الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان آداب المحتسب

باب آداب المحتسب .

قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات ونذكر الآن جملها ومصادرها فنقول : جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب العلم والورع وحسن الخلق . .

أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيه ، والورع ليردعه عن مخالفة معلومه ، فما كل من علم عمل بعلمه بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة ، وزائد على الحد المأذون فيه شرعا ، ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض وليكن كلامه ووعظه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب ويورث ذلك جراءة عليه ، وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق ، وهو أصل الباب وأسبابه، والعلم والورع لا يكفيان فيه فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبوله بحسن الخلق ، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة والغضب وبه يصبر المحتسب على ما أصابه في دين الله، وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة ، وغفل عن دين الله واشتغل بنفسه بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم ، فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات وإن فقدت لم يندفع المنكر بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها ودل على هذه الآداب قوله صلى الله عليه وسلم : لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه .

وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فقيها مطلقا بل فيما يأمر به وينهى عنه، وكذا الحلم .

التالي السابق


(بيان آداب المحتسب)

اعلم أنا (قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات، ولنذكر الآن جملها ومصادرها) وما تنشأ منها (فنقول: جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب العلم والورع وحسن الخلق.

أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها ومواقعها) ، وذكر المواقع ثانيا تكرار (وليقتصر على حد الشرع فيها، والورع) معطوف على قوله (و) العلم (لينزعه) أي ليمنعه وفي نسخة ليردعه (عن مخالفة معلومه، فما كل من علم عمل بعلمه بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة، وزائد على الحد المأذون فيه شرعا، ولكن يحمله عليه) أي على الإسراف (غرض من الأغراض) ، فإذا لم يكن الورع لم يمتنع عنه (وليكون) معطوف على قوله لينزعه أي إنما شرطنا الورع في المحتسب ليكون (كلامه ووعظه مقبولا) عندهم، (فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب) ويضحك عليه (ويورث ذلك جراءة عليه، وأما حسن الخلق فليتمكن به من الرفق واللطف، وهو أصل الباب وأساسه والعمل والورع لا يكفي فيه) من غير حسن الخلق، (فإن الغضب إذا هاج) ضرره، وأثر في الجسم في الحال (لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه) ودفعه (ما لم يكن في الطبع قبوله بحسن الخلق، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة والغضب) ومهما [ ص: 49 ] قدر على ضبطهما رجي له حسن الخلق فإن سوء الخلق إنما يطرأ من سوء ملكته لهما وبذلك يتم الورع (وبه يصير المحتسب على ما أصابه في دين الله، وإلا فإذا أصيب عرضه أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة، وغفل عن دين الله واشتغل بنفسه) ولم يملكها عن الانتقام (بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم، فهذه الصفات الثلاثة بها) إذا اجتمعت (تصير الحسبة من القربات) إلى الله تعالى (وبها تندفع المنكرات، فإن فقدت لم يندفع المنكر وربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها) فلا بد من العلم ليعرف المجاوزة في الحدود، ولا بد من الورع ليحمله على العمل بما علمه، ولا بد من حسن الخلق ليملك به نفسه، (ودل على هذه الآداب قوله صلى الله عليه وسلم: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه) .

قال العراقي: لم أجده هكذا وللبيهقي في الشعب من راوية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف اهـ .

قلت: ورواه كذلك الديلمي في مسند الفردوس بلفظ: أمره ذلك بمعروف. وفيه سلم بن ميمون الخواص أورده الذهبي في الضعفاء، رواه عن زافر، وقال ابن عدي: لا يتابع على حديثه رواه عن المثير بن صباح، قال النسائي: متروك عن عمرو بن شعيب مختلف فيه، وقد روى الديلمي أيضا من حديث أبان عن أنس مرفوعا بلفظ هو أقرب لسياق المصنف: لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى تكون فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى عالم فيما يأمر عالم فيما ينهى عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى.

وفي القوت حدثنا عن أبي الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان بالبصرة فقلت: يا أبا عبد الله إني أكون مع هؤلاء المحتسبة، فندخل على المخنثين، ونتسلق عليهم الحيطان، فقال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى، ولكن ندخل عليهم كي لا يفروا، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وعاب أفعالنا، فقال واحد: من أدخل هذا؟ فقلت: إنما دخلت على الطبيب أخبره دائي، فانتفض سفيان وقال: إنما هلكنا إذ نحن سقمى، فسمينا أطباء، ثم قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من فيه ثلاث خصال فساقها وفيه: رفيق وعدل وعالم، (وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فقهيا مطلقا بل فيما يأمر به، وينهى عنه وكذا الحلم) لا يشترط فيه أن يكون فيه على الإطلاق بل فيما يأمر به وينهى عنه، والخصال المذكورة عند المصنف: العلم والورع وحسن الخلق، وفي حديث أنس: الرفق والعلم والعدالة، فالرفق يرجع إلى حسن الخلق لأنه ثمرته، والورع يرجع إلى العدالة، وحديث ابن عمرو: فليكن أمره بمعروف أي برفق ولين، والرفق إحدى الصفات الثلاثة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث