الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وقال ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب قال : قال عبد الله بن جحش : اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ، ثم تسألني بم ذاك ، فأقول : فيك . قال سعيد بن المسيب : إني لأرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله .

                                                                                      وروى الزبير بن بكار في " الموفقيات " ، أن عبد الله بن جحش ، انقطع سيفه ، قال : فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عرجونا فصار في يده سيفا . فكان يسمى العرجون ، ولم يزل يتناول حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار .

                                                                                      وكان عبد الله من السابقين ، أسلم قبل دار الأرقم ، وهاجر إلى الحبشة هو وإخوته وشهد بدرا .

                                                                                      وقال معمر ، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي ، حدثنا أشياخنا أن عبد الله بن جحش جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقد ذهب سيفه ، [ ص: 409 ] فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عسيبا من نخل ، فرجع في يد عبد الله سيفا . مرسل .

                                                                                      عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع ، وقال لي : إن رأيته فأقره مني السلام وقل له : يقول لك رسول الله كيف تجدك ؟ فجعلت أطوف بين القتلى ، فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ، فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك : خبرني كيف تجدك ؟ قال : على رسول الله السلام وعليك ، قل له : يا رسول الله أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف . قال : وفاضت نفسه . أخرجه البيهقي ، ثم ساقه فيما بعد من حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المازني ، منقطعا ، فهو شاهد لما رواه خارجة .

                                                                                      وقال موسى بن عقبة : ثم انكفأ المشركون إلى أثقالهم ، لا يدري المسلمون ما يريدون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل ، فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري ، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها ، وإن كانوا ركبوا الأثقال وجنبوا الخيل فهم يريدون الفرار . فلما أدبروا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص في آثارهم . فلما رجع قال : رأيتهم سائرين على أثقالهم والخيل مجنوبة . قال : فطابت أنفس القوم ، وانتشروا يبتغون قتلاهم . فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به ، إلا حنظلة بن أبي عامر ، وكان أبوه مع المشركين فترك لأجله . وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره برجله ثم قال : ذنبان أصبتهما ، قد تقدمت إليك في [ ص: 410 ] مصرعك هذا يا دبيس ، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالد .

                                                                                      ووجدوا حمزة بن عبد المطلب قد بقر بطنه وحملت كبده ، احتملها وحشي وهو قتله فذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر . فدفن في نمرة كانت عليه ، إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه ، فغطوا قدميه بشيء من الشجر .

                                                                                      وقال الزهري : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : زملوهم بدمائهم ، فإنه ليس أحد يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة وجرحه يدمي ، لونه لون الدم ، وريحه ريح المسك .

                                                                                      وقال : إن المشركين لن يصيبوا منا مثلها . وقد كان أبو سفيان ناداهم حين ارتحل المشركون : إن موعدكم الموسم ، موسم بدر . وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا له : نعم .

                                                                                      قال : ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وإذا النوح في الدور . قال : ما هذا ؟ قالوا : نساء الأنصار يبكين قتلاهم . وأقبلت امرأة تحمل ابنها وزوجها على بعير ، قد ربطتهما بحبل ثم ركبت بينهما ، وحمل قتلى ، فدفنوا في مقابر المدينة ، فنهاهم عن ذلك وقال : واروهم حيث أصيبوا .

                                                                                      وقال لما سمع البكاء : لكن حمزة لا بواكي له . واستغفر له ، فسمع ذلك سعد بن معاذ وابن رواحة وغيرهما ، فجمعوا كل نائحة ، وباكية بالمدينة ، فقالوا : والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله [ ص: 411 ] صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع رسول الله بالبكاء ، قال : ما هذا ؟ قال : فأخبر ، فاستغفر لهم وقال لهم خيرا ، وقال : ما هذا أردت وما أحب البكاء ، ونهى عنه
                                                                                      .

                                                                                      وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن نافع الأنصاري ، قال : انتهى أنس بن النضر إلى عمر ، وطلحة ، ورجال قد ألقوا بأيديهم فقال : ما يجلسكم ؟ فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية