحلال ، وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ ، وقال القاضي في " الجامع " : يثبت لها الفسخ بالغرم [ ص: 81 ] على الإخراج ، وما ذكره المؤلف هو قول عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ، فكان كالإجماع ( أو لا يتزوج عليها ، ولا يتسرى فهذا صحيح ) ; لقول عمر : مقاطع الحقوق عند الشروط ; ولأنه شرط له فيه منفعة ، كاشتراط نقد معين ( لازم إن وفى به ، وإلا فلها الفسخ ) كاشتراط صفة في المبيع ، ككونه كاتبا أو صانعا ، ومقتضى كلام أصحابنا أن الزوج لا يجبر على الوفاء بالشرط ، وظاهر كلام أحمد خلافه .

تنبيه : ظاهر إطلاق المؤلف - وذكره الشيخ تقي الدين - ظاهر المذهب ، ومنصوص الإمام : أنه كالشرط فيه ; لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود يتناول ذلك .

والثاني : لا يؤثر إلا إذا اشترطت في العقد ، وهو مقتضى كلام القاضي في مواضع ، واختاره في " المحرر " ، وقدمه في الفروع كالشروط .

والثالث : يفرق بين شرط يجعل العقد غير مقصود ، كالتواطؤ على أن البيع تلجئة ، لا حقيقة له فيؤثر ، وبين شرط لا يخرجه عن أن يكون مقصودا كاشتراط الخيار ، فهذا لا يؤثر ، قاله القاضي في تعليقه .

( وإن شرط لها طلاق ضرتها ، فقال أبو الخطاب : هو صحيح ) وهو رواية ، ذكره جماعة ، وجزم به في " المحرر " و " الوجيز " ; لأن لها فيه نفعا وفائدة ، أشبه ما لو شرطت أن لا يتزوج عليها ، لكن قال المؤلف : ( ويحتمل أنه باطل ) هذا قول في المذهب ( لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ، ولتنكح ، فإن لها ما قدر لها ) رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، والأشهر [ ص: 82 ] مثله بيع أمته ، قال في " عيون المسائل " وغيرها : إذا شرطت أن لا يسافر بها إذا أرادت انتقالا ، لم يصح ; لأنه اشتراط تصرف الزوج بحكم عقد النكاح ، وذلك لا يجوز ، كما لو شرطت أن تستدعيه إلى النكاح وقت حاجتها وإرادتها ، وهنا شرطت التسليم على نفسها في مكان مخصوص ، فاقتصرت بالشرط في تصرفه فيها على بعض ما تستحقه من التصرف بإطلاق العقد ، وذلك غير ممتنع كما بينا أن الشرع قصر تصرفه على مكان وعدد ، فلا يخص الشرع الزوجة بالتصرف في الزوج ، قال في " الفروع " : ويتوجه لا يبعد صحته ، وأنه يخرج من شرطها طلاق ضرتها .

أصل : ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم في " الهدي " في قصة بني هاشم بن المغيرة لما استأذنوا أن يزوجوا علي بن أبي طالب ابنة أبي جهل قال فيه : إنه تضمن هذا مسألة الشرط ; لأنه عليه السلام أخبر أنه يؤذي فاطمة ، ويريبها ، ويؤذيه ويريبه ، وأنه معلوم أنه إنما زوجه على عدم ذلك ، وأنه إنما دخل عليه وإن لم يشترط في العقد ، وفي ذكره عليه السلام صهره الآخر بأنه حدثه فصدقه ، ووعده فوفى له - تعريض لعلي ، وأنه قد جرى منه وعد له بذلك ، فحثه عليه ، قال : فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا ، وأن عدمه يملك به الفسخ ، فقوم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ، أو المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة ، ويمنعون الأزواج منه ، أو تعلم عادة أن المرأة لا تمكن من إدخال الضرة عليها - كان ذلك كالمشروط لفظا ، وهذا مطرد على قواعد أهل المدينة ، وأحمد : أن الشرط العرفي كاللفظي ، وبهذا أوجبوا الأجرة على من دفع ثوبه إلى قصار ، المسألة المشهورة .

فرع : متى بانت من زوجها فلا حق لها في الشرط ، نقل أبو الحارث : [ ص: 83 ] وإن أعطته مالا ، واشترطت عليه أن لا يتزوج عليها - يرد عليها المال إذا تزوج ، وأنه لو دفع إليها مالا على أن لا تتزوج بعد موته ، فتزوجت - يرد المال إلى ورثته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث