الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من كان بعيدا عن الخطيب لا يسمع ما يقول

ويستحب أن يقول بعد الجمعة اللهم يا غني يا حميد ، يا مبدئ يا معيد ، يا رحيم يا ودود ، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك . يقال : من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب ثم .

التالي السابق


(ويستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة) ، والأولى أن يكون بعد قراءة السور المذكورة، وهو رافع يديه (اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني) بقطع الهمزة (بحلالك عن حرامك) ، وبطاعتك عن معصيتك (وبفضلك عمن سواك. يقال: من دوام على هذا الدعاء) في ذلك الوقت (أغناه الله عن خلقه) ؛ أي: أنزل سر الغنى في قلبه بحيث لا يطيب له الافتقار إلا إلى ربه (ورزقه من حيث لا يحتسب) ، فيفتح عليه أبوابا من أنواع الرزق الظاهري، والمعنوي. هكذا أورد هذا الدعاء صاحب القوت، مع زيادة الجملة الثالثة، وقد أسقطها المصنف، ولم يذكر له عددا مخصوصا، والظاهر أنه موكول بهمة الطالب، ونشاطه، فالأقل ثلاثة، والأوسط خمسة، وسبعة، وتسعة وإحدى عشرة، وإن وجد له حلاوة مناجاة، فلا يضر إن زاد، وأورده أبو عباس الشرجي في فوائده بمثل هذا السياق، إلا أنه قال: واكفني بفضلك، وقال: قضى دينه، وأغناه عن خلقه .

وذكر أيضا عن بعض الشيوخ أنه جاء في رواية: من قال بعد صلاة الجمعة سبعين مرة اللهم: اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك قضى الله دينه، وأغناه عن خلقه. قال: وذكر بعض العلماء أن من واظب على ذلك بعد كل فريضة إلى الجمعة فما تأتي الجمعة الأخرى إلا وقد أغناه الله تعالى، وكل ذلك منوط بالتصديق، وصلاح النية، وقد روى ذلك الترمذي، عن علي -رضي الله عنه- أن مكاتبا جاءه، فقال: عجزت عن مكاتبتي. فقال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو كان عليك مثل أحد لأداه الله عنك؟ قال: بلى، قال: قل: اللهم اكفني، فساق الدعاء المذكور .



إشارة

هذه الأسماء في السياق ستة، فالغني هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته، ولا في صفاته؛ بل يكون منزها عن العلاقة مع الأغيار، فمن تعلق ذاته، أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته توقف عليه وجوده، وكماله، فهو محتاج، فقير إلى الكسب، ولا يتصور أن يكون غنيا مطلقا إلا الله تعالى، فالله تعالى هو الغني، وهو المغني أيضا، ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يكون بإغنائه غنيا مطلقا، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني، فلا يكون غنيا؛ بل يستغني عن غير الله تعالى بأن يمده الله تعالى بما يحتاج إليه لا بأن يقطع عنه أصل الحاجة، والغني الحقيقي هو الذي لا حاجة له إلى أحد أصلا، والذي يحتاج، ومعه ما يحتاج إليه، فهو غني بالمجاز، وهو غاية ما يدخل في الإمكان في حق غير الله تعالى، فأما فقد الحاجة فلا، ولكن إذا لم تبق حاجة إلا لله تعالى سمي غنيا، ولو لم تبق له أصل الحاجة لما صح قوله تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء ، ولولا أنه يتصور أنه يستغني عن كل شيء سوى الله تعالى لما صح لله تعالى وصف المغني، فالعارف المستغني بالحق أغنى الأغنياء، وإن كان يخزن مؤنة من كلف به، فإن ذلك من آداب الكمال لقوة معرفتهم بحدود الله، والكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، وأما الحميد، فهو

[ ص: 272 ] الذي يحمد على يسير الطاعة، ويجازي بكثير الثواب بما هو حامد نفسه بنفسه إجمالا، وبلسان كل حامد تفصيلا، وبما هو محمود بكل ما هو مثن عليه، فإن عواقب الثناء تعود إليه، وكل اسم فعيل من أسماء الحق يعم اسم الفاعل والمفعول بالدلالات الوضعية، فهو الحامد، والمحمود .

واعلم أنه ما في العالم لفظ إلا وفيه ثناء جميل في طور الكشف يشهده أهله، ومرجع ذلك الثناء إليه تعالى، وإن كان له وجه مذموم، فلا بد أن يكون له وجه محمود عند أهل الحق، وإن لم يعثر عليه السامع، والقارئ، فهو من حيث ما هو مذموم لا مستند له، ولا حكم له؛ لأن مستند الذم العدم، فلا يجد الذم من يتعلق به فيذهب، ويبقى الحمد لله. ثم الحامد في حال الحمد؛ إما أن يقصد الحق، أو غير الحق، فإن حمد الله، فقد حمد من هو أهله، وإن حمد غير الحق، فما يحمده إلا بما يشاهد فيه من الصفات الكمالية، ونعوت المحاسن، وتلك الصفات عطاء، أو منح له من حضرة الربوبية إما مركوزة في جبلته، وإما مكتسبة في تخلقه، وتخليقه، وهي مردودة إلى الحق، فرجوع عاقبة الثناء إلى الله تعالى .

وأما المبدئ المعيد، فمعناه الموجد، لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله سمي إبداء، وإن كان مسبوقا بمثله سمي إعادة، والله تعالى بدأ خلق الناس، ثم هو الذي يعيدهم، والأشياء كلها منه بدت، وإليه تعود، وبه بدت، وبه تعود .

وأما الرحيم فمن الرحمة، وهي تامة، وعامة، فالتامة إفاضة الخير على المحتاجين، فإرادته لهم عناية بهم، والعامة هي التي تتناول المستحق، وغير المستحق، فتمامها من حيث من أراد قضاء حاجات المحتاجين قضاها، وعمومها من حيث شمل المستحق، وغير المستحق، وعم الدنيا، والآخرة، وتناول الضرورات، والحاجات، والمزايا الخارجة عنها، فهو الرحيم المطلق حقا .

وأما الودود، فهو الذي يحب الخير لجميع الخلق، فيحسن إليهم، ويثني عليهم، وهو قريب من معنى الرحيم، لكن الرحمة إضافة إلى مرحوم، والمرحوم هو المحتاج، والمضطر، وأفعال الرحيم تستدعي مرحوما ضعيفا، وأفعال الودود لا تستدعي ذلك؛ بل الإنعام على سبيل الابتداء من نتائج الود، وكما أن معنى رحمته تعالى إرادته الخير للمرحوم، وكفايته له، وهو منزه عن رقة الرحمة، فكذلك وده إرادته الكرامة، والنعمة للمودود، وإحسانه وإنعامه، وهو منزه عن ميل المودة، لكن المودة، والرحمة لا ترادان في حقوق المرحوم، والمودود إلا في ثمرتها، وفائدتها لا للرقة، والميل، والفائدة هي لباب الرحمة، والمودة روحها، وذلك هو المقصود في حق الله تعالى دون ما هو مقارب لهما، وغير مشروط في الإفادة، وهذا هو السر في ذكر الودود بعد الرحيم، ولما كان اسمه الغني متضمنا لاسمه الكافي، وهو قطب هذه الأسماء الخمسة بني منه دون غيره فعل الطلب، فقال: أغنني؛ ولذا كانت ثمرة إجابته الغنى عن الخلق، أي عن سواه بأن لا تبقى له حاجة إلا لله تعالى، وهو مقام شريف، وفي قوله: ويرزقه من حيث لا يحتسب إشارة إلى أن ذلك الغنى الذي يحصل له بلا وسائط، ولا رؤية أسباب؛ إذ في كل منهما نقص في مقام العارف، وهو أعم من رزق الأبدان، ورزق الأرواح، فرزق الأبدان الأقوات، والأطعمة، وذلك للظواهر، ورزق الأرواح المعارف، والمكاشفات، وذلك للبواطن، وهذا أشرف الأرزاق، وكل طالب من الله يعطى له على قدر همته في الطلب، واستعداده، وقابليته .



(تنبيه) :

روى ابن السني، والديلمي من حديث ابن عباس رفعه: من قال بعد صلاة الجمعة، وهو قاعد قبل أن يقوم من مجلسه: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وبحمده، واستغفر الله مائة مرة غفر الله له مائة ألف ذنب، ولوالديه أربعة وعشرين ألف ذنب.

وفي طبقات الحنفية للمجد الشيرازي صاحب القاموس ما نصه: روى صاحب الهداية، عن محمد بن أحمد بن عبد الله الخطيبي حديثا بسنده: من قال بعد أن يصلي الجمعة: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، غفر الله له مائة ألف ذنب، ولوالديه أربعة وعشرين ألفا. وقرأت في كتاب الضعفاء لابن حبان: من قال بعد أن يصلي الجمعة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم وبحمده، أستغفر الله، مائة مرة أغناه الله تعالى. وقد روى الطبراني، والبيهقي من حديث أبي أمامة: من قال: سبحان الله وبحمده، كان مثل مائة رقبة؛ يعني إذا قالها مائة مرة. وروى الطبراني، وابن عساكر من حديث ابن عمر: من قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف

[ ص: 273 ] حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة،
وروى الديلمي من حديث أبي هريرة: من قال: سبحان الله وبحمده، من غير عجب ولا فزع؛ كتب الله -عز وجل- له ألفي حسنة. وروى الطبراني من حديث ابن عباس: من قال: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، كتبت كما قالها، ثم علقت بالعرش لا يمحوها ذنب عمله صاحبها حتى يلقى الله، وهي مختومة كما قالها. وروى الحاكم في التاريخ، والديلمي من حديث أنس: من قال: سبحان الله وبحمده؛ غرس الله له بها ألف شجرة في الجنة أصلها من ذهب، وفرعها در، وطلعها كثدي الأبكار ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، كلما أخذ منه شيء عاد كما كان. وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، والترمذي، وحسنه، وابن منيع، وأبو علي، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والضياء من حديث جابر: من قال: سبحان الله العظيم غرست له نخلة في الجنة، ففي هذه الأخبار -وإن لم تقيد بالجمعة- تأييد لفضل التسبيح.



(تنبيه آخر) :

روي عن الإمام ابن عبد الله القرشي قال: دخلت على الشيخ أبي عبد الله المغاوري، فقال: إذا احتجت إلى شيء، فقل: يا الله، يا واحد، يا أحد، يا جواد، انفحني منك بنفحة خير؛ إنك على كل شيء قدير، فأنا أنفق منها منذ سمعتها، وقد تلقيتها عن شيخي العارف بالله تعالى أبي الحسن علي بن حجازي بن محمد الأحمدي -رحمه الله تعالى- مقيدة بعد صلاة الجمعة اثنتي عشرة مرة، ورأيت في رحلة الإمام أبي سالم العياشي من فوائد بعض شيوخه مقيدة بعد صلاة مكتوبة إحدى عشرة مرة، ولكل وجهة، والدعاء شريف، والمريد مخير. والله أعلم .



(تنبيه آخر) :

ومن الدعوات ما روي في مطلق يوم الجمعة؛ روى البيهقي، وابن النجار من حديث أنس من قال هؤلاء الكلمات يوم الجمعة سبع مرات، فمات ذلك اليوم دخل الجنة، ومن قالها في ليلة الجمعة، فمات تلك الليلة دخل الجنة، من قال: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، أمسيت على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك، وأبوء بذنبي، فاغفر لي ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ومنها ما هو مقيد بالغداة من يوم الجمعة. روى ابن السني، والطبراني في الأوسط، وابن عساكر، وابن النجار من حديث أنس من قال: صبيحة الجمعة قبل صلاة الغداة أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر، وفي الإسناد خصيف بن عبد الرحمن الجزري ضعيف، لكن وثقه ابن معين، ومنها مقيد بالانصراف من الجمعة، وسيأتي للمصنف في الآداب والسنن الخارجة عن الترتيب قريبا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث