الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) : نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه ، كانوا يتقون السبت ولحم الجمل ، وأشياء تتقيها أهل الكتاب ، قاله عكرمة ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس ، أو في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله الضحاك . وروي عن ابن عباس : أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام ، قاله مجاهد ، وقتادة . أو في المنافقين ، واحتج لهذا بورودها عقيب صفة المنافقين ، وعلى هذا الاختلاف في سبب النزول اختلفت أقاويل أهل التفسير . وقرأ نافع ، وابن كثير ، والكسائي : بفتح السين في " السلم " ، وكذلك في الأنفال : ( وإن جنحوا للسلم ) ، وفي القتال : ( وتدعوا إلى السلم ) . واختلف في السلم هنا ، فقيل : هو الإسلام : لأن الإسلام قد يسمى سلما ، بكسر السين ، وقد يروى فيه الفتح ، كما روي في السلم الذي هو الصلح الفتح والكسر ، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل ، وجوز أبو علي الفارسي أن يكون السلم هنا هو الذي بمعنى الصلح : لأن الإسلام صلح على الحقيقة ، ألا ترى أنه لا قتال بين أهله ، وأنهم يد واحدة على من سواهم ؟ فإن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه ، فقد أمروا بالدخول في شرائع الإسلام ، وأن لا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام ، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بما سبق من أنبيائهم ادخلوا في هذه الشريعة وهي لهم ، كأنه قيل : يا من سبق له الإيمان بالتوراة والإنجيل ، وهما دالان على صدق هذه الشريعة ، ادخلوا في هذه الشريعة ، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى : يا من آمن بقلبه وصدق ادخل في شرائع الإسلام ، واجمع إلى الإيمان الإسلام . وقد فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإيمان والإسلام في حديث سؤال جبريل حين سأله عن حقيقة كل واحد منهما . وإن كان الخطاب للمنافقين ، فالمعنى : يا من آمن بلسانه ادخل في الإسلام بالقلب حتى يطابق القول الاعتقاد .

والظاهر من هذه الأقوال أنه خطاب للمؤمنين ، أمروا بامتثال شرائع الإسلام ، أو بالانقياد والرضى وعدم الاضطرار ، أو بترك الانتقام ، وأمروا كلهم بالائتلاف وترك الاختلاف ، ولذلك جاء بقوله : ( كافة ) ، وانتصاب ( كافة ) على الحال من الفاعل في " ادخلوا " ، والمعنى ادخلوا في السلم جميعا ، وهي حال تؤكد معنى العموم ، فتفيد معنى كل ، فإذا قلت : قام الناس كافة ، فالمعنى قاموا كلهم ، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون حالا من " السلم " ، أي في شرائع الإسلام كلها ، أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة . قال الزمخشري : ويجوز أن تكون " كافة " حالا من " السلم " : لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ، قال الشاعر :


السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جرع



على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها ، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة ، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها ، وأن لا يخلوا بشيء منها . وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن رسول الله - صلى الله [ ص: 121 ] عليه وسلم - أن يقيم على السبت ، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل . و " كافة " من الكف ، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم ، انتهى كلام الزمخشري . وتعليله جواز أن يكون " كافة " حالا من السلم بقوله : لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ليس بشيء : لأن التاء في " كافة " ، وإن كان أصلها للتأنيث ، ليست فيها إذا كانت حالا للتأنيث ، بل صار هذا نقلا محضا إلى معنى جميع وكل ، كما صار ( قاطبة ، وعامة ) إذا كان حالا نقلا محضا إلى معنى كل وجميع . فإذا قلت : قام الناس كافة ، أو قاطبة ، أو عامة ، فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث ، كما لا يدل عليه كل ، ولا جميع . وتوكيده بقوله : وفي شعب الإسلام وشرائعه كلها ، هو الوجه الأول من قوله : بأن يدخلوا في الطاعات كلها ، فلا حاجة إلى هذا الترديد ب " أو " . وقال ابن عطية : وقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : أمرهم بالثبوت فيه ، والزيادة من التزام حدوده . وتستغرق " كافة " حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع ، فيكون الحال من شيئين ، وذلك جائز نحو قوله تعالى : ( فأتت به قومها تحمله ) إلى غير ذلك من الأمثلة . ثم قال بعد كلام ذكره : و " كافة " معناه : جميعا . والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها ، انتهى كلامه .

وقوله : فيكون الحال من شيئين ، يعني : من الفاعل في " ادخلوا " ، ومن " السلم " ، وهذا الذي ذكره محتمل ، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل ، وذلك جائز ، يعني : مجيء الحال الواحدة من شيئين ، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو . وقوله : نحو قوله : ( فأتت به قومها تحمله ) ، يعني أن " تحمله " حال من الفاعل المستكن في أتت ، ومن الضمير المجرور بالباء ، هذا المثال ليس بمطابق للحال من شيئين : لأن لفظ " تحمله " لا يحتمل شيئين ، ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما ، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين ، والإخبار بتلك الحال عنهما ، فمتى صح ذلك صحت الحال ، ومتى امتنع امتنعت . مثال ذلك قوله :


وعلقت سلمى وهي ذات موصد     ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا     إلى اليوم لم نكبر ، ولم تكبر البهم



فصغيرين حال من الضمير في علقت ، ومن سلمى : لأنه يصلح أن يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم ، ومثله :


خرجت بها نمشي تجر وراءنا



فنمشي حال من التاء في " خرجت " ، ومن الضمير [ ص: 122 ] المجرور في بها ، ويصلح أن تقول أنا وهي نمشي ، وهنا لا يصلح أن تكون " تحمله " خبرا عنهما ، لو قلت هي وهو تحمله لم يصح أن يكون " تحمله " خبرا ، نحو قوله : هند وزيد تكرمه : لأن تحمله وتكرمه لا يصح أن يقدر إلا بمفرد ، فيمتنع أن يكون حالا من ذوي حال ، ولذلك أعرب المعربون في :


خرجت بها نمشي تجر وراءنا



نمشي حالا منهما ، وتجر حالا من ضمير المؤنث خاصة : لأنه لو قيل : أنا وهي تجر وراءنا ، لم يجز أن يكون " تجر " خبرا عنها : لأن تجر وتحمل إنما يتقدران بمفرد ، أي حاملة وجارة ، وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالا منهما . و ( كافة ) لدلالته على معنى جميع ، يصلح أن يكون حالا من الفاعل في " ادخلوا " ، ومن السلم ، بمعنى شرائع الإسلام : لأنك لو قلت : الرجال والنساء جميع في كذا ، صح أن يكون خبرا . لا يقال كافة لا يصلح أن يكون خبرا ، لا تقول الزيدون والعمرون كافة في كذا ، فلا يجوز أن يقع حالا على ما قررت : لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة " كافة " إذ لم يتصرف فيها ، بل التزم نصبها على الحال ، لكن مرادفها يصح فيه ذلك ، وقوله : والمراد بالكافة الجماعة التي يكف مخالفها ، يعني : أن هذا في أصل الوضع ، ثم صار الاستعمال لها لمعنى جميعا ، كما قال هو وغيره ، و " كافة " : معناه جميعا .

التالي السابق


الخدمات العلمية