الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عمرة القضاء

4011 4259 - وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح وأبان بن صالح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس قال: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة في عمرة القضاء. [انظر: 1837- مسلم:1410 - فتح: 7 \ 509]

التالي السابق


يقال لهذه العمرة: عمرة القضية، وعمرة القضاء -كما سيأتي.

فكان من خبرها أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا - في الحديبية، فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابر منهم عن مكة; عداوة لله ولرسوله، ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه، فدخل - صلى الله عليه وسلم - مكة وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالرمل ليروا المشركين جلدهم لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب، وتزوج - صلى الله عليه وسلم - في هذه العمرة ميمونة بنت الحارث الهلالية، قيل: تزوج بها قبل الإحرام، وقيل: بعد أن حل منها، وقيل: في حال إحرامه، فلما تمت الأيام الثلاثة التي هي أمد الصلح جاء حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشركين بأن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه أن يبني على ميمونة ويصنع لهم طعاما، فقال حويطب: اخرج عنا، فلا حاجة لنا بطعامك، فقال له سعد: يا عاض بظر أمه، أرضك وأرض أمك دونه، فأسكته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج وبنى بها بسرف وماتت به سنة ثلاث وستين وقيل: سنة ست وستين، وصلى عليها

[ ص: 398 ] ابن عباس وابن الأصم وكلاهما ابن أخت لها وفيها نزلت: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي [الأحزاب: 50] في أحد الأقوال وذلك أن الخاطب جاءها وهي على بعير لها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وذكر ابن سعد: أن المعتمر بهم كانوا ألفين هم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم، إلا من مات منهم أو استشهد بخيبر، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، وقيل: غيره، وساق ستين بدنة وجعل عليها ناجية بن جندب ومائة فرس قدم عليها محمد بن مسلمة أمامه وجعل على السلاح أوس بن خولي في مائتي رجل ببطن يأجج، ثم خلفهم غيرهم حتى قضى الكل مناسك عمرتهم .

وقول البخاري: (ذكره أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -)، هذا أسنده البيهقي في "دلائله" من حديث معمر، عن الزهري عنه قال: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو يقول:


خلوا بني الكفار عن سبيله قد نزل الرحمن في تنزيله     بأن خير القتل في سبيله
نحن قتلناكم على تأويله     كما قتلناكم على تنزيله .



وأسنده ابن حبان في "صحيحه" من حديث ثابت عنه بزيادة:


ويذهل الخليل عن خليله     يا رب إني مؤمن بقيله



فقال له عمر: يا ابن رواحة، أتقول الشعر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم،

[ ص: 399 ] فقال - صلى الله عليه وسلم -: "دعه يا عمر، لهذا أشد عليهم من وقع النبل"
. وأوله في

"إكليل الحاكم":


بسم الذي لا دين إلا دينه     بسم الذي محمد رسوله
أنا الشهيد أنه رسوله     قد أنزل الرحمن في تنزيله
في صحف تتلى على رسوله



زاد النيسابوري في "شرفه ": أعرف حق الله في قوله.

وزعم ابن هشام في "سيرته" أن قوله:


نحن قتلناكم على تأويله     كما قتلناكم على تنزيله



لعمار بن ياسر قالها يوم صفين يريد الذي فيه عمار مع علي وهو ظاهر; لأن المشركين لم يقاتلوا على التأويل ، وذكره ابن عقبة من طريق الزهري بعد (خلوا):

أنا الشهيد أنه رسوله .

وقال مجاهد: فيما ذكره عبد بن حميد: لما صده قريش عام الحديبية وفخروا بذلك ما قصه الله، فدخل عليهم من قابل، وأنزل الله تعالى في ذلك: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص .

وقال الحاكم في "إكليله":

قد تواترت الأخبار عن أئمة المغازي أنه لما دخل هلال ذي القعدة من سنة سبع أمر - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يعتمروا عمرتهم ولا يتخلف منهم أحدا

[ ص: 400 ] ممن شهد الحديبية، وخرج معه قوم من المسلمين سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عمارا، فكان المسلمون فيها ألفين سوى النساء والصبيان وتسمى هذه العمرة بعمرة الصلح وعمرة القضاء، كما سلف. والقضاء: الفصل.

قلت: وأحرم من باب المسجد بذي الحليفة ولبى، والمسلمون معه يلبون.

وقال السهيلي: سميت عمرة القضاء; لأنه - صلى الله عليه وسلم - قاضى قريشا عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صد عنها فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة متقبلة حتى أنهم حين حلقوا شعورهم بالحل احتملتها الريح، فألقتها في الحرم فهي معدودة في عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن الأثير: وذكر البخاري لها في الغزوات وليست منها; لأنها تضمنت ذكر المصالحة مع المشركين بالحديبية.

ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث:

أحدها: حديث أبي إسحاق، عن البراء قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة .. الحديث بطوله.

ذكره في الصلح في باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان ، سندا ومتنا إلا أنه قال هنا: لا نقر بهذا وقال: هناك: لا نقر بها، وقال هنا: (فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب). وقد سلف تأويله هناك.

وقوله: (أتوا عليا وقالوا قل لصاحبك يخرج عنا) وقد سلف من القائل لذلك، واقتصر الدمياطي على حويطب وقال هنا عن علي: (أنا أخذتها)، وقال هناك: أنا أحق بها.

[ ص: 401 ] وقوله: (وقال زيد: ابنة أخي) أي: لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - آخى بمكة بين مولاه زيد وعمه حمزة، وفي آخره (قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" واسمها أمامة على أحد الأقوال الستة فيها أو أمة الله أو سلمى أو عمارة أو فاطمة، وأمها سلمة بنت عميس، وعمارة بنت حمزة أمة خولة بنت قيس بن قهد من بني مالك بن النجار، ويعلى بن حمزة وعامر بن حمزة درج أمهما من بني عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وكان حمزة يكنى بيعلى وعمارة أيضا، وكان ليعلى أولاد: عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد درجوا، فلم يبق لحمزة عقب. وقوله: (وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي) هي أسماء بنت عميس الخثعمية، ولدت لجعفر أولادا، ثم ولدت للصديق محمدا، ثم ولدت لعلي يحيى، زاد ابن سعد: وعونا .

وقوله: (هذا ما قاضى) القضاء قطع الأشياء والنزاع منها بأحكام فكأنهم قسموا ما كان بينهم مما اتفقوا عليه، وإنما شرطوا أن يكون السيف في القراب ليكون ذلك أمارة للسلم، فلا يظن أنهم دخلوا قهرا، وعادة العرب لا يفارقهم السلاح في سلم أو حرب.

والقراب معروف: شيء يخرز من الجلود.

وقضاؤه - صلى الله عليه وسلم - بابنة حمزة لخالتها فيه أن النساء أولى بالحضانة من

[ ص: 402 ] الرجال،
والعصبة إنما حقهم في ولاية العقود وإنالة المال ونحوهما، والأصل في الحضانة الأم، وهي أولى من الأب; لأنها أحنى على الولد، وأهدى لما يصلحه فإذا عدمت فأمها.

الحديث الثاني:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه - عليه السلام - خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج.

هذا الحديث سلف في باب الصلح مع المشركين بالسند والمتن سواء، و (سريج) شيخ شيخ البخاري -بالسين المهملة- ابن النعمان الجوهري، مات سنة سبع عشرة ومائتين، روى عنه مرة، وهنا روى عن واحد عنه.

الحديث الثالث:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما في عمرة رجب وإنكار عائشة عليه. سلف في العمرة سندا ومتنا، إلا أنه هناك أبسط، ورواه هنا عن قتيبة، عن جرير. وهناك عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به .

الحديث الرابع:

حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنهما في العمرة أيضا. وقد سلف قريبا في الحديبية سندا ومتنا .

[ ص: 403 ] الحديث الخامس:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرمل. سلف في الحج كيف كان بدء الرمل سندا ومتنا.

وقال في آخره: وزاد ابن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعامه الذي استأمن قال: "ارملوا" ... ليري المشركين قوتهم، والمشركون من قبل قعيقعان.

ثم ساق عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سعى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبيت وبين الصفا والمروة; ليري المشركين قوته.

ومعنى (وهنتهم حمى يثرب) أضعفتهم، وروي: وهنهم.

ويثرب من كلام المشركين وقد روي النهي عنه . والوفد: القوم يفدون. والرمل: الهرولة.

وقوله: (وأن يمشوا بين الركنين) يعني: اليماني والأسود وهذا مذهب ابن عباس، والفقهاء على الرمل في جميع الثلاث، وكره بعضهم تسميته شوطا، وإنما يقال: (طوف) . والحديث يرده.

الحديث السادس:

وهو في الحقيقة ثامن: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف.

[ ص: 404 ] وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح وأبان بن صالح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما تزوجها في عمرة القضاء.

وهذا رويناه في "السيرة" من طريق زياد بن عبد الله عنه ، وسلف في الحج مسندا من طريق النسائي وغيره إليه ، والبخاري أخرجه هناك في باب: تزويج المحرم من طريق الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو محرم، وقد سلف الكلام عليه هناك، فليراجع.

فصل:

ذكر ابن سعد بعد عمرة القضاء سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع، بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معهم فحذرهم فجمعوا، فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام قالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدموا المدينة في أول صفر سنة ثمان. قال ابن سعد: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان. قال: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر أيضا. قال: ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر في ربيع الأول سنة

[ ص: 405 ] ثمان. قال: ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح في ربيع الأول، ثم مؤتة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث