الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع أنفق على ولد رجل غائب موسر وخاف ضيعته

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وإن غائبا )

ش : يعني أن حكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر ، قال في التوضيح : وهو المشهور ، وقال القابسي لا يطلق على غائب ; لأنه لم يستوف حجته ، وعلى الأول فلا بد أن تثبت الزوجية وأنه قد دخل بها أو دعا إلى الدخول ، والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه فيه ، وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه ; فإنه يعذر إليه ، ولا بد أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقة ، ولا كسوة ، ولا شيئا يعدى فيه بشيء من مؤنتها ، ولا أنه بعث إليها بشيء وصل إليها في علمهم إلى هذا الحين ثم بعد ذلك يضرب لها أجلا على حسب ما يراه كما تقدم ثم يحلفها على ما شهدت لها البينة ، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها هو أو أباح لها التطليق كما تقدم ا هـ . ونقل ابن عرفة نحو ما تقدم عن المتيطي ونصه : وعلى الأول يعني القول الأول ، قال المتيطي تثبت غيبته ببينة تعرف غيبته واتصال زوجيتهما وغيبته بعد بنائه أو قبله بموضع كذا أو بحيث لا يعلمون منذ كذا ، ولا يعلمون ترك لها نفقة ، ولا كسوة ، ولا شيئا تعول به نفسها ، ولا تعدى فيه بشيء من مؤنتها ، ولا أنه آب إليها ، ولا بعث بشيء ورد عليها في علمهم إلى حين التاريخ ، ثم يؤجله القاضي في الإنفاق عليه شهرا أو شهرين أو خمسة وأربعين يوما .

فإذا انقضى ، ولا قدم ، ولا بعث بشيء ، ولا ظهر له مال ودعت إلى النظر لها أمر بتحليفها بمحضر عدلين ، كما تجب في صفة الحلف أنه ما رجع إليها زوجها المذكور من مغيبه الثابت عند الحاكم إلى حين حلفها ، ولا ترك لها نفقة ، ولا كسوة ، ولا وضعت ذلك عنه ، ولا وصل إليها شيء منه إلى الآن ، فإذا ثبت عند القاضي حلفها طلقها عليه .

( قلت ) ولابن سهل في بكر قام أبوها بتوكيلها إياه قبل البناء بذلك أفتى ابن عات أنها تحلف ، فإذا حلفت طلقت نفسها ، وأفتى ابن القطان لا يمين عليها ، ولا على أبيها ولها أن تطلق نفسها ، وأفتى ابن رشيق فقيه المرية بحلفها وزاد فيه إن زوجيتهما لا تنقطع ، ابن سهل زيادة هذا في يمينها لا أعلمه لغيره ، وقول ابن القطان لا يمين عليها ولا على أبيها لا وجه له ، وقد تقرر من قول ابن القاسم وغيره أن السفيه يحلف في حقه ابن الحاجب ، حكم الغائب ولا مال له حاضر حكم العاجز ابن عبد السلام يعني أن الغائب البعيد الغيبة وليس له مال أو له ، ولا يمكنها الوصول إليه إلا بمشقة حكمه حكم الحاضر العاجز .

( قلت ) قوله : إلا بعد مشقة خلاف ظاهر أقوالهم أنه لا يحكم لها بطلاقها إلا إذا لم يكن له مال بحال دون استثناء ، وما تقدم لابن سهل في فتاويهم من قولهم : طلقت نفسها خلاف ما تقدم للمتيطي من قوله : طلقها القاضي عليه ا هـ .

( تنبيه ) علم من كلام ابن عرفة هذا أنه يطلق على الغائب بعدم النفقة ، ولو كانت غيبة قبل البناء ، وقد جلب البرزلي من ذلك مسائل في أوائل مسائل الطلاق فانظره ، وقد تقدم في أوائل النفقات في باب المفقود ما يقوي ذلك ، فلا يتمسك بما يعطيه ظاهر كلام التوضيح والله أعلم . وظاهر ما تقدم عن [ ص: 197 ] التوضيح وغيره أنه إذا لم تقم للزوجة بينة بشيء من ذلك لا يحكم لها القاضي ، وقال البرزلي خلاف ذلك في أواخر مسائل النكاح ما نصه : وسئل اللخمي عمن شهد لها نحو العشرين أو الخمسة عشر أن زوجها فلان ، وقد غاب لناحية سجلماسة ويخاف ضياعها وليس لزوجها مال ، ولا يوجد من يشهد بنكاحهما إلا من تقدم ولم يوجد فيهم عدل ، وهي تحب الفراق ، فهل يثبت به الزوجية ويجب الفراق . ؟ وهل يكون الحكم واحدا . ؟ ولو كانت مدينة فيها من العدول كثير أو الواحد خاصة أو لا يكون شيء ، وفي شهادة من تقدم أن المرأة ليس لها ولي ، وفي انتقال أملاك الرباع وبيعها على من يجب بيعها عليه بما تقدم . ؟ فأجاب للمرأة القيام بالطلاق بمن ذكرته ، ولو عدمت البينة ومن يشهد لها بالزوجية وأقرت أن فلانا زوجها لكشف القاضي عنه بقولها وسئل عن هذا الاسم في البلد وما قرب منه ; فإن لم يجده حكم لها بالطلاق بعد تحليفها أنه لم يكن لها منه نفقة ، ويحكم عليه بالطلاق متى جاء وأقر بالزوجية ، وإن أنكر الزوجية لم يضره ما وقع ويكتب في الحكم : رفعت إلي فلانة بنت فلان وأقرت بالزوجية لفلان فكشفت عنه فلم أجده ولم أجد أحدا يعرفه فحلفتها وحكمت بالطلاق إن ثبت أو أقر أنه زوج لها ، والمدن والقرى في هذا سواء ، وشهادة من ذكرت بأنه لا ولي لها ماضية وللقاضي تزويجها ، والأمر فيه خفيف لأن القاضي وليها ، وإن كان هناك غيره إذا زوج الثيب مضى ، والبكر إذا لم يكن لها ولي تزوج ومثله لا يخفى ، وأما شهادة هؤلاء في الرباع ، فلا أتقلد فيها شيئا ، وقد سئلت عنها غير مرة فلم أجب بشيء والضرورة لها حكم ، وقول غير العدول كلا شيء ، وسئل السيوري عن المرأة تأتي وتذكر أن لها زوجا أو لابنتها ، وقد غاب ولم يخلف شيئا ولم يكن له شيء يعدون فيه بالنفقة .

ولا يعرف ذلك إلا من قولها ، وتكلف بالبينة فتعجز عن إثباته ، وربما ذكرت غريبا أي أن الزوج غريب ، وربما أتت ببينة غير ثقات من سوقة أو غيره ، ولا تقدر على أكثر من ذلك ; فإن أفتيت بإعمال هؤلاء فهل أسميهم بأسمائهم أو أقول ثبت عندي ما أوجب الفراق أو قبول قولها ، وربما لم يوجد على توكيل الأم بينة إلا بقولها ، فأجاب إن كان الزوج معروفا ولم تعرف غيبته كلف القاضي رجلين يكشفان عنه وسئل جيرانه ومن يخالطه أو أقاربه عن الموضع الذي غاب إليه ; فإن لم يكن أو لم يعلم حيث توجه حلفت الزوجة أنه لم يخلف شيئا ، وإن أقرت بشيء حلفت أنه لم يخلف سوى ما اعترفت به ولم يصل إليها شيء من قبله وطلق عليه .

ولو كان غير معروف سئلت المرأة عن صنعته ومن يعرفه فيسألون نحو الأول ، وإن لم يكن له صنعة ، ولا من يخالطه كشف العدلان عن ذلك الاسم وعن تلك الصفة هل هي بالبلد ، فإن لم توجد طلق عليه بعد يمين المرأة كما مر ، ويذكر القاضي فيما يشهد به أنه رفعت إليه تلك المرأة ، ويذكر أمرها ، وذكرت أن لها زوجا اسمه وصفته كذا ، وذكرت أنه غائب عن البلد وأنه خلفها على عدم النفقة وطلق عليه ; فإن أتى الرجل واعترف بالزوجية وقع الطلاق موقعه ، وإن أنكر لم يضر ذلك ، وسئل المازري عن امرأة طارئة من المغرب تذكر أن زوجها تخلف في الطريق قبل وصوله إلى بجاية وأرادت أن تطلق عليه وتأتي بشهود صحبتها لا يعرفون فأجاب لا يصح الحكم على زوج هذه المرأة بالفراق الآن لاعترافها بالزوجية وبقاء العصمة وادعت غيبته فصارت مقرة بالعصمة مدعية ما يوجب زوالها .

وعلى الطريقة الأخرى لا تؤخذ بأكثر مما أقرت ، وقد زعمت وجها يوجب الفراق فورا ; لأنها ذكرت أنه فارقها قبل وصوله بجاية ، ومن الممكن أن يكون زوجها أخذ طريقا آخر قادما لهذا البلد طالبا لزوجته ، وقد عاقه عائق عن الوصول فالواجب تسميته والبحث عن اسمه الذي تذكر في المواضع القريبة حتى يعلم أنه ليس بالقرب ليعذر إليه وأنه لا شيء له ينفق عليها منه [ ص: 198 ] فينظر حينئذ بالفراق منه بالواجب ، والشهود غير المقبولين لا يعول عليهم .

والقول على إقرارها ، وفيه ما ذكرنا عن المذهبين .

( قلت ) الأصل الذي أشار إليه هو تبعيض الدعوى وإجمالها فابن القاسم يبعض الدعوى فيصيره مقرا مدعيا وأشهب لا يؤاخذه ولا بجملة كلامه ، وسئل ابن حبيب عن المرأة تقدم المدينة مع الحاج وتقول خفت العنت وأردت التزويج ، ولا يعلم هل لها زوج أم لا إلا من قولها ، وهي من ذوات القدر والأولياء هل يزوجها السلطان أم لا . ؟ فأجاب تزوج ، ولا تطلب بينة بأنها لا زوج لها إذا كانت غريبة بعيدة الوطن ، وأحب السؤال لأهل معرفتها وبلدها ممن معها في الرفقة سؤالا من غير تكليف شهادة ، فإن استراب ترك تزويجها وإلا زوجها وليست كمن مكانها قريب ، قال ابن فرحون كلام ابن حبيب أصل مذهب مالك لما يتقى من زوج يكون لها ، فإذا ظهر خلاف قولها لم يزوجها ، وبيان ذلك : الرجل يأتي بامرأة ومعه صداق فيقول اشهدوا علي بما في هذا الصداق أنه حق قبلي لزوجتي هذه ، وقد ضاع صداقها ، فقال مالك إن أتى بشاهدين عدلين على أصل الزوجية بينهما فليشهد الشهود الذين أشهدهم على نفسه .

وإن لم يأت بهم لم يقبل منه كي لا يكون نكاح بغير ولي ، وهذا في غير الغرباء ، قاله مالك في الديات من المدونة ، وانظر هل يؤخذ ذلك من أول كتاب القذف من المدونة أو من غيره ، وذكر مسألة ابن حبيب في المسائل الملقوطة عن الواضحة ، وقال فيها : سئل مالك عن المرأة تقوم مع الحاج من المغرب إلى آخره ، وقال في آخره ليست هذه كالحضرية ، ولا التي مكانها قريب ، انتهى . ومن البرزلي قال الغرناطي في وثائقه في تجديد الصداق : يذكر إشهاد الزوج على نفسه إن زوجته ذكرت له تلف صداقها وسألته تجديده وأجابته إلى ذلك ، وإقراره بما بقي عليه فيه وتضمنه معرفة الزوجية واتصالها إلى حين الإشهاد في غير الغريبين ، ويذكر إشهاد المرأة على نفسها أنه لم يكن لها في التالف غير ما ذكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث