الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

منكرات الضيافة

ومنها الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر بل في المال منكران : أحدهما الإضاعة والآخر الإسراف .

فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب وتمزيقه وهدم البناء من غير غرض وإلقاء ، المال في البحر وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمطرب وفي أنواع الفساد لأنها فوائد محرمة شرعا فصارت كالمعدومة .

وأما الإسراف فقد يطلق لإرادة صرف المال إلى النائحة والمطرب والمنكرات وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة .

والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال فنقول : من لم يملك إلا مائة دينار مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة فهو مسرف يجب منعه ، قال تعالى ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا نزل هذا في رجل بالمدينة قسم جميع ماله ولم يبق شيئا لعياله ، فطولب بالنفقة فلم يقدر على شيء وقال تعالى : ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكذلك قال عز وجل : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا فمن يسرف هذا الإسراف ينكر عليه ويجب على القاضي أن يحجر عليه إلا إذا كان الرجل وحده ، وكان له قوة في التوكل صادقة فله أن ينفق جميع ماله في أبواب البر.

ومن له عيال أو كان عاجزا عن التوكل ، فليس له أن يتصدق بجميع ماله .

وكذلك لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه ، فهو أيضا إسراف محرم ، وفعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام لأن التزيين من الأغراض الصحيحة ، ولم تزل المساجد تزين وتنقش أبوابها وسقوفها مع أن نقش الباب والسقف لا فائدة فيه إلا مجرد الزينة فكذا الدور وكذا ، القول في التجمل بالثياب والأطعمة ، فذلك مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته وأمثال هذه المنكرات كثيرة لا يمكن حصرها .

فقس بهذه المنكرات المجامع ومجالس القضاة ودواوين السلاطين ومدارس الفقهاء ورباطات الصوفية وخانات الأسواق ، فلا تخلو بقعة عن منكر مكروه أو محظور، واستقصاء جميع المنكرات يستدعي استيعاب جميع تفاصيل الشرع أصولها وفروعها فلنقتصر على هذا القدر .

التالي السابق


(ومنها الإسراف في الطعام والبناء فإنه منكر وفي المال منكران: أحدهما الإضاعة والآخر الإسراف، فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب) في النار (وتمزيقه وهدم البناء من غير غرض، وإلقاء المال في البحر) بلا موجب (وفي معناه صرف المال إلى النائحة) في الموت، (و) إلى (الطرب) في الأفراح (و) كذا صرفه (في أنواع الفساد لأنها فوائد محرمة شرعا فصارت كالمعدومة) حكما، (وأما الإسراف فإنه يطلق تارة لإرادة صرف المال إلى النائحة والمطرب والمنكرات وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة) والكثرة، (والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال) والأشخاص، (فنقول: من لم يملك إلا مائة دينار ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة) لأصحابه، (فهو مسرف يجب منعه منه، قال الله تعالى) خطابا لحبيبه صلى الله عليه وسلم، ( ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ) يلوم نفسه على ما فات من ماله (محسورا) ذهب ماله كله، قيل: (أنزل هذا في رجل كان في المدينة قسم جميع أمواله ولم يبق شيئا لعياله، فطولب بالنفقة فلم يقدر على شيء) .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال هذا في النفقة يقول: لا تجعلها مغلولة لا تبسطها بخير ولا تبسطها كل البسط يعني التبذير، (وقال الله تعالى: ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكذلك قال عز وجل: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) .

وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي الدرداء رفعه: من فقهك رفقك في معيشتك.

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رفعه: الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة.

وأخرج أحمد في الزهد عن يونس بن عمير قال: كان يقال الاقتصاد في المعيشة يلقي عنك نصف المعيشة .

(فمن يسرف هذا الإسراف ينكر عليه ويجب على القاضي أن يحجر عليه إلا إذا كان الرجل وحده، وكان له قوة في التوكل صادقة فله أن ينفق جميع ماله في أبواب البر) والخير (ومن له عيال وكان عاجزا عن التوكل، فليس له أن يتصدق بجميع ماله) بل يبقي شيئا لعياله، (وكذلك لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه، فهو إسراف محرم، وفعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام لأن التزين من الأغراض الصحيحة، ولم تزل المساجد تزين وتنقش أبوابها وسقوفها مع أن نقش الباب والسقف لا فائدة فيه إلا مجرد الزينة فكذا الدور، كذلك القول في التجميل بالثياب والأطعمة، فذلك مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته) أي كثرة ماله (وأمثال هذا كثيرة لا يمكن حصرها) في موضع واحد، (فقس بهذه منكرات [ ص: 63 ] المجامع) وهي مواضع تجتمع فيها الناس (ومجالس القضاة ودواوين السلاطين ومدارس الفقهاء ورباطات الصوفية وخانات الأسواق، فلا تخلو بقعة عن منكر مكروه أو محظور، واستقصاء جميع المنكرات يستدعي استيعاب جميع تفاصيل الشرع أصولها وفروعها فلنقتصر على هذا القدر) منها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث