الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الذكاة

( وشروط ) صحة ( ذكاة ) ذبحا كانت أو نحرا أو عقر الممتنع ( أربعة أحدها كون فاعل ) لذبح أو نحر أو [ ص: 418 ] عقر ( عاقلا ليصح ) منه ( قصد التذكية ) فلا يباح ما ذكاه مجنون أو طفل لم يميز لأنهما لا قصد لهما كما لو ضرب إنسان بسيف فقطع عنق شاة . ولأن الذكاة أمر يعتبر له الدين فاعتبر فيه العقل كالغسل فتصح ذكاة عاقل ( ولو ) كان ( معتديا ) كغاصب فيباح مغصوب ذكاه غاصبه أو غيره لربه وغيره سهوا أو عمدا طوعا أو كرها بغير إذن ربه نصا ( أو ) كان ( مكرها ) بأن أكره مالك عاقلا على ذكاة نحو شاته فذكاها أو أكره ربها على ذلك ففعله ( أو ) كان ( مميزا ) فتحل ذبيحته كالبالغ ( أو ) كان ( قنا ) فتحل ذبيحته كالحر ( أو ) كان ( أنثى ) ولو حائضا ( أو ) كان ( جنبا ) لحديث كعب بن مالك عن أبيه { أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتا فكسرت حجرا فذبحتها به فقال لهم : لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أرسل إليه فأمر من سأله وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أو أرسل إليه فأمره بأكلها } رواه أحمد والبخاري ففيه إباحة ذبيحة المرأة والأمة والحائض والجنب . لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عنها وفيه أيضا إباحة الذبح بالحجر وما خيف عليه الموت وحل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه وإباحة ذبحه عند خوفه عليه الموت .

وكذا حل ذكاة الأقلف والفاسق ( أو ) كان ( كتابيا ولو حربيا ) لقوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } قال البخاري : قال ابن عباس " طعامهم ذبائحهم " ومعناه عن ابن مسعود ( أو ) كان الكتابي ( من نصارى بني تغلب ) لعموم الآية و ( لا ) تحل ذبيحة ( من أحد أبويه غير كتابي ) تغليبا للتحريم ( ولا ) ذبيحة ( وثني ولا مجوسي ولا زنديق ولا مرتد ) لمفهوم قوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وإنما أخذت من المجوس الجزية ; لأن لهم شبهة كتاب تقتضي تحريم دمائهم فلما غلب التحريم فيها غلب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم احتياطا للتحريم في الموضعين ( ولا ) تحل ذبيحة ( سكران ) لأنه لا قصد له ( فلو احتك ) حيوان ( مأكول بمحدد بيده ) أي : السكران أو من لم يقصد التذكية فانقطع بانحكاكه حلقومه ومريئه ( لم يحل ) لعدم قصد التذكية و ( لا ) يعتبر في التذكية ( قصد الأكل ) اكتفاء بنية التذكية لتضمنها إياها . الشرط ( الثاني الآلة ) بأن يذبح أو ينحر بمحدد يقطع أي : ينهر الدم بحده ( فتحل ) الذكاة ( بكل محدد حتى حجر وقصب [ ص: 419 ] وخشب وذهب وفضة وعظم غير سن وظفر ) نصا لحديث { ما أنهر الدم فكل ليس السن والظفر } متفق عليه من حديث رافع بن خديج وتقدم حديث كعب بن مالك ( ولو ) كان المحدد ( مغصوبا ) لعموم الخبر .

الشرط ( الثالث قطع حلقوم ) أي : مجرى النفس ( ومريء ) بالمد أي : مجرى الطعام والشراب سواء كان القطع فوق الغلصمة وهو الموضع الناتئ من الحلق أو دونها و ( لا ) يعتبر قطع ( شيء غيرهما ) لأنه قطع في محل الذبح ما لا يعيش الحيوان مع قطعه أشبه قطعهما مع الودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم ( ولا ) يشترط ( إبانتهما ) أي : الحلقوم والمريء بالقطع ( ولا يضر رفع يده ) أي : الذابح ( إن أتم الذكاة على الفور ) كما لو لم يرفعهما فإن تراخى ووصل الحيوان إلى حركة المذبوح فأتمها لم يحل ( والسنة نحر إبل بطعن بمحدد في لبتها ) وهي الوهدة بين أصل الصدر والعنق ( و ) السنة ( ذبح غيرها ) أي : الإبل قال الله تعالى : { فصل لربك وانحر } وقال : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وثبت { أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده } متفق عليه .

( ومن عكس ) أي : ذبح الإبل ونحر غيرها ( أجزأه ) ذلك لحديث { أنهر الدم بما شئت } وقالت أسماء { نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة } وعن عائشة { نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة } ( وذكاة ما عجز عنه كواقع في بئر ومتوحش بجرحه حيث كان ) أي : في أي : موضع أمكن جرحه فيه من بدنه . روي عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة لحديث رافع بن خديج .

قال { كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وكان في القوم خيل يسير فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به كذا } .

وفي لفظ " فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا " متفق عليه واعتبار الحيوان بحال الذكاة لا بأصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه والمتردي إذا لم يقدر على تذكيته يشبه الوحشي في العجز عن تذكيته ( فإن أعانه ) أي : الجارح على قتله ( غيره ككون رأسه ) أي : الواقع في نحو بئر ( بماء ونحوه ) مما يقتل لو انفرد ( لم يحل ) لحصول قتله بمبيح وحاظر فغلب الحظر كما لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبحه ( وما ذبح من قفاه ولو عمدا إن أتت الآلة ) التي ذبح [ ص: 420 ] بها من نحو سكين ( على محل ذبحه ) أي : الحلقوم والمريء ( وفيه حياة مستقرة حل ) لبقاء الحياة مع الجرح في القفا وإن كان غائرا ما لم يقطع الحلقوم والمريء وكأكيلة السبع إذا أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت حلت وإن كانت لا تعيش مع ذلك غالبا ( وإلا ) تأت الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة ( فلا ) يحل وتعتبر الحياة المستقرة بالحركة القوية . فإن شك هل فيها حياة مستقرة قبل قطع حلقوم ومريء ؟ فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع حل وإن كانت الآلة كالة وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح .

( ولو أبان رأسه ) أي : المأكول مريدا بذلك تذكيته ( حل مطلقا ) أي : سواء كان من جهة وجهه أو قفاه أو غيرهما لقول علي فيمن ضرب وجه ثور بالسيف تلك ذكاة وأفتى بأكلها عمران بن حصين ولا مخالف لهما . ولأنه اجتمع قطع ما لا تبقى معه الحياة مع الذبح ( و ) حيوان ( ملتو عنقه كمعجوز عنه ) للعجز عن الذبح في محله كالمتردية في بئر ( وما أصابه سبب الموت ) من حيوان مأكول ( من منخنقة ) التي تخنق في حلقها ( وموقوذة ) أي : مضروبة حتى تشرف على الموت ( ومتردية ) أي : واقعة من علو كجبل وحائط وساقطة في نحو بئر ( ونطيحة ) بأن نطحتها نحو بقرة ( وأكيلة سبع ) أي : حيوان مفترس بأن أكل بعضها نحو نمر أو ذئب ( ومريضة وما صيد بشبكة أو شرك أو أحبولة أو فخ ) فأصابه شيء من ذلك ولم يصل إلى حد لا يعيش معه ( أو أنقذه ) أي : حيوان ( من مهلكة ) ولم يصل إلى ما لا تبقى الحياة معه ( فذكاه وحياته تمكن زيادتها على حركة مذبوح حل ) أكله .

ولو انتهى قبل الذبح إلى حال يعلم أنه لا يعيش معه ولو مع عدم تحركه لقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } مع أن ما تقدم ذكره أسباب للموت ( والاحتياط ) أن لا يؤكل ما ذبح من ذلك إلا ( مع تحركه ولو بيد أو رجل أو طرف عين أو مصع ذنب ) أي : تحركه وضرب الأرض به ( ونحوه ) كتحريك أذنه خروجا من خلاف صاحب الإقناع وغيره ( ومن وجد منه ما يقارب الحركة المعهودة في الذبح المعتاد بعد ذبحه دل على إمكان الزيادة قبله ) فيحل نصا وما لم يبق فيه إلا حركة المذبوح لا يحل قال في الترغيب : وعندي أن الحياة المستقرة ما ظن بقاؤها زيادة على أمد حركة المذبوح سوى أمد الذبح ( وما قطع حلقومه أو أبينت حشوته ونحوها ) مما لا تبقى معه حياة ( فوجود حياته [ ص: 421 ] كعدمها ) فلا يحل بذكاة . الشرط ( الرابع قول بسم الله عند حركة يده ) أي : الذابح ( بذبح ) لقوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } والفسق الحرام وذكر جماعة : وعند الذبح قريبا منه ولو فصل بكلام كالتسمية على الطهارة واختص بلفظ الله لأن إطلاق التسمية ينصرف إليه .

( ويجزي ) أن يسمي ( بغير عربية ولو أحسنها ) أي : العربية . لأن المقصود ذكر الله تعالى وقياسه الوضوء والغسل والتيمم بخلاف التكبير والسلام . فإن المقصود لفظه .

( و ) يجزي ( أن يشير أخرس ) بالتسمية برأسه أو طرفه إلى السماء لقيامها مقام نطق الناطق ( ويسن معه ) أي : مع قول بسم الله ( التكبير ) لما ثبت { أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال بسم الله الله أكبر } وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف أن قول بسم الله يجزيه و ( لا ) يسن ( الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) عند الذبح لأنها لم ترد ولا تليق بالمقام كزيادة الرحمن الرحيم ( ومن بدا له ذبح غير ما سمى عليه ) بأن سمى على شاة مثلا ثم أراد ذبح غيرها ( أعاد التسمية ) فإن ذبح الثانية بتلك التسمية عمدا لم تحل سواء أرسل الأولى أو ذبحها لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية ( وتسقط ) التسمية ( سهوا لا جهلا ) لحديث شداد بن سعد مرفوعا { ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد } أخرجه سعيد ولحديث { عفي لأمتي عن الخطإ والنسيان } والآية محمولة على العمد جمعا بين الإخبار .

ومتى لم يعلم هل سمى الذابح أو لا فالذبيحة حلال لحديث عائشة { أنهم قالوا : يا رسول الله إن قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لم يذكروا قال سموا أنتم وكلوا } رواه البخاري ( ويضمن أجير تركها ) أي التسمية على الذبيحة ( إن حرمت ) بأن تركها عمدا قال في النوادر لغير شافعي لحلها له .

وفي الفروع يتوجه تضمينه النقص إن حلت ( ومن ذكر ) عند الذبح ( مع اسم الله تعالى اسم غيره حرم ) عليه ذلك لأنه شرك ( ولم تحل ) الذبيحة روي عن علي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث