الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      [ ص: 269 ] تحكيم الحكمين

                                                                                      عن عكرمة ، قال : حكم معاوية عمرو بن العاص ، فقال الأحنف بن قيس لعلي : حكم أنت ابن عباس فإنه رجل مجرب ، قال : أفعل ، فأبت اليمانية ، وقالوا : لا ؛ حتى يكون منا رجل . فجاء ابن عباس إلى علي لما رآه قد هم أن يحكم أبا موسى الأشعري ، فقال له : علام تحكم أبا موسى ، فوالله لقد عرفت رأيه فينا ، فوالله ما نصرنا ، وهو يرجو ما نحن فيه ، فتدخله الآن في معاقد أمرنا ، مع أنه ليس بصاحب ذاك ، فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو ، فاجعل الأحنف بن قيس ، فإنه مجرب من العرب ، وهو قرن لعمرو ، فقال علي : أفعل . فأبت اليمانية أيضا ، فلما غلب جعل أبا موسى ، فسمعت ابن عباس يقول : قلت لعلي يوم الحكمين : لا تحكم أبا موسى ، فإن معه رجلا حذرا مرسا قارحا ، فلزني إلى جنبه ، فإنه لا يحل عقدة إلا عقدتها ولا يعقد عقدة إلا حللتها ، قال : يا ابن عباس ما أصنع ، إنما أوتى من أصحابي ، قد ضعفت نيتهم وكلوا في الحرب ، هذا الأشعث بن قيس يقول : لا يكون فيها مضريان أبدا حتى يكون أحدهما يمان ، قال : فعذرته وعرفت أنه مضطهد ، وأن أصحابه لا نية لهم .

                                                                                      وقال أبو صالح السمان : قال علي لأبي موسى : احكم ولو على حز عنقي .

                                                                                      [ ص: 270 ] وقال غيره : حكم معاوية عمرا ، وحكم علي أبا موسى ، على أن من ولياه الخلافة فهو الخليفة ، ومن اتفقا على خلعه خلع ، وتواعدا أن يأتيا في رمضان ، وأن يأتي مع كل واحد جمع من وجوه العرب ، فلما كان الموعد سار هذا من الشام ، وسار هذا من العراق ، إلى أن التقى الطائفتان بدومة الجندل ، وهي طرف الشام من جهة زاوية الجنوب والشرق .

                                                                                      فعن عمر بن الحكم ، قال : قال ابن عباس لأبي موسى الأشعري : احذر عمرا ، فإنما يريد أن يقدمك ويقول : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسن مني فتكلم حتى أتكلم ، وإنما يريد أن يقدمك في الكلام لتخلع عليا ، قال : فاجتمعا على إمرة ، فأدار عمرو أبا موسى ، وذكر له معاوية فأبى ، وقال أبو موسى : بل عبد الله بن عمر ، فقال عمرو : أخبرني عن رأيك ؟ فقال أبو موسى : أرى أن نخلع هذين الرجلين ، ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين ، فيختاروا لأنفسهم من أحبوا . قال عمرو : الرأي ما رأيت .

                                                                                      قال : فأقبلا على الناس وهم مجتمعون بدومة الجندل ، فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اجتمع ، فقال : نعم ؛ إن رأينا قد اجتمع على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر الأمة ، فقال عمرو : صدق وبر ، ونعم الناظر للإسلام وأهله ، فتكلم يا أبا موسى ، فأتاه ابن عباس ، فخلا به ، فقال : أنت في خدعة ، ألم أقل لك لا تبدأه وتعقبه ، فإني أخشى أن يكون أعطاك أمرا خاليا ، ثم ينزع عنه على ملأ من الناس ، فقال : لا تخش ذلك فقد اجتمعنا واصطلحنا .

                                                                                      ثم قام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، قد نظرنا في هذا الأمر وأمر هذه الأمة ، فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أن لا نثير أمرها ولا بعضه ، حتى يكون ذلك عن رضا [ ص: 271 ] منها وتشاور ، وقد اجتمعت أنا وصاحبي على أمر واحد : على خلع علي ومعاوية ، وتستقيل الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون من أحبوا ، وإني قد خلعت عليا ومعاوية ، فولوا أمركم من رأيتم . ثم تأخر .

                                                                                      وأقبل عمرو فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن هذا قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، وإني خلعت صاحبه وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي عثمان ، والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه ، فقال سعد بن أبي وقاص : ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكايده ، فقال : ما أصنع به ، جامعني على أمر ، ثم نزع عنه ، فقال ابن عباس : لا ذنب لك ، الذنب للذي قدمك ، فقال : رحمك الله غدر بي ، فما أصنع ؟ وقال أبو موسى : يا عمرو إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ، فقال عمرو : إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ، فقال ابن عمر : إلى ما صير أمر هذه الأمة إلى رجل لا يبالي ما صنع ، وآخر ضعيف .

                                                                                      قال المسعودي في المروج : كان لقاء الحكمين بدومة الجندل في رمضان ، سنة ثمان وثلاثين ، فقال عمرو لأبي موسى : تكلم ، فقال : بل تكلم أنت ، فقال : ما كنت لأفعل ، ولك حقوق كلها واجبة ، فحمد الله أبو موسى وأثنى عليه ، ثم قال : هلم يا عمرو إلى أمر يجمع الله بين الأمة ، ودعا عمرو بصحيفة ، وقال للكاتب ، اكتب وهو غلام لعمرو ، وقال : إن للكلام أولا وآخرا ، ومتى تنازعنا الكلام لم نبلغ آخره حتى ينسى أوله ، فاكتب ما نقول ، قال : لا تكتب شيئا يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الآخر ، فإذا أمرك فاكتب ، فكتب ، هذا ما تقاضى عليه فلان [ ص: 272 ] وفلان ، إلى أن قال عمرو : وإن عثمان كان مؤمنا ، فقال أبو موسى : ليس لهذا قعدنا ، قال عمرو : لا بد أن يكون مؤمنا أو كافرا ، قال : بل كان مؤمنا ، قال : فمره أن يكتب ، فكتب . قال عمرو : ظالما قتل أو مظلوما ؟ قال أبو موسى : بل قتل مظلوما ، قال عمرو : أفليس قد جعل الله لوليه سلطانا يطلب بدمه ؟ قال أبو موسى : نعم . قال عمرو : فعلى قاتله القتل ؟ قال : بلى . قال : أفليس لمعاوية أن يطلب بدمه حتى يعجز ؟ قال : بلى . قال عمرو : فإنا نقيم البينة على أن عليا قتله .

                                                                                      قال أبو موسى : إنما اجتمعنا لله ، فهلم إلى ما يصلح الله به أمر الأمة . قال : وما هو ؟ قال : قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبدا ، وأهل الشام لا يحبون عليا أبدا ، فهلم نخلعهما معا ، ونستخلف ابن عمر - وكان ابن عمر على بنت أبي موسى - قال عمرو : أيفعل ذلك عبد الله ؟ قال : نعم ؛ إذا حمله الناس على ذلك ، فصوبه عمرو ، وقال : فهل لك في سعد ؟ وعدد له جماعة ، وأبو موسى يأبى إلا ابن عمر ، ثم قال : قم حتى نخلع صاحبينا جميعا ، واذكر اسم من تستخلف ، فقام أبو موسى وخطب وقال : إنا نظرنا في أمرنا ، فرأينا أقرب ما نحقن به الدماء ونلم به الشعث خلعنا معاوية وعليا ، فقد خلعتهما كما خلعت عمامتي هذه ، واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وله سابقة : عبد الله بن عمر ، فأطراه ورغب الناس فيه .

                                                                                      ثم قام عمرو فقال : أيها الناس ، إن أبا موسى قد خلع عليا ، وهو أعلم به ، وقد خلعته معه ، وأثبت معاوية علي وعليكم ، وأن أبا موسى كتب في هذه الصحيفة أن عثمان قتل مظلوما ، وأن لوليه أن يطلب بدمه ، فقام أبو موسى ، فقال : كذب عمرو ، ولم نستخلف معاوية ، ولكنا خلعنا معاوية وعليا معا .

                                                                                      قال المسعودي : ووجدت في رواية أنهما اتفقا وخلعا عليا [ ص: 273 ] ومعاوية ، وجعلا الأمر شورى ، فقام عمرو بعده ، فوافقه على خلع علي ، وعلى إثبات معاوية ، فقال له : لا وفقك الله ، غدرت ، وقنع شريح بن هانئ الهمداني عمرا بالسوط ، وانخذل أبو موسى ، فلحق بمكة ، ولم يعد إلى الكوفة ، وحلف لا ينظر في وجه علي ما بقي ، ولحق سعد بن أبي وقاص وابن عمر ببيت المقدس فأحرما ، وانصرف عمرو ، فلم يأت معاوية ، فأتاه وهيأ طعاما كثيرا ، وجرى بينهما كلام كثير ، وطلب الأطعمة ، فأكل عبيد عمرو ، ثم قاموا ليأكل عبيد معاوية وأمر من أغلق الباب وقت أكل عبيده ، فقال عمرو : فعلتها ؟ قال : إي والله ، بايع وإلا قتلتك ، قال : فمصر ، قال : هي لك ما عشت .

                                                                                      وقال الواقدي : رفع أهل الشام المصاحف ، وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه ، فاصطلحوا ، وكتبوا بينهما كتابا على أن يوافوا رأس الحول أذرح ويحكموا حكمين ، ففعلوا ذلك فلم يقع اتفاق ، ورجع علي بالاختلاف والدغل من أصحابه ، فخرج منهم الخوارج ، وأنكروا تحكيمه ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، ورجع معاوية بالألفة واجتماع الكلمة عليه ، ثم بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين ، كذا قال .

                                                                                      وقال خليفة وغيره : إنهم بايعوه في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ، وهو أشبه ؛ لأن ذلك كان إثر رجوع عمرو بن العاص من التحكيم .

                                                                                      وقال محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه ، قال : قام علي على منبر الكوفة ، فقال ، حين اختلف الحكمان : لقد كنت نهيتكم عن هذه [ ص: 274 ] الحكومة فعصيتموني . فقام إليه شاب آدم ، فقال : إنك والله ما نهيتنا ولكن أمرتنا ودمرتنا ، فلما كان منها ما تكره برأت نفسك ونحلتنا ذنبك ، فقال علي : ما أنت وهذا الكلام قبحك الله ، والله قد كانت الجماعة فكنت فيها خاملا ، فلما ظهرت الفتنة نجمت فيها نجوم الماغرة ، ثم قال : لله منزل نزله سعد بن مالك وعبد الله بن عمر ، والله لئن كان ذنبا إنه لصغير مغفور ، وإن كان حسنا إنه لعظيم مشكور .

                                                                                      قلت : ما أحسنها لولا أنها منقطعة السند .

                                                                                      وقال الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : دخلت على حفصة ، فقلت : قد كان بين الناس ما ترين ، ولم يجعل لي من الأمر شيء ، قالت : فالحق بهم ، فإنهم ينتظرونك ، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة ، فذهب .

                                                                                      فلما تفرق الحكمان خطب معاوية ، فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع إلي قرنه فلنحن أحق بهذا الأمر منه ومن أبيه - يعرض بابن عمر - قال ابن عمر : فحللت حبوتي وهممت أن أقول : أحق به من قاتلك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع وتسفك الدم ، فذكرت ما أعد الله في الجنان .

                                                                                      قال جرير بن حازم ، عن يعلى ، عن نافع ، قال : قال أبو موسى : لا أرى لها غير ابن عمر ، فقال عمرو لابن عمر : أما تريد أن نبايعك ؟ فهل لك أن تعطى مالا عظيما على أن تدع هذا الأمر لمن هو أحرص عليه منك ، فغضب ابن عمر وقام . رواه معمر ، عن الزهري .

                                                                                      وفيها أخرج علي سهل بن حنيف على أهل فارس ، فمانعوه ، فوجه علي زيادا ، فصالحوه وأدوا الخراج .

                                                                                      [ ص: 275 ] وفيها قال أبو عبيدة : خرج أهل حروراء في عشرين ألفا ، عليهم شبث بن ربعي ، فكلمهم علي فحاجهم ؛ فرجعوا .

                                                                                      وقال سليمان التيمي ، عن أنس ، قال : قال شبث بن ربعي : أنا أول من حرر الحرورية ، فقال رجل : ما في هذا ما تمتدح به .

                                                                                      وعن مغيرة ، قال : أول من حكم ابن الكواء ، وشبث .

                                                                                      قلت : معنى قوله حكم : هذه كلمة قد صارت سمة للخوارج ، يقال : حكم إذا خرج وقال : لا حكم إلا لله .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية