الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          وإن قال : أنت طالق لأشربن الماء الذي في الكوز ، ولا ماء فيه ، أو لأقتلن فلانا الميت ، أو لأصعدن السماء ، أو لأطيرن ، أو إن لم أصعد السماء ونحوه - طلقت في الحال ، وقال أبو الخطاب في موضع : لا تنعقد يمينه ، وإن قال : أنت طالق إن شربت ماء الكوز - ولا ماء فيه - أو صعدت السماء ، أو شاء الميت ، أو البهيمة ، لم تطلق في أحد الوجهين ، وتطلق في الآخر ، وإن قال : أنت طالق اليوم إذا جاء غد ، فعلى الوجهين ، وقال القاضي : لا تطلق .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          ( وإن قال : أنت طالق لأشربن الماء الذي في الكوز ، ولا ماء فيه ، أو لأقتلن فلانا الميت ، أو لأصعدن السماء ، أو لأطيرن ، أو إن لم أصعد السماء ونحوه - طلقت في الحال ) هذا المذهب ، كما لو قال : أنت طالق إن لم أبع عبدي ، فمات العبد ؛ ولأنه علق الطلاق على نفي فعل المستحيل ، وعدمه معلوم في الحال ، وفي الثاني : فإنه يوقع الطلاق ( وقال أبو الخطاب في موضع : لا تنعقد يمينه ) وحكاه عن القاضي ؛ لأن اليمين المنعقدة هي التي يمكن فيها البر والحنث ، وهو منتف هنا .

                                                                                                                          قال في " الشرح " : والصحيح أنه يحنث ، فإن الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث ، قال الله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم [ النحل : 38 ] ؛ ولأنه لو حلف على فعل متصور [ ص: 314 ] فصار ممتنعا - حنث ، فهذا أولى ، وقيل : لا تطلق في المحال لذاته ، وإن المحال عادة كالممكن في تأخير الحنث إلى آخر حياته ، وقيل : إن وقته كقوله : لأطيرن اليوم ، لم تطلق إلا في آخر الوقت ، وإن أطلق ، طلقت في الحال ، وذكره أبو الخطاب اتفاقا .

                                                                                                                          فرع : إذا حلف ليقتلن فلانا ، وهو ميت ، فقيل : يحنث ، وهو الأشهر ، وقيل : لا ، وقيل : إن كانت يمينه بطلاق أو عتاق - حنث ، وإن كان بغيرهما فلا ، وفرق القاضي في " الجامع " ، فقال : إن لم يعلم بموته لم يحنث ، وإلا حنث .

                                                                                                                          ( وإن قال : أنت طالق إن شربت ماء الكوز - ولا ماء فيه - أو صعدت السماء ، أو شاء الميت ، أو البهيمة ) أو إن قلبت الحجر ذهبا ، أو إن جمعت بين الضدين ، أو إن رددت أمس ( لم تطلق في أحد الوجهين ) صححه في " الشرح " ، وقدمه في " المحرر " ، و " الرعاية " ، و " الفروع " ؛ لأنه علق الطلاق بصفة لم توجد ؛ لأن ما يقصد تبعيده يعلق على المحال ، كقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [ الأعراف : 40 ] ؛ ولقول الشاعر :

                                                                                                                          إذا شاب الغراب أتيت أهلي وعاد القار كاللبن الحليب

                                                                                                                          .

                                                                                                                          وكحلفه بالله عليه ( وتطلق في الآخر ) ويلغى الشرط ؛ لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته ، ويمنع وقوعه في الحال ، وفي الثاني : فلم يصح كاستثناء الكل ، وكما لو قال : أنت طالق طلقة لا تقع عليك ، وقيل : إن علقه على مستحيل عقلا وقع في الحال ؛ لأنه لا وجود له ، وإن علقه على مستحيل - عادة - كالطيران [ ص: 315 ] وصعود السماء ، لم يقع ؛ لأن له وجودا ، وقد وجد في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء .

                                                                                                                          تذنيب : العتق والظهار ، والحرام والنذر كالطلاق ، واليمين بالله تعالى قيل كذلك ، وقيل : لا كفارة فيها كالغموس ، وفي " المستوعب " : تعليقه كقوله : لأفعلن ، أو لا فعلت ، نحو : لأقومن ، أو لا قمت - يصح بنية جاهل بالعربية ، وإن نواه عالم فروايتا أنت طالق ثم يريد إن قمت ، وإلا لم يصح ؛ لأنه لم يأت بحرف الشرط ، وتبعه في " الترغيب " ، وذكر الشيخ تقي الدين أنه خلاف الإجماع القديم ، وجزم به في " المغني " وغيره .

                                                                                                                          ( وإن قال : أنت طالق اليوم إذا جاء غد ، فعلى الوجهين ) ؛ لأن الطلاق إذا علق على شرط مستحيل ، فهل يقع ؛ فيه وجهان ؛ لأنه جعل وقوع الطلاق مظروفا لليوم ومشروطا للغد ، والجمع بينهما محال ، والمذهب : عدم الوقوع ( وقال القاضي : لا تطلق ) ؛ لأن شرط الطلاق لم يتحقق ؛ لأن مقتضاه وقوع الطلاق إذا جاء في اليوم ، ولا يجيء غد إلا بعد فوات اليوم وذهاب محل الطلاق .

                                                                                                                          وفي " المغني " : إن اختيار القاضي أنها تطلق في الحال ؛ لأنه علقه بشرط محال ، فلغا الشرط ووقع الطلاق ، كما لو قال لآيسة : أنت طالق للبدعة ، وقال في " المجرد " : إنها تطلق في غد .

                                                                                                                          تنبيه : إذا قال : أنت طالق لأقومن ، وقام - لم تطلق ، وإن لم يقم في الوقت الذي عينه حنث في قول أكثرهم ، وإن قال : أنت طالق إن أخاك لعاقل ، وكان كذلك - لم يحنث ، كقوله : والله إن أخاك لعاقل ، وإن شك في عقله لم يقع [ ص: 316 ] وإن قال : أنت طالق لا أكلت هذا الرغيف ، فأكله - حنث ، وإن قال : ما أكلته ، لم يحنث إن كان صادقا ، وحنث إن كان كاذبا ، كقوله : والله ما آكله ، وإن قال : أنت طالق لا دخلت الدار ولا ضربتك ، ونوى به التعليق - صح إن كان جاهلا ، وإلا فروايتان ، وإن قال : أنت طالق ثلاثا على مذهب السنة والشيعة واليهود والنصارى - طلقت ثلاثا لاستحالة الصفة ؛ لأنه لا مذهب لهم ، وكقصده التأكيد .




                                                                                                                          الخدمات العلمية