الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

جزء التالي صفحة
السابق

وها نحن نشرح علمه في أربعة أبواب: .

الباب الأول: في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته .

الباب الثاني: في أركانه وشروطه .

الباب الثالث: في مجاريه وبيان المنكرات المألوفة في العادات .

الباب الرابع: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه الآيات والأخبار والآثار .

أما الآيات فقوله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى : ولتكن ، أمر وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به؛ إذ حصر ، وقال : وأولئك هم المفلحون وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين ، وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل : كونوا كلكم آمرين بالمعروف ، بل قال : ولتكن منكم أمة فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين ، واختص الفلاح بالقائمين به ، المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ، فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ، فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية ، وقال تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ، وهذا غاية التشديد إذ علق استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر .

وقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بين أنهم كانوا به خير أمة أخرجت للناس ، وقال تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضا ، وقال تعالى : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، فقرن ذلك بالصلاة والزكاة في نعت الصالحين والمؤمنين ، وقال تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، وهو أمر جزم ، ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى : لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى : فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض الآية ، فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلا منهم ، كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين ، وقال تعالى : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما .

وقال تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الآية .

والإصلاح نهي عن البغي وإعادة إلى الطاعة فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله ، فقال : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، وذلك هو النهي عن المنكر .

التالي السابق


(وها نحن نشرح علم ذلك في أربعة أبواب، الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته) المفهومة من الآيات والأخبار، (الباب الثاني في أركانه وشروطه، الباب الثالث في مجاريه وبيان المنكرات المألوفة في العادات) الجارية بين الناس، (الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين) ومن في معناهم (بالمعروف ونهيهم عن المنكر) . (الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (و) في بيان (فضيلته والمذمة في إهماله) ، وتركه (فأما الدليل على وجوبه بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه) يريد بالأمة الجماعة يجمعها أمر، إما دين أو زمن أو مكان واحد؛ فإنهم كلهم كالمجمعين عليه، وإن لم يصرح به بعضهم، والمراد بالعقول السليمة هي الكاملة من أصل الفطرة السالمة من النقص (الآيات) القرآنية (والأخبار) النبوية (والآثار) المنقولة عن الأصحاب والأتباع ومن بعدهم .

(أما الآيات فقوله تعالى: ولتكن منكم أمة ) أي: جماعة ( يدعون إلى الخير ) أي: يرشدون الناس إلى الخير ( ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ففي) هذه الآية بيان الإيجاب (فإن قوله تعالى: ولتكن ، أمر) وأصله "تكون"، فلما دخلت لام الأمر سقطت الواو (وظاهره الإيجاب) كما هو المتبادر من صيغ الأمر المؤكدة باللام، (وفيها بيان أن الفلاح منوط به؛ إذ خص، وقال: وأولئك هم المفلحون ) أي: لا غيرهم، والفلاح، كما تقدم، هو الظفر وإدراك البغية، فالدنيوي هو إدراك السعادة التي تطيب بها الحياة، والأخروي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وعلم بلا جهل، (وفيها بيان أنه) أي: الأمر بالمعروف (فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة) أي: جماعة من الناس (سقط الفرض عن الآخرين) من الذين لم يقوموا (إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ولتكن منكم أمة ) و"من" للتبعيض (فإذا مهما قام به واحد) من القوم (أو جماعة) منهم (سقط الحرج) والإثم (عن الآخرين، واختص الفلاح) أي: وصفه (بالقائمين به، المباشرين له) بتنفيذه وإجرائه، (وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون) فلم يقم به أحد منهم (عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة) أي: ألبتة، (وقال تعالى:) ليسوا سواء ، ( من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ، فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف) والنهي عن المنكر، (وقال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، فقد نعت المؤمنين) ، وفي هذه الآية (بأنهم يأمرون بالمعروف) وينهون عن المنكر (فالذي هجر الأمر بالمعروف) والنهي عن المنكر (خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية، وقال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ) يعني الزبور ( وعيسى ابن مريم ) [ ص: 5 ] يعني في الإنجيل ( ذلك بما عصوا ) رسلهم ( وكانوا يعتدون ) أي: يتجاوزون الحدود، ثم بين اعتداءهم، فقال ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ، وهذا غاية التشديد) ونهاية التهديد (إذ علق استحقاقهم للعنة) التي هي الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى (بتركهم النهي عن المنكر) .

أخرج الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رفعه قال: إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل فيهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم، (وقال تعالى) مخاطبا لهذه الأمة ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بين أنهم كانوا به خير أمة، وقال تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به ) وأعرضوا عنه ( أنجينا الذين ينهون عن السوء ) وهو المنكر من الفعل والقول ( وأخذنا الذين ظلموا ) أنفسهم بمخالفتهم لأوامر الحق ( بعذاب بئيس ) أي: شديد ( بما كانوا يفسقون فبين) في هذه الآية (أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن المنكر) ، وفي بعض النسخ: السوء (ويدل ذلك على الوجوب أيضا، وقال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، فقرن ذلك بالصلاة والزكاة) ، وهو من عمد الإسلام (في نعت الصالحين والمؤمنين، وقال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، وهو أمر جزم، ومعنى التعاون الحث عليه) أي: ليعن بعضكم بعضا في الخير، (وتسهيل طرق الخير) بالمعاونة، (وسد سبل الشر والعدوان) أي: التعدي (بحسب الإمكان) أي: القدرة، (وقال تعالى: لولا ينهاهم الربانيون ) أي: العلماء المنسوبون إلى العلم الإلهي ( والأحبار عن قولهم الإثم ) أي: المنكر ( وأكلهم السحت ) وهو الحرام الصرف الذي فيه الرشوة ( لبئس ما كانوا يصنعون ) ، ومثله قوله تعالى: سماعون للكذب أكالون للسحت ، قال الواحدي : أجمعوا على أن المراد بالسحت هنا الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم، وقال الحسن: في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة، فيأخذونها ويأكلونها، سمعوا كذبه وأكلوا رشوته (فبين أنهم أثموا بترك النهي) عما كانوا يفعلونه، (وقال تعالى: فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ، فبين أنه هلك جميعهم) لسكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إلا قليلا منهم، كانوا ينهون عن الفساد في الأرض) وهو كل منكر شرعا وعرفا، (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) أي: العدل ( شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين ، وقال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) فوعد بالأجر العظيم الذي هو الجنة .

كما في حديث أنس مرفوعا لمن أمر بالمعروف والإصلاح ومنعهم عن الفساد والاختلاف، وأخرج البيهقي من حديث أبي أيوب مرفوعا قال: يا أبا أيوب ، ألا أدلك على صدقة ترضي الله ورسوله بموضعها؟ قلت: بلي. قال: تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت جالسا مع محمد بن كعب القرظي، فأتاه رجل، فقال له القوم: أين كنت؟ فقال: أصلحت بين قوم. فقال محمد بن كعب: أصبت، لك مثل أجر المجاهدين. ثم قرأ الآية: لا خير في كثير إلى آخرها، (وقال تعالى: [ ص: 6 ] وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الآية) إلى آخرها .

(والإصلاح) في الآية التي قبلها، وهنا (نهي عن البغي) الذي هو تجاوز الحق إلى الباطل، أو ما يجاوره من الأمور المشتبهات، (وإعادة إلى الطاعة) والانقياد (فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله، فقال: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ) أي: ترجع ( إلى أمر الله ، وذلك هو النهي عن المنكر) .

فهذه الآيات بمناطيقها تارة، وبمفاهيمها أخرى، قد دلت على إيجاب الأمر بالمعروف تارة، وعلى فضله أخرى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث