الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 240 ] ( الباب الثاني )

( في الوضوء ) .

الفصل الأول

في فرائضه ، وهي سبعة :

والوضوء : بفتح الواو الماء ، وبضمها الفعل ، وحكي عن الخليل الفتح فيهما ، والأول الأشهر ، وكذلك الغسل ، والغسل ، والطهور ، والطهور . واشتقاقه من الوضاءة ، وهي النظافة ، والحسن ، ويقال : وجه وضيء ؛ أي : سالم مما يشينه ، ولما كان الوضوء يزيل الحدث الذي هو مانع للصلاة سمي وضوءا ، وفيه ثلاثة فصول :

الأول : الماء المطلق ، وقد تقدم تحريره .

الثاني : النية ، وفيها تسعة أبحاث .

البحث الأول : في حقيقتها ، وهي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله ، فهي من باب العزوم والإرادات ، لا من باب العلوم والاعتقادات ، والفرق بينها ، وبين الإرادة المطلقة أن الإرادة قد تتعلق بفعل الغير بخلافها كما نريد مغفرة الله جل جلاله ، وتسمى شهوة ، ولا تسمى نية ، والفرق بينها وبين العزم أن العزم تصميم على إيقاع الفعل ، والنية تمييز له ، فهي أخفض منه رتبة ، وسابقة عليه . البحث الثاني : في محلها ، وهو القلب لأنه محل العقل ، والعلم ، والإرادة ، والميل ، والنفرة ، والاعتقاد .

وروي عن عبد الملك في كتاب الجنايات أن العقل في الدماغ لا في القلب فيلزم على مذهبه أن النية في الدماغ لا في القلب ; لأن هذه الأعراض كلها أعراض النفس ، والعقل ، فحيث وجدت النفس وجد الجميع قائما بها ، فالعقل سجيتها ، والعلوم ، والإرادات صفاتها .

[ ص: 241 ] ويدل على قول مالك رحمة الله عليه قوله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) ( ختم الله على قلوبهم ) ولم يصف الله شيئا من هذه الأمور بالدماغ ، فدل على أن محلها القلب ، ولذلك . قال المازري : أكثر المتشرعين ، وأقل أهل الفلسفة على أن النية في القلب ، وأقل المتشرعين ، وأكثر الفلاسفة على أنها في الدماغ . البحث الثالث : في دليل وجوبها : وهو قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) أي : يخلصونه له دون غيره ، وهذا يدل على أن ما ليس كذلك ليس مأمورا به ، فوجب ألا يبرئ الذمة من المأمور به .

وقوله عليه السلام في مسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ، ورسوله ، فهجرته إلى الله ، ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ومعنى هذا الحديث أن الأعمال معتبرة بالنيات ، فإن خبر المبتدأ محذوف ، وهذا أحسن ما قرر به ، فوجب الحمل عليه فيكون ما لا نية فيه ليس بمعتبر ، وهو المطلوب .

وهذا الحديث يتناول سائر الأعمال لعموم الألف واللام .

وأما آخر الحديث فمشكل لأجل أن الشرط يجب أن يكون غير المشروط ، وهنا اتحد الشرط والمشروط لأنه إعادة اللفظ بعينه .

[ ص: 242 ] وتحقيقه أن يقول : من كانت هجرته مضافة إلى الله ، ورسوله في القصد ، فهجرته موكولة إلى الله ، ورسوله في الثواب ، ومن كانت هجرته مضافة إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته موكولة إليها ، ومن وكل عمله إلى ما لا يصلح للجزاء عليه ، فقد خاب سعيه نسأل الله العافية من كل موبقة .

وإنما قدر موكولة ; لأن خبر المبتدأ إذا كان مجرورا لا بد من تقدير عامل فيه ، وهذا أحسن ما قدر ، فباين الشرط المشروط .

إذا تقرر ذلك فهي واجبة في الوضوء ، ونقل المازري عدم وجوبها عن مالك - رحمه الله - ، وخرج على ذلك الغسل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث