الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق

بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق .

قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه وإنك لعلى خلق عظيم وقالت عائشة رضي الله عنها : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق فتلا قوله تعالى " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ثم قال صلى الله عليه وسلم هو - " أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك " " وتعفو عمن ظلمك " وقال صلى الله عليه وسلم إنما - : " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وقال صلى الله عليه وسلم - : " أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق " وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال : يا رسول الله ، ما الدين قال ؟ : " حسن الخلق فأتاه " ، من قبل يمينه فقال يا رسول الله : ما الدين ? قال : " حسن الخلق " ، ثم أتاه من قبل شماله فقال : ما الدين فقال ؟ : " حسن الخلق " ، ثم أتاه من ورائه فقال يا رسول الله : ما الدين ? فالتفت إليه وقال : " أما تفقه هو أن لا تغضب " وقيل : يا رسول الله ، ما الشؤم ? قال : " سوء الخلق .

" وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم -: أوصني ، فقال : " اتق الله حيثما " كنت " قال زدني ، قال : أتبع السيئة الحسنة تمحها قال : زدني . قال خالق : الناس بخلق حسن .

وسئل - عليه السلام: أي الأعمال أفضل - قال خلق حسن .

وقال صلى الله عليه وسلم - : ما حسن الله خلق امرئ وخلقه فتطعمه النار .

وقال الفضيل قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم -: إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ، وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها ، قال : " لا خير فيها ، هي من أهل النار " وقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء ، ولما خلق الله الإيمان قال : اللهم قوني ، فقواه بحسن الخلق والسخاء ، ولما خلق الله الكفر قال : اللهم قوني ، فقواه بالبخل وسوء الخلق .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما .

وقال عليه السلام- : حسن الخلق خلق الله الأعظم وقيل : يا رسول الله ، أي المؤمنين أفضل إيمانا ? قال : أحسنهم خلقا .

وقال صلى الله عليه وسلم - : إنكم لن تسعوا الناس " بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق .

وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل .

التالي السابق


(بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق) *

(قال الله سبحانه) وتعالى في كتابه العزيز مخاطبا (لنبيه وحبيبه) -صلى الله عليه وسلم- (مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه) أي: عنده ( وإنك لعلى خلق عظيم ) إذ تحتمل من قومك ما لا يتحمله أمثالك (وقالت عائشة رضي الله عنها: " كان خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن") أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وابن المنذر ، والحاكم ، وابن مردويه ، عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: كان خلقه القرآن ، أما تقرأ القرآن: وإنك لعلى خلق عظيم ، وقد تقدم في كتاب أخلاق النبوة ، (وقوله عز وجل) مخاطبا لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ثم قال -صلى الله عليه وسلم-) في تأويله: ( " وهو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك") أي: منعك ( " وتعفو عمن ظلمك") قال العراقي : رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث جابر وقيس بن سعد بن عبادة وأنس بأسانيد حسان اهـ .

قلت: أما حديث جابر عنده فلفظه: قال: لما نزلت هذه الآية: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟ قال: حتى أسأل ، فصعد ثم نزل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ، فقال -صلى الله عليه وسلم- : " ألا أدلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك ".

وقد رواه أيضا أبو بكر بن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم النخعي ، ورواه أيضا ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن الشعبي . وأما حديث قيس بن سعد بن عبادة ، فلفظه عند ابن مردويه قال: لما نظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حمزة بن عبد المطلب قال: " والله لأمثلن بسبعين منهم " فجاء جبريل بهذه الآية فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري ، ثم عاد فقال: " إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك" . وأما لفظ حديث أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " إن مكارم الأخلاق عند الله: أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك ، ثم تلا النبي -صلى الله عليه وسلم-: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " .

وقد روي ذلك أيضا عن معاذ مرفوعا قال: " أفضل الفضائل أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتصفح عمن شتمك ". (وقال -صلى الله عليه وسلم- : " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق") رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة . وقد تقدم في آداب الصحبة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : " أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن") . قال العراقي : رواه أبو داود ، والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء اهـ .

قلت: وكذلك رواه ابن حبان في الصحيح ، ومداره على شعبة عن القاسم بن أبي بزة ، عن عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وقد حدثه عن شعبة جماعة: محمد بن كثير ، وشعيب بن محرز ، وأبو عمر الحوضي ، وبشر بن عمر الزهراني ، وعفان ، ويزيد بن هارون. ورواه عيسى بن يونس ، عن شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، عن القاسم ، وهو خطأ فيما ذكره الخطيب البغدادي في كتابه المزيد. ورواه سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مملك ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الوهاب بن الضحاك ، حدثنا إسماعيل بن عباس ، عن صفوان بن عمر ، عن يزيد بن ميسرة ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، فذكره مرفوعا بنحوه .

وقد أخرج طرقه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه منهاج السلامة في ميزان القيامة واستوفاها وليراجع من هناك .

(وجاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين يديه فقال: يا رسول الله ، ما الدين؟ فقال: " حسن الخلق" ، ثم أتاه من قبل يمينه فقال: ما الدين؟ قال: " حسن الخلق " ، ثم أتاه من قبل شماله فقال: ما الدين؟ قال: " حسن الخلق " ، ثم أتاه من ورائه فقال: ما الدين؟ فالتفت إليه وقال: " أما تفقه هو أن لا تغضب") قال العراقي : رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر

[ ص: 319 ] الصلاة من رواية أبي العلاء بن الشخير مرسلا .

(وقيل: يا رسول الله ، ما الشؤم؟) بالضم وسكون الهمزة ، وقد تسهل فتصير واوا (قال: " سوء الخلق") أي: يوجد فيه ما يناسب الشؤم ويشاكله أو أنه يتولد منه. قال العراقي : رواه أحمد من حديث عائشة: " الشؤم سوء الخلق ". ولأبي داود من حديث رافع بن مكيث: " سوء الخلق شؤم ". وكلاهما لا يصح اهـ .

قلت: وكذلك رواه الطبراني في الأوسط ، والعسكري في الأمثال ، وأبو نعيم في الحلية كلهم من حديث عائشة ، وقد ضعفه المنذري ، وقال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ، ورواه أيضا الدارقطني في الأفراد ، والطبراني في الأوسط كذلك من حديث جابر قيل: يا رسول الله ما الشؤم؟. . . فذكره ، فهو الموافق لسياق المصنف هنا. وقال الهيثمي: وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي ضعيف ، وأما " سوء الخلق شؤم " فقد رواه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عمر ، ورواه الخطيب من حديث عائشة بزيادة " وشراركم أسوأكم خلقا " ورواه ابن منده من حديث أم سعد ابنة الربيع الأنصاري عن أبيها بزيادة: " وطاعة النساء ندامة وحسن الملكة نماء " وأما حديث رافع بن مكيث فلفظه عند أبي داود: " وحسن الملكة يمن وسوء الخلق شؤم " رواه في الأدب من طريق بقية ، عن عثمان بن زفر ، عن محمد بن خالد بن رافع ، عن رافع بن مكيث وهو جهني شهد الحديبية وقيل: هو تابعي وحديثه مرسل ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وبقية فيه كلام معروف ، ولهذا قال العراقي : وكلاهما لا يصح. ورواه أحمد والطبراني في الكبير بزيادة: " والبر زيادة في العمر والصدقة تمنع ميتة السوء ". وفيه رجل لم يسم .

(وقال رجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوصني ، فقال: " اتق الله") بامتثال أمره وتجنب نهيه ( " حيث كنت") أي: في كل زمان ومكان رآك الناس أو لا ، فإن الله مطلع عليك . وفي بعض الروايات: " حيثما كنت " وما زائدة (قال) الرجل: (زدني ، قال: أتبع السيئة) الصادرة منك صغيرة أو كبيرة (الحسنة) وهي بالنسبة للكبيرة التوبة منها (تمحها) من صحيفة الكاتبين ؛ وذلك لأن المرض يعالج بضده ، كالبياض يزال بالسواد ، وعكسه إن الحسنات يذهبن السيئات وظاهر قوله " تمحها" أنها تزال حقيقة من الصحيفة ، وقيل: عبر به عن ترك المؤاخذة ، ثم إن هذا قد خص من عمومه السيئة المتعلقة بالآدمي كغيبته إن وصلت إليه فلا يمحوها إلا الاستحلال مع بيان جهة الظلامة إن أمكن ، ولم يترتب عليه مفسدة ، وإلا فالمرجو كغاية الاستغفار والدعاء. (قال: زدني . قال: خالط الناس) أي: عاشرهم ، وفي رواية الجماعة " خالق الناس " أي تكلف معاشرتهم (بخلق حسن) أي: بالمجاملة من نحو طلاقة وجه ، وخفض جانب ، وتلطف في سياستهم مع تباين طباعهم . وجمعه بعضهم بقوله: هو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك ، فتجتمع القلوب وتنفق الكلمة وتنتظم الأحوال ، وذلك جماع الخير وملاك الأمر. قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي ذر ، وقال: حسن صحيح اهـ .

قلت: وكذلك رواه أحمد والحاكم هو والبيهقي ، وقال الحاكم: على شرطهما ، وأقره الذهبي ، واعترض: هون فيه يوسف بن يعقوب القاضي ، قال الذهبي: مجهول. ورواه أيضا أحمد والترمذي والبيهقي من حديث معاذ ، وقال الذهبي في المذهب: إسناده حسن . ورواه الطبراني وابن عساكر في التاريخ من حديث أنس .

(وسئل -صلى الله عليه وسلم-) أي الأعمال أفضل؟ (قال خلق حسن) والمراد به بعد الإيمان بالله ، وقد روى الطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة : " أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس " .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : ما حسن الله خلق عبد) ، وفي نسخة " امرئ " وفي أخرى " رجل " (وخلقه فتطعمه النار) أبدا . رواه الطبراني في الأوسط ، وابن عدي ، والبيهقي ، وابن عساكر من حديث أبي هريرة ، ورواه الخطيب من حديث أنس، وقد تقدم في آداب الصحبة .

(وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله تعالى: (قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ، وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها ، قال: " لا خير فيها، هي من أهل النار") رواه أحمد والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي هريرة دون قوله: " سيئة الخلق " ، وقد تقدم في آداب الصحبة .

(وقال أبو الدرداء) رضي الله عنه: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء ، ولما خلق الله الإيمان قال: اللهم قوني ، فقواه بحسن الخلق والسخاء ، ولما خلق [ ص: 320 ] الله الكفر قال: اللهم قوني ، فقواه بالبخل وسوء الخلق") قال العراقي : لم أقف له على أصل هكذا ، ولأبي داود والترمذي من حديث أبي الدرداء: " ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق " وقال: غريب ، وقال في بعض طرقه: حسن صحيح اهـ .

قلت: وبهذا اللفظ: " ما من شيء. . " إلخ ، أخرجه كذلك أحمد ، ولفظ الترمذي : " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق ". الحديث. ورواه عنبسة الوراق فقال: حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا أبو إبراهيم بن نافع الصائغ ، عن الحسن بن مسلم ، عن خاله عطاء بن نافع: أنهم دخلوا على أم الدرداء ، فأخبرتهم أنها سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن أثقل" أو قال: " أفضل شيء في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن ". وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن عصام بن يزيد ، عن أبيه ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم ، عن خاله يعني: عطاء الكيخاراني ، عن أم الدرداء ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بنحوه ، غريب من حديثه عن إبراهيم ، تفرد به عصام بن يزيد ، قاله أبو نعيم ، وأخرجه أيضا من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن أسد قالا: حدثنا شريك عن خلف بن حوشب ، عن ميمون بن مهران قال: قلت لأم الدرداء: سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا ؟ قالت: سمعته يقول: " أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن " وهكذا أخرجه الطبراني في الكبير .

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله استخلص هذا الدين) يعني دين الإسلام (لنفسه) وناهيك به تفخيم مرتبة دين الإسلام ، فهو حقيق بالاتباع لعلو رتبته عند الله تعالى في الدارين (ولا يصلح لدينكم إلا السخاء) بالمد وهو الكرم ، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا به (وحسن الخلق ألا) بالتخفيف حرف تنبيه (فزينوا دينكم بهما) زاد في رواية : " ما صحبتموه" ، فالسخاء السماح بالمال ، وحسن الخلق السماح بالنفس ، فمن سمح بهما أصغت إليه القلوب ، ومالت إليه النفوس. وقال الزمخشري: معناه أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله ، وعلى قسمته فصاحبه ينفق ما رزقه الله بسماح وسهولة ، فيعيش عيشا رافقا ، كما قال تعالى: فلنحيينه حياة طيبة والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى ازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق ، فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة اهـ .

وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: الإسلام بني اسمه على السماحة والجود ، لأن الإسلام تسليم النفس والمال لحقوق الله ، وإذا جاء البخل فقد ذهب بذل النفس والمال ، ومن بخل بالمال فهو بالنفس أبخل ، ومن جاد بالنفس فهو بالمال أجود ، فلذلك كان البخل يمحق الإسلام ويبطله ويدرس الإيمان ويعكسه ، لأن البخل سوء ظن بالله ، وفيه منع لحقوقه ؛ ولذلك جاء في خبر: ما محق الإسلام محق البخل شيء قط اهـ .

قال العراقي : رواه الدارقطني في كتاب المستجاد ، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد فيه لين اهـ .

قلت: رواه أيضا الطبراني في الكبير من حديث عمران بن الحصين، قال الهيثمي: فيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : حسن الخلق خلق الله الأعظم) أي: هو أعظم الأخلاق السبعة عشر التي خزنها الله تعالى لعباده في خزائن جوده ، وقال الحكيم في النوادر: وجميع محاسن الأخلاق تؤول إلى الكرم والجود والسخاء ، ومن أراد الله به خيرا منحه حسن الخلق. قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط من حديث عمار بن ياسر بسند ضعيف اهـ .

قلت: وكذلك رواه في الكبير ، وقال المنذري: سنده ضعيف جدا ، وقال الهيثمي: فيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك .

(وقيل: يا رسول الله ، أي المؤمنين أفضل إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا) قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وتقدم في النكاح بلفظ: " أكمل المؤمنين " والطبراني من حديث أبي أمامة: " أفضلكم إيمانا أحسنكم خلقا" اهـ .

قلت: وروى ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر: " أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا " (وقال -صلى الله عليه وسلم- : " إنكم لن تسعوا الناس") بفتح السين أي: لن تطيقوا أن تعينوهم (بأموالكم) وفي رواية: " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم " والمعنى لا يمكنكم ذلك (فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق) وفي رواية " ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق أي

[ ص: 321 ] لا تتسع أموالكم لعطائهم ، فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم ، وقال العسكري في الأمثال نقلا عن الصولي: لو وزن هذا الكلام بأحسن كلام الناس كلهم لرجح عليه ، قال: وقد كان ابن عباد كريم الوعد كثير البذل ، سريعا إلى فعل الخير ، فطمس ذلك سوء خلقه ، فما ترى له حامدا. وقال الحراني: السعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتدادا ورحمة وعلما ، ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم والإفاضة في جود الكفايات ظاهرا وباطنا عموما وخصوصا ، وذلك ليس إلا لله ، أما المخلوق فلم يكد يصل إلى حظ من السعة ، أما ظاهرا فلا يقع منه ولا يكاد وأما باطنا بخصوص حسن الخلق فعساه يكاد اهـ .

قال العراقي : رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة ، وبعض طرق البزار رجاله ثقات اهـ .

قلت: وكذلك رواه الطبراني ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي ، وقال البيهقي : تفرد به عبد الله بن سعيد المقبري ، عن أبيه ، وروي من وجه آخر ضعيف عن عائشة اهـ .

وعبد الله بن سعيد قال البخاري: تركوه ، وقال العلائي: إسناد حديث أبي يعلى حسن ، وعزاه الحافظ في الفتح إلى البزار وحده ، وقال: سنده حسن ، وقال المنذري: رواه أبو يعلى والبزار من طرق أحدها حسن .

(وقال) -صلى الله عليه وسلم- (أيضا : سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل) أي: يعود عليه بالإحباط ، وقال القشيري : أراد أن البذيء يفعل الخير، إذا قرنه بسوء الخلق أفسد عمله وأحبط أجره ، كالمتصدق إذا أتبعه بالمن والأذى. قال العراقي : رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة ، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وأبي هريرة أيضا ، وضعفهما اهـ .

قلت: ورواه أيضا الحارث بن أبي أسامة في مسنده ، والحاكم في الكنى والألقاب ، وأبو نعيم والديلمي من حديث ابن عمر .



(تنبيه)

حاول بعضهم استيعاب مساوئ الأخلاق فقال: هي الانتقاد على أهل الله ، واعتقاد كمال النفس ، والاستنكاف من التعلم والاتعاظ ، والتماس عيوب الناس ، وإظهار الفرح وإفشاؤه ، وإكثار الضحك ، وإظهار المعصية ، والإيذاء ، والاستهزاء ، والإعانة على الباطل ، والانتقام للنفس ، وإثارة الفتن ، والاختيال ، والاستماع لحديث قوم وهم له كارهون ، والاستطالة والأمن من مكر الله، والإصرار على الذنب مع رجاء المغفرة ، واستعظام ما يعطيه ، وإظهار الفقر مع الكفاية ، والبغي والبهتان ، والبخل ، والشح ، والبطالة ، والتجسس ، والتبذير ، والتعمق ، والتملق ، والتذلل للأغنياء لغناهم ، والتعبير ، والتحقير ، وتزكية النفس ، والتجبر ، والتبختر ، والتكلف ، والتعرض للتهم ، والتكلم بالنهي ، والتشدق ، وتضييع الوقت بما لا يعني ، والتكذيب ، والتسفيه ، والتنابز بالألقاب ، والتعبيس ، والتفريط ، والتسويف في الأجل ، والتمني المذموم ، والتخلق بزي الصالحين زورا ، وتناول الرخص بالتأويلات ، والتساهل في تدارك الغيرة ، والتهور ، والتدبير للنفس ، والجهل ، وجحد الحق ، والجدال ، والجفاء ، والجور ، والجبن ، والحرص ، والحقد ، والحسد ، والحمق ، وحب الدنيا ، وحب الرياسة ، والجاه ، والشهوة ، والحزن الدائم ، والخديعة ، والخبثة ، والخيانة ، وخلف الوعد ، والخيلاء ، والدخول فيما لا يعني ، والذم ، والذل ، والرياء ، والركون إلى الأغيار ، ورؤية الفضل على الأقران ، وسوء الظن ، والسعاية ، والشماتة ، والشره ، والشرك الخفي ، وصحبة الأشرار ، والصلف ، وطول الأمل ، والطمع ، والطيرة ، وطاعة النساء ، وطلب العوض على الطاعة ، والظلم ، والعجلة ، والعجب ، والعداوة في غير الدين ، والغضب ، والغرور ، والغفلة ، والغدر ، والفسق ، والفرح المذموم ، والقسوة ، وقطع الرحم ، والكفر ، وكفران النعمة والعشير ، والكسل ، وكثرة النوم ، واللؤم ، والمداهنة ، والملاحاة ، ومجالسة الأغنياء لغناهم ، والمزح المفرط ، والنفاق ، والنية الفاسدة ، وهجر المسلم ، وهتك الستر ، والوقوع في العرض ، والوقوع في غلبة الدين ، واليأس من الرحمة ، فهذه كلها أخلاق خبيثة مذمومة عند الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث