الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا

[ ص: 158 ] أما قوله تعالى : ( كذكركم آباءكم ) ففيه وجوه :

أحدها : وهو قول جمهور المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى : ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء ، وابذلوا جهدكم في الثناء على الله ، وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم ؛ لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء ، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، وإن كان صدقا فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور ، وكل ذلك من أمهات المهلكات ، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم ، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي .

وثانيها : قال الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم ، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله : ( سرابيل تقيكم الحر ) [النحل : 81] قالوا : وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه ، أمه أمه ، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه .

وثالثها : قال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر ، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله .

ورابعها : قال ابن الأنباري في هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء ، كقوله : وأبي ، وأبيكم ، وجدي ، وجدكم ، فقال تعالى : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم .

وخامسها : قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية ، فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ، ثم كان يثبت لنفسه آلهة ، فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية ، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك ، وهذا هو المراد بقوله : ( أو أشد ذكرا ) .

وسادسها : أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكرا له بالتعظيم ، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك .

وسابعها : يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند الله ، فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة ، إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم ، وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه ، وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال : " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله ، فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره .

وثامنها : روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء .

واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد ، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه ، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث