الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب نكاح الكفار

وحكمه حكم نكاح المسلمين فيما يجب به ، وتحريم المحرمات ، ويقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ، ولم يرتفعوا إلينا ، وعنه في مجوسي تزوج كتابية ، أو اشترى نصرانية : يحول بينهما الإمام ، فيخرج من هذا أنهم لا يقرون على نكاح محرم ، وإن أسلموا ، أو ترافعوا إلينا في ابتداء العقد ، لم نمضه إلا على الوجه الصحيح ، وإن كان في أثنائه ، لم نتعرض لكيفية عقدهم ، بل إن كانت المرأة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذات محرمه ، ومن هي في عدتها ، أو شرط الخيار في نكاحها متى شاء أو مدة هما فيها ، أو مطلقته ثلاثا - فرق بينهما ، وإلا أقرا على النكاح ، وإن قهر حربي حربية فوطئها ، أو طاوعته - واعتقداه نكاحا ، أقرا ، وإلا فلا ، وإن كان المهر المسمى صحيحا ، أو فاسدا قبضته ، استقر ، وإن كان فاسدا لم تقبضه ، فرض لها مهر المثل .

التالي السابق


باب نكاح الكفار

( وحكمه حكم نكاح المسلمين
فيما يجب به ، وتحريم المحرمات ) أنكحة الكفار يتعلق بها أحكام النكاح الصحيح : من وقوع الظهار والإيلاء ووجوب المهر والقسم والإباحة للزوج الأول والإحصان ، وكذا وقوع الطلاق في قول الجمهور ; لأنه طلاق عاقل في نكاح صحيح ، فوقع كطلاق المسلم ، ودليل صحته قوله تعالى : وامرأته حمالة الحطب [ المسد : 4 ] و امرأة فرعون [ التحريم : 11 ] وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة ; ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ولدت من نكاح ، لا من سفاح وإذا ثبت صحتها ثبت أحكامها كأنكحة المسلمين ، فعلى هذا لو طلق الكافر ثلاثا [ ص: 114 ] ثم تزوجها قبل زوج وأصابها ثم أسلما ، لم يقرا عليه ، ولو طلقها أقل من ثلاث ، ثم أسلما ، فهي عنده على ما بقي من طلاقها ، ويحرم عليهم ما يحرم على المسلمين كما ذكر في بابه .

( ويقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ) في شرعهم ( ولم يرتفعوا إلينا ) هذا هو المذهب ; لأنه أسلم الخلق الكثير في زمنه عليه السلام ، فأقرهم على أنكحتهم ، ولم يكشف عن كيفيتها خصوصا أهل هجر ; لعلمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم ; ولأن ما لا يعتقدون حله ليس من دينهم ، فلا يقرون عليه كالزنا ، قال أحمد فيمن عقد على ذات محرم : إنه يقر ما لم يرتفعوا إلينا ( وعنه في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية : يحول بينهما الإمام ) ; لأنه لا مساغ له عندنا ; ولأن علينا ضررا في ذلك بتحريم أولاد النصرانية علينا ; ولأنه نكاح فاسد ، أشبه نكاح المسلم الفاسد ( فيخرج من هذا أنهم لا يقرون على نكاح محرم ) وأن يحال بينهم وبين نكاح محارمهم ; لقول عمر : فرقوا بين كل رحم من المجوس ، وقال أحمد في مجوسي ملك أمة نصرانية : يحال بينه وبينها ، ويجب عليه بيعها ; لأن النصارى لهم دين ، فلو ملك نصراني مجوسية فلا بأس أن يطأها ، وقال أبو بكر : لا يباح لما فيه من الضرر ( فإن أسلموا ) وأتونا ( أو ترافعوا إلينا ) قبل إسلامهم ( في ابتداء العقد ) لنعقده لهم ( لم نمضه إلا على الوجه الصحيح ) كأنكحة المسلمين ، من الإيجاب والقبول والولي والشهود ; لأنه لا حاجة إلى عقد يخالف ذلك ، قال الله تعالى : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط [ المائدة : 42 ] [ ص: 115 ] أي : بالعدل ( وإن كان في أثنائه ) حتى ولو أسلم الزوجان ، فإن كانت المرأة تباح إذن كعقده في عدة فرغت أو بلا شهود ، نص عليهما ، أو بلا ولي ، وصيغة أو على أخت ماتت ( لم نتعرض لكيفية عقدهم ) بغير خلاف نعلمه ، قال ابن عبد البر : أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حالة واحدة - أن لهما المقام على نكاحهما ، ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع ( بل إن كانت المرأة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذات محرمه ، ومن هي في عدتها ، أو شرط الخيار في نكاحها متى شاء أو مدة هما فيها ، أو مطلقته ثلاثا - فرق بينهما ) ; لأن الاستدامة أضعف من الابتداء ، فإذا لم يجز الابتداء - وهو أقوى - فلأن لا تجوز الاستدامة وهي أضعف بطريق الأولى ، وكذا إن كان بينهما نكاح متعة ، فإن اعتقدا فساد الشرط وحده أقرا ( وإلا أقرا على النكاح ) ; لعدم وجود ما يبطله ، وعنه : يعتبر في المفسد مؤبدا ، أو مجمعا عليه ، فإذا أسلما ، والمرأة بنته من رضاع أو زنا ، أو هي في عدة مسلم متقدمة على العقد - فرق بينهما ، وإن كانت من كافر ، فروايتان منصوصتان ، وفي حبلى من زنا ، وشرط الخيار فيه مطلقا أو إلى مدة هما فيها وجهان .

( وإن قهر حربي حربية فوطئها ، أو طاوعته ، واعتقداه نكاحا ) ثم أسلما ( أقرا ) ; لأن المصحح له اعتقاده الحل ، وهو موجود هنا كالنكاح بلا ولي ( وإلا فلا ) أي : إذا لم يعتقاه لم يقرا عليه ; لأنه ليس من أنكحتهم ، وحكم أهل الذمة كذلك ، جزم به في " المغني " ، وفي " الترغيب " : لا يقرون ( وإن كان المهر المسمى صحيحا ) قبض أو لم يقبض ( أو فاسدا قبضته ، استقر ) ; لأنه لا يتعرض إلى [ ص: 116 ] ما فعلوه يؤكده قوله تعالى : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله [ البقرة : 275 ] ; ولأن التعرض للمقبوض بإبطاله يسبق ; لتطاول الزمان ، وكثرة تصرفاتهم في الحرام ; ولأن في التعرض إليهم تنفيرا لهم عن الإسلام ، فعفي عنه كما عفي عما تركوه من الفرائض ; ولأنهم تقابضوا بحكم الشرك ، فبرئت ذمة من عليه منه ، كما لو تبايعوا بيعا فاسدا وتقابضوا ( وإن كان فاسدا ) كالخمر ( لم تقبضه ) ولم يسم لها شيء ( فرض لها مهر المثل ) ; لأنه يجب في التسمية الفاسدة إذا كانت الزوجة مسلمة ، فكذا الكافرة ; ولأن الخمر لا قيمة لها في الإسلام ، فوجب مهر المثل ، وعنه : لا شيء لها في خمر وخنزير معين ، ولها في غير معين قيمته ، ذكرها القاضي ، فلو أسلما فانقلبت خلا وطلق ، ففي رجوعه بنصفه وجهان ، ولو تلف الخل ثم طلق ، ففي رجوعه بنصف مثله احتمالان .

فرع : إذا قبضت بعض المسمى الفاسد ، وجب قسط ما بقي من مهر المثل ، وتعتبر الحصة فيما يدخله الكيل أو الوزن به ، وفي معدود قيل : بعده ، وقيل : بقيمته عندهم ، ولا يرجع بما أنفقه من خمر ونحوه ، كما لو كان مهرا قبضته ، ذكره في الروضة .

مسألة : قال أحمد في المجوسية تكون تحت أخيها أو أبيها ، فيطلقها أو يموت عنها ، فترفع إلى المسلمين - : لا مهر لها ; لأنه باطل من أصله لا يقر عليه في الإسلام ، فإن دخل بها فهل يجب مهر المثل ؛ يخرج على الخلاف في المسلم إذا وطئ امرأة من محارمه بشبهة ، انتهى . فلو تزوج ذمي ذمية على أن لا صداق لها أو سكت عن ذكره ، فلها المطالبة بفرضه قبل الدخول ، وبعده يجب مهر المثل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث