الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  116 57 - حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر قال : صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام ، فقال : أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدث الصحابة بهذا الحديث بعد صلاة العشاء ، وهو سمر بالعلم .

                                                                                                                                                                                  بيان رجاله :

                                                                                                                                                                                  وهم سبعة :

                                                                                                                                                                                  الأول : سعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء ، وقد مر .

                                                                                                                                                                                  الثاني : الليث بن سعد .

                                                                                                                                                                                  الثالث : عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد ، ويقال : أبو الوليد الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك ، قال ابن سعد : كانت ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومائة ، وقال يحيى بن معين : كان عنده من الزهري كتاب فيه مائتا حديث أو ثلاثمائة ، كان الليث يحدث بها عنه ، وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقال أبو حاتم : صالح ، وقال ابن يونس : كان ثبتا في الحديث ، توفي سنة سبع وعشرين ومائة ، روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي .

                                                                                                                                                                                  الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .

                                                                                                                                                                                  الخامس : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وقد تقدم .

                                                                                                                                                                                  السادس أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة ، واسمه عبد الله بن حذيفة ، وقيل : عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عويج [ ص: 176 ] ابن عدي بن كعب القريشي العدوي ، وقال ابن عبد البر : أبو بكر هذا ليس له اسم ، أخرج له البخاري هذا الحديث خاصة مقرونا بسالم كما ترى ومسلم غير مقرون ، وكان من علماء قريش ، روى عن سعيد بن زيد وأبي هريرة أيضا ، وروى عنه الزهري وغيره ، أخرجوا له خلا ابن ماجه ، وقال ابن حبان : ثقة ، وليس له حديث عند مسلم والترمذي أيضا سواه .

                                                                                                                                                                                  السابع : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

                                                                                                                                                                                  بيان لطائف إسناده

                                                                                                                                                                                  منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن فيه أربعة من التابعين وهم : عبد الرحمن ، وابن شهاب ، وسالم ، وأبو بكر .

                                                                                                                                                                                  ومنها : أن أبا بكر ليس له حديث عند البخاري غير هذا ، ومع هذا روى له مقرونا بسالم .

                                                                                                                                                                                  بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

                                                                                                                                                                                  أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد الله ، عن ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم . وعن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن سالم وأبي بكر بن أبي حثمة . وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وعن أبي رافع وعبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، قال : ورواه الليث ، عن عبد الرحمن بن خالد .

                                                                                                                                                                                  بيان الإعراب والمعاني

                                                                                                                                                                                  قوله " حدثني الليث ، قال : حدثني عبد الرحمن " ، وفي رواية أبي ذر : " حدثني الليث ، حدثه عبد الرحمن " ، أي أنه حدثه عبد الرحمن .

                                                                                                                                                                                  قوله " صلى لنا عليه الصلاة والسلام " ، وفي رواية : " صلى بنا " ، ومعنى اللام صلى إماما لنا وإلا فالصلاة لله لا لهم .

                                                                                                                                                                                  قوله " العشاء " أي صلاة العشاء ، وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق ، وهو بكسر العين وبالمد ، والعشاء بالفتح وبالمد الطعام .

                                                                                                                                                                                  قوله " في آخر حياته " وجاء في رواية جابر أن ذلك كان قبل موته صلى الله تعالى عليه وسلم بشهر ، قوله “ قام " جواب لما ، قوله “ أرأيتكم " بهمزة الاستفهام وفتح الراء وبالخطاب للجمع والكاف ضمير ثان ، ولا محل لها من الإعراب ، والرؤية بمعنى الإبصار و” ليلتكم " بالنصب مفعوله ، وليست الرؤية ها هنا بمعنى العلم ; لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين وليس ها هنا إلا مفعول واحد وهو الليلة كما ذكرنا ، وكم لا تصلح أن تكون مفعولا آخر حتى تكون بمعنى العلم ; لأنه حرف لا محل لها من الإعراب كما ذكرنا ، ولو كان اسما لوجب أن يقال أرأيتموكم ; لأن الخطاب لجماعة فإذا كان لجماعة يجب أن يكون بالتاء والميم كما في علمتموكم رعاية للمطابقة ، فإن قلت : فهذا يلزمك أيضا في التاء ، فإن التاء اسم فينبغي أن يكون أرأيتموكم . قلت : لما كان الكاف والميم لمجرد الخطاب اختصرت عن التاء والميم بالتاء وحدها للعلم بأنه جمع ، تقول : كم ، والفرق بين حرف الخطاب واسم الخطاب أن الاسم يقع مسندا ومسندا إليه والحرف علامة تستعمل مع استقلال الكلام واستغنائه عنها باعتبار المسند والمسند إليه ، فوزانها وزان التنوين وياء النسبة وأيضا اسم الخطاب يدل على عين ، ومعنى الخطاب وحرفه لا يدل إلا على الثاني ، وقال بعضهم : الرؤية بمعنى العلم أو البصر ، والمعنى : أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم ؟ قلت : قد بينا أنه لا يصح أن تكون من الرؤية بمعنى العلم ، وهذا تصرف من لا يد له في العربية ، ويقال : أرأيتكم كلمة تقولها العرب إذا أرادت الاستخبار ، وهو بفتح التاء للمذكر والمؤنث والجمع والمفرد .

                                                                                                                                                                                  تقول : أرأيتك أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم ، والمعنى : أخبر وأخبري وأخبراني وأخبروني ، فإن أردت معنى الرؤية أنثت وجمعت ، وقال بعضهم : الجواب محذوف تقديره : قالوا نعم ، قال : فاضبطوه . قلت : كأن هذا القائل أخذ كلامه من الزركشي في حواشيه ، فإنه قال : والجواب محذوف تقديره أرأيتكم ليلتكم هذه احفظوها أو احفظوا تاريخها ، فإن بعد انقضاء مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ، انتهى .

                                                                                                                                                                                  وهذا ليس بشيء ; لأن المعنى أبصرتم ليلتكم هذه ، ولا يحتاج فيه إلى جواب ; لأن هذا ليس باستفهام حقيقي .

                                                                                                                                                                                  قوله " فإن رأس " ، وفي رواية الأصيلي : " فإن على رأس مائة " ، فإن قلت : ما اسم إن ؟ قلت : فيه ضمير الشأن ، وقوله " لا يبقى " خبرها .

                                                                                                                                                                                  قوله " منها " أي من تلك الليلة ، وقد استدل بعض اللغويين بقوله " منها " أن من تكون لابتداء الغاية في الزمان كمنذ ، وهو قول الكوفيين ، وقال البصريون : لا تدخل من إلا على المكان ، ومنذ في الزمان نظيرة من في المكان ، وتأولوا ما جاء بخلافه ، واحتج من نصر قول الكوفيين بقوله تعالى : من أول يوم وبقول عائشة رضي الله عنها : " ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل " ، وقول أنس رضي الله عنه : " وما زلت أحب الدباء من يومئذ " ، وقول بعض الصحابة : " مطرنا من الجمعة إلى الجمعة " ، وأجاب أبو علي الفارسي عن قوله : من أول يوم بأن [ ص: 177 ] التقدير من تأسيس أول يوم ، وضعفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان ، وقال الزمخشري : التقدير من أول يوم من أيام وجوده . قلت : هذا جنوح إلى مذهب الكوفيين .

                                                                                                                                                                                  وقال النووي : المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمره قبل ذلك أم لا ، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة ، ويقال : معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سالف الأمم ، وقد احتج به البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر ، والجمهور على خلافه ، ومن قال به أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر ، فلا يدخل في الحديث .

                                                                                                                                                                                  ومن قال : إن معنى الحديث لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه ، فالحديث عام أريد به الخصوص ، وقيل : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأرض البلدة التي هو فيها ، وقد قال تعالى : ألم تكن أرض الله واسعة يريد المدينة .

                                                                                                                                                                                  وقوله : ممن هو على وجه الأرض ، احتراز عن الملائكة .

                                                                                                                                                                                  قال الكرماني : فإن قلت : ما تقول في عيسى عليه السلام ؟ قلت : فهو ليس على وجه الأرض بل في السماء أو هو من النوادر ، فإن قلت : فما قولك في إبليس ؟ قلت : هو ليس على ظهر الأرض بل في الهواء أو في النار أو المراد من لفظ " من " هو الإنس ، والله أعلم . قلت : هذه كلها تعسفات ، ولا يرد على هذا لا بعيسى عليه الصلاة والسلام ولا بإبليس ، فإن مراده صلى الله عليه وسلم ممن هو على ظهر الأرض أمته ، والقرائن تدل على ذلك ، منها قوله “ أرأيتكم ليلتكم هذه " وكل من على وجه الأرض من المسلمين والكفار أمته ، أما المسلمون فإنهم أمة إجابة ، وأما الكفار فإنهم أمة دعوة ، وعيسى والخضر عليهما السلام ليسا داخلين في الأمة ، وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال : إنما أراد عليه الصلاة والسلام أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه ، فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة ، وقد أخرج البخاري فيما انفرد به عن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يكره النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ، فهذا يدل على المنع مطلقا ، والحديث المتقدم يدل على جواز السمر في العلم والخير ، فنخص العموم فيما عداهما وأما ما عدا ذلك فذهب الأكثر إلى كراهته ، منهم : أبو هريرة وابن عباس ، وكتب عمر رضي الله عنه أن لا ينام قبل أن يصليها ، فمن نام فلا نامت عينه ، وهو قول عطاء وطاوس وإبراهيم ، وقول مجاهد ومالك والكوفيين والشافعي ، ورخص طائفة فيه : روي ذلك عن علي رضي الله عنه أنه كان ربما غفى قبل العشاء ، وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه ، وعن أبي موسى مثله ، وعن عروة وابن سيرين أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء ، واحتج لهم بأن الكراهة إنما كرهت لمن خشي عليه تفويتها أو تفويت الجماعة فيها .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال : اختلف قول مالك ، فقال مرة : الصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه ، وقال في موضع آخر : العناية بالعلم إذا صحت النية أفضل ، وقال سحنون : يلتزم أثقلهما عليه .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية