الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في المفوضة

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

والتفويض ، على ضربين : تفويض البضع ، وهو أن يزوج الأب ابنته البكر ، أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر ، وتفويض المهر وهو أن يتزوجها على ما شاءت أو شاء أجنبي ونحو ذلك ، فالنكاح صحيح ، ويجب مهر المثل بالعقد ، ولها المطالبة بفرضه ، فإن فرضه الحاكم لم يجز إلا بمقداره ، وإن تراضيا على فرضه جاز ما اتفقا عليه من قليل وكثير ، وإن مات أحدهما قبل الإصابة ، ورثه صاحبه ، ولها مهر نسائها ، وعنه : أنه يتنصف بالموت إلا أن يكون قد فرضه لها ، وإن طلقها قبل الدخول بها لم يكن لها عليه إلا المتعة على الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره ، فأعلاها خادم ، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها ، وعنه : يرجع في تقديرها إلى الحاكم ، وعنه : يجب لها نصف مهر المثل ، فإن دخل بها استقر مهر المثل ، فإن طلقها بعد ذلك ، فهل تجب المتعة ؛ على روايتين ، أصحهما : لا تجب .

التالي السابق


فصل في المفوضة

يجوز فيه فتح الواو وكسرها ( والتفويض ) معناه : الإهمال ، كأنها أهملت المهر حيث لم يسمه ، قال الشاعر :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم 206 ولا سراة إذا جهالهم سادوا

.

( على ضربين : تفويض البضع ) وهو الذي ينصرف إطلاق التفويض إليه ( وهو أن يزوج الأب ابنته البكر ، أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر ) أو مطلقا ، قاله في " الرعاية " منه أن النكاح صحيح من غير تسمية صداق في قول عامتهم; لقوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [ البقرة : 236 ] ; ولقول ابن مسعود وسيأتي; ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق ، فصح ذكره كالنفقة ، وسواء [ ص: 167 ] شرطا نفي المهر أو تركا ذكره ، فلو قال : زوجتك بغير مهر في الحال ، ولا في الثاني صح ( وتفويض المهر وهو أن يتزوجها على ما شاءت أو شاء أجنبي ونحو ذلك ) ; لأنها لم تزوج نفسها إلا بصداق ، وهو مجهول ، فسقط لجهالته ( فالنكاح صحيح ، ويجب مهر المثل بالعقد ) ؛ لقول ابن مسعود ، وقد سئل عن امرأة تزوجت برجل لم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها صداق نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث فقام معقل بن سنان ، فقال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق - امرأة منا بمثل ما قضيت به ، ففرح بها ابن مسعود ، رواه الخمسة ، وصححه الترمذي ولفظه له; ولأنها تملك المطالبة به ، فكان واجبا كالمسمى; ولأنه لو لم يجب بالعقد لما استقر بالموت ، كالعقد الفاسد ، وإنما لم يتنصف; لأن الله تعالى نقل غير المسمى لها بالطلاق إلى المتعة ، فعلى هذا لو فرض الرجل مهر أمته ثم أعتقها ، أو باعها ثم فرض لها كان لمعتقها أو بائعها وإن طلقت عند المشتري فالمتعة لها ( ولها المطالبة بفرضه ) قبل الدخول فإن امتنع أجبر عليه لأن النكاح لا يخلو من المهر فوجب لها المطالبة ببيان قدره لا نعلم فيه خلافا ، إذ القول بعدم وجوبه ، بالعقد يفضي إلى خلوه منه ، مع أنه يقع صحيحا ، قال جماعة : ولها المطالبة بمهر المثل ، وقيل : لا; لأنه لم يستقر ، ويصح إبراؤها منه قبل فرضه ، وعنه : لا ، لجهالته ، وإن وقف وجوبه على الدخول ، فكالعفو عما انعقد سبب وجوبه ( فإن ) امتنع من بيان قدره ( فرضه الحاكم ) ; لأنه معد لذلك ، فدل على أنه لو فرضه أجنبي لها لم يصح ، وإن رضيته وفيه وجه بالصحة ، فإن سلم إليها [ ص: 168 ] ما فرض لها فرضيته ، فهل يصح ؛ فيه احتمالان فإن قلنا يصح فطلقت قبل الدخول رجع نصفه إلى الزوج و ( لم يجز إلا بمقداره ) ; لأن الزيادة ميل عليه ، والنقصان ميل عليها ، والعدل المثل; ولأنه إنما يفرض بدل البضع ، فوجب أن يتقدر به كالسلعة ، إذا تلفت ، وحينئذ يلزمها فرضه بحكمه ، فدل أن ثبوت سبب المطالبة كتقديره أجرة المثل والنفقة ونحوه ، حكم ، فلا يغير حاكم آخر ما لم يتغير السبب ، كيسره في النفقة ، أو عسره .

( وإن تراضيا على فرضه جاز ما اتفقا عليه من قليل وكثير ) سواء كانا عالمين بمهر المثل أو لا; لأن الحق لهما لا يعدوهما; لأنه إذا فرض لها كثيرا فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه ، وإن رضيت باليسير فقد رضيت بدون ما يجب لها ، ويصير ما فرضاه كالمسمى في العقد في أنه يتنصف بالطلاق ، ولا تجب لها المتعة .

تنبيه : يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئا; للخبر ، وعن ابن عباس ، وابن عمر : لا يدخل بها حتى يعطيها شيئا; للخبر ، وجوابه : بأنه محمول على الاستحباب ، ويجب المسمى بوطء أو خلوة من يطأ مثله بمن يوطأ مثلها بدون مانع عرفا ، وفي المانع حسا أو شرعا روايتان .

( وإن مات أحدهما قبل الإصابة ) وقبل الفرض ( ورثه صاحبه ) بغير خلاف نعلمه; لأن عقد الزوجية صحيح ثابت ، فيورث به; لدخوله في عموم النص ( ولها مهر نسائها ) في ظاهر المذهب لحديث; ابن مسعود; ولأن الموت يكمل [ ص: 169 ] به المسمى ، فكمل به مهر المثل كالدخول ( وعنه : أنه يتنصف بالموت ) ; لأن المفروض لها يخالف التي لم يفرض لها في الطلاق ، فجاز أن يخالفها بعد الموت; ولأنها فرقة وردت على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس ، فلم يجب لها مهر المثل كفرقة الطلاق ( إلا أن يكون قد فرضه لها ) الحاكم ، فإنه لا يتنصف; لأن الفرض يجعله كالمسمى ، ولو سمى ثم مات لوجب كله ، فكذا إذا فرضه .

( وإن طلقها قبل الدخول بها لم يكن لها عليه إلا المتعة ) هذا المذهب ، ونص عليه في رواية جماعة ، وهو قول ابن عباس وابن عمر; لقوله تعالى : إذا نكحتم المؤمنات إلى قوله : فمتعوهن [ الأحزاب : 49 ] ولقوله تعالى : وللمطلقات متاع [ البقرة : 236 ] والأمر يقتضي الوجوب; ولأنه طلاق في نكاح يقتضي عوضا ، فلم يعر عن ذكر العوض كما لو سمى مهرا ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) أي المتعة معتبرة بحال الزوج; لقوله تعالى : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف [ البقرة : 236 ] وقيل : بحالها ، وقيل بحالهما ، وعلى الأول ( فأعلاها خادم ، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها ) ; لقول ابن عباس : أعلى المتعة خادم ، ثم دون ذلك النفقة ، ثم دون ذلك الكسوة ، وقيدت بما يجزئها في صلاتها; لأن ذلك أقل الكسوة ( وعنه : يرجع في تقديرها إلى الحاكم ) ; لأنه أمر لم يرد الشرع بتقديره ( وعنه : يجب لها نصف مهر المثل ) ; لأنها بدل عنه ، فيجب أن يتقدر به ، وعنه : يجب للمطلقة قبل الدخول نصف مهر مثلها; لأنه نكاح صحيح ، يوجب مهر المثل بعد الدخول ، فوجب نصفه بالطلاق كالتي سمى لها ، وكما لو سمى لها محرما .

[ ص: 170 ] ( فإن دخل بها استقر مهر المثل ) ; لأن الدخول يوجب استقرار المسمى ، فكذا مهر المثل; لاشتراكهما في المهر في المعنى الموجب للاستقرار ( فإن طلقها بعد ذلك ، فهل تجب المتعة ؛ على روايتين ، أصحهما : لا تجب ) وجزم به في " الوجيز " ; لأن كل من وجب لها نصف المهر لم يجب لها متعة ، سواء كانت ممن سمى لها صداقا أو لا; ولأنه وجب لها مهر المثل ، فلم يجب لها المتعة; لأنه كالبدل مع مهر المثل ، والثانية : لكل مطلقة متاع ، روى عن علي ، والحسن ، وسعيد بن جبير وغيرهم - للآية ، والمذهب : أن المتعة لا تجب إلا لحرة ، أو سيد أمة على زوج بطلاق قبل الدخول ، كمن لا مهر لها; لأنه - تعالى - قسم المطلقات قسمين ، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن ، ونصف المسمى لغير المفروض لهن ، وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه ، مع أن أبا بكر قال : العمل عندي على الثانية; لتواتر الروايات عنه بخلافها ، فإنه لم يرو عنه هذا إلا حنبل ، وعنه : تجب المتعة إلا لمن دخل بها وسمى لها .

فرع : لا متعة للمتوفى عنها بغير خلاف; لأن النص لم يتناولها ، وإنما يتناول المطلقات; ولأنها أخذت العوض المسمى لها في عقد المعاوضة ، فلم يجب لها به سواه كما في سائر العقود .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث