الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 1 إلى 43

التفسير:

تقدم القول في معنى {ص} .

[ ص: 474 ] وقوله تعالى: والقرآن ذي الذكر : قيل: إن معناه: ذو الشرف، وقيل: المعنى: فيه ذكر الأمم الخالية وغيرهم، وقيل: معناه: ذو التذكير لكم، وهو اختيار الطبري، وقيل: المعنى: أن الله ذكركم فيه.

قال ابن عباس : المعنى: صدق محمد والقرآن ذي الذكر، فـ (صاد) على هذا من (صدق) وقال الضحاك بنحوه، إلا أنه قال: صدق الله، وعنه أيضا أن {ص} قسم، أقسم الله به، وهو من أسمائه، فقوله {والقرآن} على هذا معطوف على {ص} .

وقيل: الجواب محذوف; وهو (لتبعثن) أو نحوه، روي معناه عن قتادة وغيره.

وقيل: الجواب كم أهلكنا على أن معناه: لكم أهلكنا، وهو مذهب الفراء.

وقيل: الجواب: إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب .

وقيل: الجواب: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [64].

[ ص: 475 ] وقوله: بل الذين كفروا في عزة وشقاق أي: في حمية وفراق، عن قتادة، وقد تقدم معنى (الشقاق).

وقوله: ولات حين مناص : قال ابن عباس : أي: وليس حين فرار، عكرمة: ليس حين انفلات، قتادة : و (المناص) أيضا: المنجى، و (النوص) و (المناص): النجاء، فقيل: إن الآية محمولة على ذلك المعنى; يدل عليه قوله: وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء [فاطر: 18].

وقوله: أجعل الآلهة إلها واحدا : هذا قول مشركي قريش حين دعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى التوحيد، قالوا: كيف يسمع لحاجتنا جميعا إله واحد؟

إن هذا لشيء عجاب : (العجاب) و (العجاب) و (العجيب) سواء، [ ص: 476 ] وقد فرق الخليل بين (عجيب) و {عجاب} فقال: (العجيب): (العجب) والعجاب): الذي قد تجاوز حد العجب، قال: و (الطويل): الذي فيه طول، و (الطوال): الذي تجاوز حد الطول.

وقوله: وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم : يجوز أن يكون معنى أن امشوا بأن امشوا، ويجوز أن تكون {أن} تفسيرا بمعنى: (أي) إذ قد صار انطلاقهم بدلالته على هذا المعنى بمنزلة الناطق.

قال مجاهد : الذي قال هذا عقبة بي أبي معيط.

وذهب بعض أهل التأويل في أن امشوا أنه من قولهم: (أمشى) إذا كثرت ماشيته; فمعناه: الدعاء لهم بالنماء، فكأنه من (مشى) وهو شاذ، والمعروف (أمشى) وينبغي على ذلك أن يكون: (أن أمشوا) بالقطع.

واصبروا على آلهتكم أي: اصبروا على عبادة آلهتكم.

إن هذا لشيء يراد أي: يقولون: إن هذا شيء يريد محمد أن يستعلي به علينا

[ ص: 477 ] وقوله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة : قال ابن عباس : أي: في النصرانية، مجاهد : ملة قريش، الحسن : المعنى: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان.

إن هذا إلا اختلاق أي: يقولون: إن هذا إلا كذب وتخرص، عن ابن عباس وغيره.

وقوله: أأنزل عليه الذكر من بيننا : أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم، فقال الله تعالى: بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب ولو ذاقوه لعلموا حقيقة ما هم فيه.

وقوله: أم عندهم خزائن رحمة ربك أي: أعندهم ذلك; فيمنعوك ما أعطيته؟

وقيل: إن ذلك متصل بقوله: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم فالمعنى: أن الله عز وجل يرسل من يشاء; لأن خزائن السماوات والأرض له.

أم لهم ملك السماوات والأرض : هذا كله تقرير.

وقوله: فليرتقوا في الأسباب أي: إن كانوا صادقين; فليرتقوا في أبواب السماء، عن مجاهد وقتادة .

الربيع بن أنس: (الأسباب): أرق من الشعر، وأشد من الحديد، ولكن لا [ ص: 478 ] ترى، و (السبب) في اللغة: كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره.

وقوله: جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب يعني: أنهم جند للآلهة مهزوم، والمعنى: أنهم حزب من الأحزاب الذين تحزبوا على أنبيائهم، روي معناه عن مجاهد .

وقيل: المراد به: كفار قريش الذين هزموا وقتلوا يوم بدر; والتقدير: هم جند مهزوم هنالك، روي معناه عن قتادة.

الفراء: المعنى: هم جند مغلوب أن يصعد إلى السماء.

وقيل: المراد بـ: {الأحزاب}: الذين أتوا المدينة، وتحزبوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد تقدم ذكرهم.

وقوله: وفرعون ذو الأوتاد : قال ابن عباس و قتادة : كانت له أوتاد وملاعب يلعب له عليها.

السدي وغيره: كانت له أوتاد يعذب الناس بها.

الضحاك: {الأوتاد}: البنيان; والمعنى: ذو البنيان.

وقوله: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق يعني: الصيحة الأولى [ ص: 479 ] من القيامة.

ما لها من فواق أي: من ترداد، عن ابن عباس ، مجاهد : ما لها من رجوع، السدي: ما لها من إفاقة.

أبو عبيدة: من ضم الفاء; فمعناه: من انتظار، ومن فتحها، فمعناه: من راحة، وقيل: معنى الضم والفتح سواء، وهما من الإفاقة، وقيل: بل أصله من (فواق الناقة) وهو ما بين الحلبتين.

ابن زيد: المعنى: ما ينتظرون إلا عذابا يهلكهم، لا يفيقون منه كما يفيق الذي يغشى عليه، فالصيحة الأولى على هذا: العذاب، وعلى قول ابن عباس و مجاهد ومن وافقهما: القيامة.

وقوله: وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب : قال مجاهد : أي: عذابنا، وكذا قال قتادة : نصيبنا من العذاب.

الحسن : نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا.

السدي: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة؛ ليعلموا حقيقة ما [ ص: 480 ] يوعدون به.

و (القط) في اللغة: النصيب، وأصله من (القطع) فكأنهم قالوا: عجل لنا ما قطع لنا من خير أو شر.

وقيل: معناه: عجل لنا ما يكفينا، من قولك: (قطني) أي: يكفيني.

و (القط) أيضا: الصحيفة، فقيل: إنهم قالوا ذلك; استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم حين تلي عليهم بذلك القرآن.

وقيل: بل سألوا تعجيل رزقهم في الدنيا قبل وقته، فأمر الله تعالى نبيه -عليه الصلاة والسلام- بالصبر على ما يقولون له، ثم ذكره بداود -عليه السلام- ومن بعده من الأنبياء -عليهم السلام- ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم أن له في الآخرة من الإحسان أضعاف ما أعطيه داود وغيره منهم، مما لو شاء لعجله له في الدنيا.

و {الأيد}: القوة، عن ابن عباس وغيره، وتقدم القول في معنى {أواب} و بالعشي والإشراق .

[ ص: 481 ] و (التسبيح) ههنا عند ابن عباس : الصلاة، وكان يقول: إن صلاة الضحى منصوصة في هذه الآية.

وقوله: والطير محشورة كل له أواب : الهاء في {له}: قيل: لله عز وجل، و {كل}: لداود، والجبال، والطير.

وقيل: الهاء لداود، و {كل}: للجبال والطير; والمعنى: أنها ترجع التسبيح مع داود عليه السلام.

وقوله: وشددنا ملكه أي: قويناه، وقيل: شددناه بالوحي.

وآتيناه الحكمة أي: النبوة، عن السدي، مجاهد : العدل، أبو العالية: العلم بكتاب الله تعالى.

وفصل الخطاب : قال أبو عبد الرحمن السلمي، و قتادة : يعني: الفصل في القضاء.

شريح، والشعبي، وغيرهما: الشهود، والأيمان، وعن الشعبي أيضا: (أما بعد) والمعنى أنه يفصل المخاطبة بهذه الأشياء المذكورة.

وقيل: وفصل الخطاب : البيان الفاصل بين الحق والباطل.

وقوله: وهل أتاك نبأ الخصم : {الخصم}: يكون للواحد فما فوقه، وتقديره للاثنين: ذوا خصم، وللجماعة ذوو خصم، ولذلك قال: إذ تسوروا المحراب

[ ص: 482 ] أي: علوا سوره.

وذكر المفسرون: أن {الخصم} ههنا: ملكان، وكان سبب ذلك -فيما ذكره المفسرون- أن داود أعجب بعبادته، فأوحى الله إليه أن ما أنت فيه بتوفيقي، وأعلمه أنه يكله إلى نفسه يوما أعلمه به، فخلا ذلك اليوم في محرابه للعبادة، فرأى طائرا أعجبه، فأومأ إليه ليأخذه، فخرج من كوة، فأشرف منها، فرأى امرأة حسناء تغتسل، فأعجبته، ونسي الفتنة، وكتب إلى أمير الغزو أن يقدم عليه زوجها في حملة التابوت، فقدم، فقتل، وتزوج داود المرأة بعد أن شرطت عليه أن ولدها منه هو الخليفة من بعده، وأرسل الله إليه الملكين بعد ولادة سليمان، وضرب له المثل بالنعاج، وكان لداود -فيما روي- تسع وتسعون امرأة فلما سمع المثل; ذكر خطيئته، فخر ساجدا أربعين ليلة، لا يقوم إلا لحاجة الإنسان، وبكى حتى نبت العشب من دموعه، ثم غفر الله له، وسأل داود أن تكون خطيئته مكتوبة في كفه، فأجابه، فكان لا يبسط يده إلا رآها، [ ص: 483 ] فبكى حتى إنه -فيما روي- كان يؤتى بالقدح فيه ثلثاه من الماء، فما يضعه حتى يفيض من دموعه.

وقد روي عن ابن مسعود و ابن عباس : أن داود -عليه السلام- لم يتزوج المرأة، وإنما قال لزوجها: انزل لي عن زوجتك فعاتبه الله في ذلك.

وقيل: إنها أحلت له بعد ذلك، فتزوجها. والله أعلم.

وكان اسم زوج المرأة -فيما روي- أوريا.

ومعنى ولا تشطط : لا تجر.

وقوله: واهدنا إلى سواء الصراط أي: إلى قصد السبيل.

وقوله: فقال أكفلنيها : أي: اتركها، وضمها إلي.

وعزني في الخطاب أي: غلبني وقهرني.

وقوله: قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه أي: بسؤاله نعجتك مضمومة إلى نعاجه.

وقوله: وإن كثيرا من الخلطاء أي: الشركاء.

وقوله: وظن داود أنما فتناه أي: أيقن.

وقوله: وخر راكعا وأناب أي: ساجدا، وكان ركوعهم سجودا، وقيل: بل كان سجودهم ركوعا.

وقوله: وإن له عندنا لزلفى أي: قربة وحسن مآب أي: حسن مرجع.

[ ص: 484 ] وقوله: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي: غفرنا له ذلك، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، وفي هذه الآية دليل على أن الأرض لا ينبغي أن تكون بغير خليفة يحكم فيها بالحق.

وقوله: إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب أي: لهم يوم الحساب عذاب شديد; بنسيانهم أمر الله تعالى; أي: تركهم إياه، قاله عكرمة وغيره، السدي: تركوا العمل ليوم الحساب، فكأنهم ناسون له، فالعامل في {يوم} على قول عكرمة: {لهم} وهو ظرف، والعامل فيه على قول السدي: {نسوا} وهو مفعول.

ذلك ظن الذين كفروا يعني: إنكارهم البعث، والحساب، والعقاب.

وقوله: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض : هذا رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث