الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 581 ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجوائح ما جاء في جائحة المقاثي قلت لعبد الرحمن بن القاسم : أرأيت المقاثي هل فيها جائحة في قول مالك ؟ قال : نعم ، إذا أصابت الثلث فصاعدا ، وضع عن المشتري ما أصابه من الجائحة . قلت : أرأيت إن اشتراها وفيها بطيخ وقثاء ، فأصابت الجائحة جميع ما في المقثأة من ثمرتها ، وهي تطعم في المستقبل كيف يعرف ما أصابت الجائحة منها ؟ قال ابن القاسم : تفسير ذلك ، أنه يكون مثل كراء الأرضين والدور . أنه ينظر إلى المقثأة ، كم كان نباتها من أول ما اشترى إلى آخر ما تنقطع ثمرتها . فينظر كم قطف منها وكم أصابت الجائحة منها . فإن كان ما أصابت الجائحة منها ثلث الثمرة ، نظر إلى قيمة ما قطف منها ، فإن كانت قيمته النصف أو أقل من الثلث ، لم يكن له إلا قدر ذلك . لأن حملها ونفاقها في الأشهر مختلف ، فتقوم ويقوم ما بقي من النبات مما لم يأت بعد في كثرة نباته ونفاقه في الأسواق ، مما يعرف من ناحية نباته . فينظر إلى الذي حده فيقوم على حدته ، ثم يقوم الذي أصابته الجائحة على حدته ، فينظر ما مبلغ ذلك من جميع الثمرة . فإن كانت الثمرة التي أكلها المشتري هو نصف القيمة أو أقل من ذلك أو أكثر ، وربما كان طعام المقثأة أوله هو أقله وأغلاه ثمنا ، تكون البطيخة والفقوسة أو القثاة بعشرة أفلس أو بنصف درهم أو بالدرهم ، والبطيخة مثل ذلك . وفي آخر الزمان تكون بالفلس والفلسين والثلاثة ، فيكون القليل الذي كان في البطن الأول أكثر المقثأة ثمنا ، لنفاقه في السوق . وعلى هذا يقع شراء الناس . إنما يحمل أوله آخره وآخره أوله . ولو كان إنما يقع الشراء على كل بطن على حدته ، لكان لكل بطن جزء مسمى من الثمن ، فإنما يحسب بطون المقثأة التي تطعم فيها بقدر إطعامها على قدر نفاقها في الأسواق في كل بطن ، ثم يقوم [ ص: 582 ] كل ما أطعمت في كل زمان على قدر نفاقه في الأسواق في كل بطن ، ثم يقسم الثمن على جميع ذلك . فإن كان البطن الأول هو النصف أو الثلثين ، رد بقدر ذلك وإن كان البطن الآخر الذي انقطع منه هو النصف أو الثلثين ، رد بقدر ذلك .

ولا يلتفت إلى نباتها في إطعامها ، فيقسم على قدر كثرته وعدده من غير أن ينظر إلى أسواقه ، ولكن ينظر إلى كثرته ونفاقه في الأسواق . قال ابن القاسم : وكذلك الورد والياسمين وكل شيء يجنى بطنا بعد بطن ، فهو على ما فسرت لك في المقثأة . وما كان يطيب بعضه بعد بعض ، فعلى هذا يحسب أيضا مما ينبت جميعا ، مثل التفاح والخوخ والتين والرمان وما أشبهه من الفاكهة . وذلك أن الرمان والخوخ وما أشبهه من الفاكهة مما لا يخرص ، إنما يشترى إذا بدا أوله لأنه يعجل بيعه ، فيكون له في أول الزمان ثمن ، لا يكون آخره في نفاقه عند الناس وأسواقه وكثرته في اجتماعه في آخر الزمان ، فإنما يشتري المشتري على ذلك ويعطي ذهبه ، لأن يكون له آخره مع أوله . ولو أفرد ما يطيب كل يوم أو كل جمعة ، حتى يباع على حدته ، لاختلفت أثمانها . وإنما يشتري المشتري على أنه يحمل الغالي منه على رخيصه ، والرخيص منه على غاليه . فإذا أصابت الجائحة منه ما يبلغ الثلث فصاعدا ، نظر إلى ما قبض ثم نظر إلى الذي أصابت الجائحة فإن كان الذي أصابت الجائحة ثلث الثمرة التي اشترى ، وضع عنه ما يصيبها من الثمن ، كان ذلك في أول الثمرة أو في وسطها أو في آخرها ، فإن كانت ثلث هذه الثمرة التي أصابتها الجائحة يكون حظها من القيمة تسعة أعشار القيمة ، وضع عن المشتري تسعة أعشار الثمن وإن لم يكن حظ ثلث الثمرة من الثمن إلا عشر الثمن الذي اشترى به جميع الثمرة ، وضع عن المشتري عشر الثمن . وإنما ينظر في هذا ، إلى الجائحة إذا أصابت . فإن أصابت ثلث الثمرة ، نظر إلى ما كان يصيب هذا الثلث من الثمن على حال ما وصفت لك من غلائه ورخصه .

فيوضع عنه ما يصيب ذلك الثلث من الثمن كان أقل من ثلث الثمن أو أكثر . فإن أصابت الجائحة أقل من ثلث الثمرة ، وكان حظ ما أصابت الجائحة من الثمن يبلغ تسعة أعشار الثمن ، لم يوضع عن المشتري قليل ولا كثير ولا يوضع المشتري فيما فسرت لك ، حتى تبلغ الجائحة ثلث الثمرة . فإذا بلغت ثلث الثمرة ، وضع عن المشتري حظها من الثمن كان أقل من ثلث الثمن أو أكثر . وهذا تفسير ما وصفت لك . قال سحنون : وقد قال أشهب ، إنما ينظر في البطون إلى ما أذهبت الجائحة ، فإن كان يكون قيمة ما يصير له ثلث الثمن وضع ، وإن كان من الثمرة عشرها ، فإن كانت قيمة ما أتلفت الجائحة لا يصير لها من الثمن ثلثه ، وإنما يصير لها من الثمن أقل ، لم يوضع [ ص: 583 ] عن المشتري شيء . وإن كان من الثمرة تسعة أعشارها ، وإنما يكون مصيبة إذا أذهبت مثل ثلث الثمن . وليس يلتفت إلى ثلث الثمرة ، لأنه ربما كان ثلث الثمرة إنما غلته عشر الثمن ، فلا يكون مصيبة ، وربما كان عشر الثمرة ويكون لها من الثمن نصف الثمن ، فيكون مصيبة . فلذلك توضع الجوائح إذا وقعت المصائب . قال سحنون : وأما البطن الواحد وهو صنف واحد ، فإن ثلث الثمرة بثلث الثمن إذا كان صنفا واحدا من الثمرة ، فاجتمعت المصيبة من الوجهين جميعا فلذلك وضع . قال ابن القاسم : وما كان مما يخرص من النخيل والأعناب وما أشبههما ، أو مما لا يخرص مما ييبس ويدخر فإنما ينظر إلى ثلث الثمرة ، فيوضع من الثمن ثلثه . ولا ينظر فيه إلى اختلاف الأسواق ، لأن هذه الأشياء يشتريها المشتري ، فمنهم من يحبسها حتى يجدها يابسة فيدخرها ، ومنهم من يتعجل أكلها ، ومنهم من يدخر بعضها أو يبيع بعضا .

فالبائع حين يبيع إنما يبيع على أن المشتري إن شاء حبس وإن شاء جد . فإنما في ثلث الثمرة إذا أصابتها الجائحة ثلث الثمن سحنون : وكذلك إذا كان الثمر صنفا واحدا ، فإن كان الثمر أصنافا مختلفة ، مثل البرني والعجوة وعذق ابن زيد والشقم ، فأصابت الجائحة من الثمر الثلث ، فإن كان الذي أصابت من البرني أو العجوة ، نظر إلى قيمته وقيمة غيره ، فيقسم الثمن على القيم لاختلاف الثمر في القيم . فيصير حكمه حكم البطون في اختلاف أثمانها . وإن الرمان والتفاح والخوخ والأترج والموز والمقاثي وما أشبهها ، إنما يشترى على أن طيب بعضه بعد بعض . ولو ترك من يشتريه أوله لآخره حتى يطيب كله لكان فسادا لأوله . قال : وقال لي مالك : وإنما جعل الله طيب بعضه بعد بعض رحمة ، ولو جعل طيبه واحدا لكان فسادا . والمشتري حين يشتري ما يطيب . بعضه بعد بعض ، فالبائع يعرف ، والمشتري أنه إنما يستجنيه كل ما طاب بمنزلة المقاثي وغيرها . وإن الذي يخرص ليس كغيره من الثمار ، ولا ما يقدر على تركه حتى تجد جميعه معا فهذا مثل الذي يخرص سواء ، فمحملهما في الجائحة سواء سحنون : فكل ما يقدر على ترك أوله على آخره ولا يكون فسادا حتى ييبس ، فهو بمنزلة النخل والعنب . وكل ما لا يستطاع ترك أوله على آخره حتى ييبس في شجره ، فسنته سنة المقاثي . قال سحنون : فهذا أصل قوله ، وكل ما في هذا الكتاب فإلى هذا يرجع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث