الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  228 93 - حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عمرو ، عن سليمان بن يسار ، قال : سمعت عائشة ح ، وحدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا عمرو بن ميمون ، عن سليمان بن يسار ، قال : سألت عائشة عن المني يصيب الثوب ، فقالت : كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أخرج البخاري هذا الحديث عن خمسة أنفس ، ثلاثة منهم في هذا الباب ، وهم : عبدان ، وقتيبة ، ومسدد ، واثنان منهم في الباب الذي يليه ، وهما : موسى بن إسماعيل ، وعمرو بن خالد ، وقد ذكروا عن قريب ، وذكرنا أيضا من أخرجه غيره .

                                                                                                                                                                                  ورجاله ها هنا سبعة : قتيبة بن سعيد ، وقد تقدم في باب السلام من الإسلام ، والثاني : يزيد من الزيادة ، وذكره البخاري غير منسوب مجردا ، واختلف فيه ، فقيل : هو يزيد بن زريع ، وقيل : يزيد بن هارون ، وكلاهما رويا عن عمرو بن ميمون ، ووقع في رواية الفربري : ابن حماد بن شاكر هكذا ، حدثنا يزيد غير منسوب ، ووقع في رواية ابن السكن : أحد الرواة عن الفربري ، حدثنا يزيد يعني ابن زريع ، وكذا أشار إليه الكلاباذي ، ورجح الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه أنه ابن هارون ، قال : لأنه لم يوجد من رواية ابن زريع ، ووجد من رواية ابن هارون ، وقال بعضهم : لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود ، وقد جزم أبو مسعود بأنه رواه ، فدل على وجدانه ، قلت : ليس كذلك ، فإن أبا مسعود ما جزم به ، وإنما قال : يقال : هو ابن هارون ، لا ابن زريع ، ورواه الإسماعيلي من طريق الدورقي ، وأحمد بن منيع ، ويوسف بن موسى ، قالوا : حدثنا يزيد بن هارون ، ورواه أبو نعيم من حديث الحارث بن أبي أسامة ، أخبرنا يزيد بن هارون ، ورواه أبو نصر السجزي في ( فوائده ) من طريق إبراهيم بن محمد التيمي ، حدثنا يزيد بن هارون ، قال أبو نصر : أخرجه البخاري ، عن قتيبة ، عن يزيد بن هارون ، وقال الجياني : حدثنا أبو عمر النمري ، حدثنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا ابن الأعرابي ، أخبرنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عمرو ، انتهى .

                                                                                                                                                                                  ورجح هذا القائل كلامه في كون يزيد هذا ابن زريع ، لا ابن هارون بشيئين لا ينهض كلامه بهما ، أولهما بقوله : وقد خرجه الإسماعيلي [ ص: 148 ] وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظ مخالف للسياق الذي أورده البخاري ، وهذا من مرجحات كونه ابن زريع ، قلت : هذا الذي قاله حجة عليه ، ورد لكلامه ; لأن مخالفة لفظ من روى هذا الحديث لسياق البخاري ليست مرجحة لكون يزيد هذا هو ابن زريع مع صراحة ذكر ابن هارون في الروايات المذكورة ، والثاني قال : وقتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون ابن هارون ، قلت : هذا أيضا حجة عليه ، ومردود عليه ; لأن كون قتيبة معروفا بالرواية عن يزيد بن زريع لا ينافي روايته عن يزيد بن هارون بعد أن ثبت أن قتيبة روى عنهما جميعا ، ولقد غره في هذا ما قاله المزي : الصحيح أنه يزيد بن زريع ، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع ، دون ابن هارون ، انتهى .

                                                                                                                                                                                  قالوا : فيه نظر ، ووجهه ما ذكرنا ، وكان قصد هذا القائل توهية كلام الشيخ قطب الدين ، والدليل عليه ذكره إياه بما ذكره ، ولا يخفى ذلك على من له فطانة ، قوله : " حدثنا عمرو عن سليمان " ، كذا وقع عمرو غير منسوب عند الأكثرين ، ووقع عند أبي ذر يعني ابن ميمون ، وهو عمرو بن ميمون بن مهران ، وقد تقدم قوله : " حدثنا عبد الواحد " ، هو عبد الواحد بن زياد البصري ، وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري ، ولم يخرج له البخاري شيئا .

                                                                                                                                                                                  ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه في الإسناد الأول : سمعت ، وفي الثاني : سألت ، إشارة إلى الرد على من زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع عائشة رضي الله تعالى عنها ، منهم : أحمد بن حنبل ، والبزار ، وقد صرح البخاري بسماعه منها ، وكذا هو في ( صحيح مسلم ) ، قلت : في " سمعت " ، " وسألت " لطيفة أخرى لم تأت صوبها الشراح ، وهي أن كل واحدة من هاتين اللفظتين لا تستلزم الأخرى ; لأن السماع لا يستلزم السؤال ، ولا السؤال يستلزم السماع ، فلذلك ذكرهما في الإسنادين ليدل على صحة السؤال ، وصحة السماع ، فافهم ، وفيه أن رواته ما بين بصري ، وواسطي ، ومدني ، وفيه وقعت صورة ( ح ) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر متن الحديث إلى إسناد آخر له ، وفيه في الإسناد الثاني وقع قال حدثنا عمرو يعنى ابن ميمون ، وأشار به إلى أن شيخه لم ينسبه ، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه فإن قلت : الاختلاف المذكور في يزيد ، هل هو يزيد بن زريع ، أو يزيد بن هارون التباس ، وهو يقدح في الحديث ، قلت : لا ; لأن أيا كان فهو عدل ضابط بشرط البخاري ، وإنما كان يقدح لو كان أحدهما على غير شرطه .

                                                                                                                                                                                  ( بيان إعرابه ) ومعناه : قوله : " عن المني " ، أي : عن حكم المني ، هل يشرع غسله أم لا ؟ قال بعضهم : فحصل الجواب بأنها كانت تغسله ، وليس في ذلك ما يقتضي إيجابه ، قلت : قد ذكرت فيما مضى أن قوله : " كنت " يدل على تكرار الغسل منها ، وهو علامة الوجوب مع ورود الأمر فيه بالغسل ، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ، وهذا القائل يريد تمشية مذهبه من غير دليل نقلي ولا عقلي ، قوله : " فيخرج إلى الصلاة " ، أي : يخرج من الحجرة إلى المسجد للصلاة ، قوله : " بقع الماء " ، قد مر تفسير البقع وهو مرفوع على جواب سؤال مقدر ، تقديره أن يقال : ما ذلك الأثر ؟ فأجاب : بقع الماء ، أي هو بقع الماء ، وفي الحقيقة يكون خبرا لمبتدإ محذوف ، وقال بعضهم هو بدل ، وليس بشيء ، ويجوز النصب فيه على الاختصاص ، أي : أعني بقع الماء .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية