الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        22079 - وعلى ذلك الأمر عندنا .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        22080 - روى هذا يحيى ، عن مالك ، وهو آخر من سمع عليه الموطأ ، ويشهد له أيضا ما رواه أشهب ، عن مالك أنه لا تعمل الذكاة في السباع ، لا للحومها ، ولا لجلودها ، كما قال : لا تعمل في الخنزير .

                                                                                                                        22081 - وإلى هذا ذهب أشهب ، وهو الذي يشهد له لفظ حديث أبي هريرة هذا ، وما ترجم عليه مالك هذا الباب .

                                                                                                                        22082 - وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه وطرأ ، على ملكك أو على ما ليس في ملكك ، فما كان منه واردا على ملكك ، فهو يمين آداب وإرشاد واختيار ، وما طرأ على ملكك ، فهو على التحريم .

                                                                                                                        22083 - وعلى هذا ورد النهي في القرآن والسنة لمن اعتبرهما .

                                                                                                                        22084 - ألا ترى إلى نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية ، والأكل من رأس الصحفة ، والمشي في نعل واحدة ، وأن تقرن بين تمرتين من أكل مع غيره ، والاستنجاء باليمين دون الشمال ، والأكل بالشمال دون اليمين ، والتيامن في لباس النعال ، وفي الشراب ، وغير ذلك مما يطول ذكره .

                                                                                                                        [ ص: 314 ] 22085 - فهذا كله ، وما كان مثله نهي أدب وإرشاد ؛ لأنه طرأ على ما في ملك الإنسان ، فمن واقع شيئا من ذلك لم يحرم عليه فعله ، ولا شيء من طعامه ولا لباسه .

                                                                                                                        22086 - وأما نهيه عن الشغار ، ونكاح المحرم ، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وعن قليل ما أسكر كثيره ، وعن بيع حبل حبلة ، وما أشبه ذلك من البيوع الفاسدة .

                                                                                                                        22087 - فهذا كله طرأ على شيء محظور استباحته إلا على سنته .

                                                                                                                        22088 - فمن لم يستبحه على سنته حرم ذلك عليه ; لأنه لم يكن قبل في ملكه .

                                                                                                                        22089 - فإن قيل : إن الله تعالى قد نهى عن وطء الحائض ، ومن وطئها لم تحرم بذلك عليه امرأته ولا سريته ؟ .

                                                                                                                        22090 - قيل له : لو تدبرت هذا لعلمت أنه من الباب الوارد على ما في ملك الإنسان مطلقا لأن عصمة النكاح وملك اليمين في معنى الوطء من العبادات التي أصلها الحظر ، ثم وردت الإباحة فيها بشرط ، لا يجوز أن يتعدى ، ولا يستباح إلا به ، لأن الفروج محظورة إلا بنكاح ، أو ملك يمين ، ولم ترد الإباحة في نكاح ما طاب لنا من النساء ، أو ما ملكت أيماننا إلا مقرونة ; لأن الحائض لا توطأ حتى [ ص: 315 ] تطهر ، كما ورد تحريم الحيوان في أنه لا يستباح إلا بالذكاة ، فوطأ الحائض ، واستباحة الحيوان من القسم الثاني ، لا من الأول الذي وردت فيه الإباحة في ملك الإنسان مطلقة بغير شرط وهذا بين لمن تدبره ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                        22091 - ولما كان النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع محتمل للمعنيين جميعا افتتح مالك رحمه الله الباب بحديث أبي ثعلبة في لفظ النهي ، ثم أتبعه على جهة التفسير له بحديث أبي هريرة .

                                                                                                                        22092 - وفي بعض روايات الموطأ ، تقديم حديث أبي هريرة ، والمعنى في ذلك واحد ، لأن الباب جمعها فيه ، والنهي محتمل للتأويل ، فهو مجمل ، والتحريم إفصاح فهو تفسير للمجمل .

                                                                                                                        22093 - وقد قال أبو بكر الأبهري أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تنزيه ، وتقذر .

                                                                                                                        22094 - وهذا لا أدري ما هو ، فإن أراد التقذر من القذر الذي هو النجاسة ، فلا خلاف في تحريم ذلك بين العلماء ، وأنه لا يحل أكل النجاسات ، ولا استباحة شيء منها ، ويلزمه التنزه عنها لزوم فرض .

                                                                                                                        [ ص: 316 ] 22095 - فإن كان ما ذكرنا في الندب والإرشاد ، فهو على ما وصفنا .

                                                                                                                        22096 - وإنما احتج الأبهري لرواية ابن القاسم ، فقوله : إن الذكاة عاملة في جلود السباع ، وأن لحومها ليست بحرام على آكلها إذا ذكيت ، وإنما هي مكروهة ، فقد تناقض ابن القاسم فيما ذهب إليه من هذا الباب ، ورواه عن مالك ; لأنه لا يرى التذكية في جلود الحمير تعمل شيئا ، ولا تحل جلود الحمير عنده إلا بالدباغ كجلود الميتات .

                                                                                                                        22097 - ومعلوم أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع أعم ، وأظهر عند العلماء ; لأنه قد قيل في الحمر : إنما نهي منها عن الجلالة .

                                                                                                                        22098 - وقال لبعض من سأله عنها : كل من سمين مالك ، فلم يلتفت العلماء إلى مثل هذه الآثار ، لضعف مخارجها وطرقها ، مع ثبوت النهي عن أكلها جملة ، وكذلك النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع .

                                                                                                                        22099 - ومن لم ير ابن عباس حجة في إباحته أكل لحوم الحمر الأهلية ، لأن قوله في ذلك خلاف ثابت السنة ، فقول من ليس في المنزلة من العلم مثله ، أحرى أن يترك في لحوم السباع ، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكلها ، وتحريمه لها .

                                                                                                                        [ ص: 317 ] 22100 - أخبرنا عبد الله ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني محمد بن المصفى ، قال : حدثني محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن مروان بن رؤبة ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن المقدام بن معدي كرب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا لا يحل أكل ذي ناب من السباع ، ولا الحمار الأهلي .

                                                                                                                        22101 - والذي عول عليه من أجاز أكل كل ذي ناب من السباع ظاهر قول الله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية [ الأنعام : 145 ] .

                                                                                                                        22102 - وهذا لا حجة فيه ; لوجوه كثيرة ، قد تقصيناها في التمهيد ، منها : أن سورة الأنعام مكية ، ومفهوم في قوله : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما [ الأنعام : 145 ] ، أي شيئا محرما وقد نزل بعدها قرآن كثير فيه نهي عن أشياء محرمة ، ونزلت سورة المائدة بالمدينة ، وهي من آخر ما نزل ، وفيها تحريم الخمر المجتمع على تحريمها .

                                                                                                                        22103 - وقد حرم الله تعالى الربا ، وحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البيوع أشياء يطول ذكرها .

                                                                                                                        22104 - وأجمعوا أن نهي رسول الله عن أكل كل ذي ناب من السباع [ ص: 318 ] إنما كان بالمدينة .

                                                                                                                        22105 - رواه عنه متأخرو أصحابه ، منهم أبو هريرة ، وابن عباس ، وأبو ثعلبة ، وكلهم لم يصحبوه إلا بالمدينة .

                                                                                                                        22106 - وأما قوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما [ الأنعام : 145 ] .

                                                                                                                        22107 - فقيل : معناه لا أجد فيما أنزل إلي وقتي هذا غير ذلك .

                                                                                                                        22108 - وقيل : لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تأكلونه يريد العرب .

                                                                                                                        22109 - وقيل : إنها خرجت على جواب سائل عن أشياء من المأكل ، كأنه قال : لا أجد فيما سألتم عنه شيئا محرما إلا كذا ، ولم تسألوا عن ذي الناب ، وحمار الأهلي ، وقد أنزل الله تعالى بعد ذلك تحريم الموقوذة ، والمنخنقة ، وما ذكرنا معها ، وأشياء يطول ذكرها .

                                                                                                                        22110 - ولما قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : 7 ] ، ألزم بنص التنزيل الانتهاء عن كل ما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يجتمع من لا يجوز عليه تحريف تأويل الكتاب والسنة [ ص: 319 ] 22111 - وهم الجمهور الذي يلزم من شذ عنهم الرجوع إليهم على أن ذلك النهي على غير التحريم ، فيكون خارجا بدليله مستثنى من الجملة .

                                                                                                                        22112 - وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها ، ولم يقل أحد من العلماء أن قوله - عز وجل : وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء : 45 ] ، يعارض ذلك : بل جعل نهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها زيادة بيان على ما في الكتاب .

                                                                                                                        22113 - واختلف الفقهاء في معنى قوله : أكل كل ذي ناب من السباع حرام .

                                                                                                                        22114 - فقال منهم قائلون : إنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله هذا ما كان يعدو على الناس مثل الأسد ، والذئب ، والكلب ، والنمر العادي ، وما أشبه ذلك مما الأغلب في طبعه أن يعدو وما كان الأغلب في طبعه أنه لا يعدو ، فليس مما عناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله هذا ، وإذا لم يكن ، فلا بأس بأكله .

                                                                                                                        22115 - واحتجوا بحديث الضبع في إباحة أكلها ، وهي سبع .

                                                                                                                        22116 - وهو حديث رواه عبد الرحمن بن أبي عمار ، قال : سألت جابر بن عبد الله ، عن الضبع أأكلها ؟ قال : نعم قلت : أصيد هي ؟ قال : نعم ، قلت : أسمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم .

                                                                                                                        [ ص: 320 ] 22117 - قالوا : وإن كان هذا الحديث انفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، فقد وثقه جماعة من أهل الحديث ، واحتجوا بهذا الحديث .

                                                                                                                        22118 - قال علي بن المديني : عبد الرحمن بن أبي عمار : ثقة ، مكي .

                                                                                                                        22119 - وروي عن سعد بن أبي وقاص ، وعروة بن الزبير إجازة أكل الضباع ، قالوا : والضبع سبع لا يختلف في ذلك ، فلما أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أكله علمنا أن نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع ليس من جنس ما أباحه ، وإنما هو نوع آخر ، والله أعلم ، وهو الأغلب فيه العداء على الناس .

                                                                                                                        22120 - هذا قول الشافعي ، ومن تابعه .

                                                                                                                        22121 - قال الشافعي : ذو الناب المحرم أكله هو الذي يعدو على الناس [ ص: 321 ] كالأسد ، والنمر ، والذئب .

                                                                                                                        22122 - قال : ويؤكل الضبع والثعلب .

                                                                                                                        22123 - وهو قول الليث .

                                                                                                                        22124 - وروى معمر ، عن ابن شهاب الزهري ، قال : الثعلب سبع لا يؤكل .

                                                                                                                        22125 - قال معمر ، وقال قتادة : ليس بسبع .

                                                                                                                        22126 - ورخص في أكله : طاوس وعطاء من أجل أنه يؤذي .

                                                                                                                        22127 - قال مالك ، وأصحابه : لا يؤكل شيء من سباع الوحش كلها ، ولا الهر الوحشي ، ولا الأهلي ، لأنه سبع .

                                                                                                                        22128 - قال : ولا يؤكل الضبع ، ولا الثعلب ، ولا شيء من سباع الوحش .

                                                                                                                        22129 - ولا بأس بأكل سباع الطير .

                                                                                                                        22130 - زاد ابن عبد الحكم ، عن مالك ، قال : وكل ما يفترس ، ويأكل اللحم ، ولا يرعى الكلأ ، فهو سبع ، لا يؤكل وهو يشبه السباع التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكلها .

                                                                                                                        22131 - وروي عن أشهب أنه قال : لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي .

                                                                                                                        [ ص: 322 ] 22132 - قال ابن وهب عن مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم قديما ، ولا حديثا بأرضنا ينهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير .

                                                                                                                        2213 - قال ابن وهب : وكان الليث يقول : يؤكل الهر ، والثعلب .

                                                                                                                        22134 - والحجة لمالك في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع عموم النهي عن ذلك ، ولم يخصوا سبعا من سبع ، فكل ما وقع عليه اسم سبع ، فهو داخل تحت النهي على ما يوجبه الخطاب ، وتعرفه العرب في مخاطبتها .

                                                                                                                        22135 - وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ؟ لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار ، وليس بمشهور بنقل العلم ، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه .

                                                                                                                        22136 - وأما العراقيون - أبو حنيفة ، وأصحابه - فقالوا : ذو الناب من السباع المنهي عن أكله : الأسد ، والذئب ، والنمر ، والفهد ، والثعلب ، والضبع ، والكلب ، والسنور البري ، والأهلي ، والوبر ، قالوا : وابن عرس سبع من سباع الهوام .

                                                                                                                        22137 - وكذلك الفيل ، والدب ، والضب ، واليربوع .

                                                                                                                        22138 - قال أبو يوسف : فأما الوبر ، فلا أحفظ فيه شيئا عن أبي حنيفة ، وهو [ ص: 323 ] عندي مثل الأرنب ، لا بأس بأكله ، لأنه لا يعتلف إلا البقول ، والنبات .

                                                                                                                        22139 - وقال أبو يوسف في السنجاب ، وفي الفنك ، والسمور : كل ذلك سبع مثل الثعلب ، وابن عرس .

                                                                                                                        22140 - قال أبو عمر : أما الضب ، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إجازة أكله ، وفي ذلك ما يدل على أنه ليس بسبع يفترس ، والله أعلم .

                                                                                                                        22141 - وقال ابن المسيب : لا بأس بالورل .

                                                                                                                        22142 - قال عبد الرزاق : والورل أشبه شيء بالضب .

                                                                                                                        22143 - وكره الحسن ، وغيره أكل الفيل ، لأنه ذو ناب ، وهم للأسد أشد كراهة .

                                                                                                                        22144 - وكره عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة أكل الكلب .

                                                                                                                        22145 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكلب أنه قال طعمة جاهلية ، وقد أغنى الله عنها .

                                                                                                                        22146 - وروي عن ابن المسيب أن الضبع لا يصلح أكلها .

                                                                                                                        [ ص: 324 ] 22147 - وعن عروة أنه لم ير بأكل اليربوع بأسا .

                                                                                                                        22148 - وعن عطاء مثله .

                                                                                                                        22149 - وعن طاوس أنه أجاز أكل الوبر .

                                                                                                                        22150 - وقال الشعبي : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحم القرد .

                                                                                                                        22151 - وكرهه ابن عمر ، وعطاء ، ومكحول ، والحسن ولم يجيزوا بيعه .

                                                                                                                        22152 - وقال مجاهد : ليس القرد من بهيمة الأنعام .

                                                                                                                        22153 - ولا أعلم بين العلماء خلافا أن القرد لا يؤكل ، ولا يجوز بيعه ، لأنه لا منفعة فيه ، وذو الناب كله عندي .

                                                                                                                        22154 - والحجة في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا في حجة غيره .



                                                                                                                        22155 - وأما جلود السباع المذكاة لجلودها ، فاختلف أصحابه في ذلك : 22156 - فروى ابن القاسم ، عن مالك أن السباع إذا ذكيت من أجل جلودها حل بيعها ، ولباسها ، والصلاة عليها .

                                                                                                                        22157 - قال أبو عمر : الذكاة عنده في السباع لجلودها أكمل طهارة .

                                                                                                                        [ ص: 325 ] 22158 - وفي هذه الرواية من الدباغ في جلود الميتة .

                                                                                                                        22159 - وهو قول ابن القاسم .

                                                                                                                        22160 - وقال ابن حبيب : إنما ذلك في السباع المختلف فيها .

                                                                                                                        22161 - فأما المتفق عليها ، فلا يجوز بيعها ، ولا لبسها ، ولا الصلاة عليها .

                                                                                                                        22162 - ولا بأس بالانتفاع بها إذا ذكيت كجلد الميتة المدبوغ .

                                                                                                                        22163 - قال ابن حبيب : ولو أن الدواب : الحمير والبغال إذا ذكيت لجلودها لما حل بيعها ، ولا الانتفاع بها ، ولا الصلاة فيها إلا الفرس ، فإنه لو ذكي يحل بيع جلده والانتفاع به للصلاة ، وغيرها ؟ لاختلاف الناس في تحريمه .

                                                                                                                        22164 - وقال أشهب : أكره بيع جلود السباع وإن ذكيت ما لم تدبغ .

                                                                                                                        22165 - قال : وأرى أن يفسخ البيع فيها ويفسخ ارتهانها ، وأرى أن يؤدب من فعل ذلك ، إلا أن يعذر بالجهالة لأنالنبي - صلى الله عليه وسلم - حرم أكل كل ذي ناب من السباع ، فالذكاة فيها ليست بذكاة .

                                                                                                                        22166 - وروى أشهب ، عن مالك في المستخرجة أن ما لا يؤكل لحمه ، فلا يطهر جلده بالدباغ .

                                                                                                                        [ ص: 326 ] 22167 - قال : وسئل مالك : أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرا ؟ فقال : إنما يقال هذا في جلود الأنعام .

                                                                                                                        22168 - فأما جلود ما لا يؤكل لحمه ، فكيف يكون جلده طاهرا إذا دبغ ، وهو مما لا ذكاة فيه ، ولا يؤكل لحمه ؟

                                                                                                                        22169 - قال أبو عمر : لا أعلم [ خلافا ] أحدا من الفقهاء قال بما رواه أشهب عن مالك في جلد ما لا يؤكل لحمه أنه لا يطهر بالدباغ إلا أبا ثور إبراهيم بن خلد .

                                                                                                                        22170 - قال : وذلك أن النبي - عليه السلام - قال في جلد شاة ماتت : ألا دبغتم جلدها ، ونهى عن جلود السباع .

                                                                                                                        22171 - قال : فلما روي الخبران أخذنا بهما جميعا ; لأن الكلامين جميعا لو كان في مجلس واحد كان كلاما صحيحا ، ولم يتناقض .

                                                                                                                        22172 - ولا أعلم خلافا أنه لا يتوضأ في جلد خنزير وإن دبغ ، فلما كان الخنزير حراما لا يحل أكله ، وإن ذكي ، وكانت السباع لا يحل أكلها ، وإن ذكيت كان حراما أن ينتفع بجلودها وإن دبغت قياسا على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذا كانت العلة واحدة .

                                                                                                                        22173 - هذا كله قول أبي ثور .

                                                                                                                        22174 - وذكر هشيم ، عن منصور عن الحسن أن عليا كره الصلاة في جلود [ ص: 327 ] البغال .

                                                                                                                        22175 - قال أبو عمر : ما قاله أبو ثور صحيح في الذكاة أنها لا تعمل فيما لا يحل أكله ، إلا أن قوله - عليه السلام - : كل إهاب دبغ فقد طهر . وقد دخل فيه كل جلد ، إلا أن جمهور السلف أجمعوا ، أن جلد الخنزير لا يدخل في ذلك ، فخرج بإجماعهم .

                                                                                                                        22176 - وحديث أبو ثور الذي ذكره في النهي عن جلود السباع ليس فيه بيان ذبائح ويحتمل أن يكون نهى عنها قبل الدباغ ، وهذا أولى ما حملت الآثار عليه .

                                                                                                                        22177 - والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني بكر بن حماد ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني يحيى القطان ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح بن أسامة ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن جلود السباع .

                                                                                                                        [ ص: 328 ] 22178 - وقال محمد بن عبد الحكم ، وحكاه عن أشهب : لا يجوز تذكية السباع ، وإن ذكيت لجلودها ، لم يحل الانتفاع بشيء من جلودها ، إلا أن تدبغ .

                                                                                                                        22179 - قال أبو عمر : قول ابن عبد الحكم ، عن أشهب عليه جمهور الفقهاء من أهل النظر ، والأثر بالحجاز ، والعراق ، والشام .

                                                                                                                        22180 - وهو الصحيح عندي ، وهو الذي يشبه قول مالك في ذلك ، ولا يصح أن ينقله غيره ، ولوضوح الدلائل عليه ، ، ولو لم يعتبر ذلك إلا بمذابحة المحرم ، أو ذبح في الحرم ، أن ذلك لا يكون ذكاة للمذبوح عند مالك ، وأكثر العلماء ، وكذلك الخنزير عند الجميع لا تعمل في جلده الذكاة ، وسيأتي ذكر ما يطهر بالدباغ ، من الأهب في الباب بعد هذا إن شاء الله .




                                                                                                                        الخدمات العلمية