الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
اللفظ السادس الميثاق قال مالك رحمه الله إذا قال علي ميثاق الله تعالى وحنث لزمته الكفارة والميثاق مأخوذ من التوثق وهو التقوية والفرق بينه وبين العهد واليمين أما اليمين فهو القسم وأما العهد فقد تقدم أنه الالتزام والميثاق هو العهد الموثق باليمين فيكون الميثاق مركبا من العهد واليمين معا كذا كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله ينقله عن اللغة وإذا كان هذا معنى الميثاق والعهد وقد تقدم أنه يرجع إلى الكلام النفسي والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به وإذا كانا معا يرجعان إلى معنى الكلام فالمركب منهما يرجع إلى معنى الكلام قطعا لأن المركبات تابعة للمفردات إذا تقرر أن معنى الميثاق يرجع إلى معنى الكلام ورد عليه الإشكال الوارد من لفظ علي وكيف يصح التزام ميثاق الله تعالى كما تقدم في العهد والكفالة ويرد عليه أيضا أن إيجاب الكفارة به ليس من باب صريح اللغة بل ذلك إما بالنية أو العرف أو النقل وأن الإضافة محتملة لميثاق الله تعالى الذي هو كلام نفسي وميثاق الله تعالى الذي هو كلام لفظي لساني حادث كقوله تعالى { قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } فإن هذا التزام لفظي مؤكد بالقسم بقوله وربي فيكون ميثاقا وكقوله تعالى { والشمس وضحاها } إلى قوله { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } التزم الله تعالى أن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دساها أي دسها بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة .

وأكد هذا الالتزام بالقسم السابق وهو قوله تعالى { والشمس وضحاها } إلى قوله { ونفس وما سواها } فهذا كله قسم مؤكد لذلك الالتزام ونحو ذلك في القرآن الكريم كثير من الالتزامات لتوكدة بالحلف ويحتمل أيضا ميثاق الله تعالى الذي شرعه لنا فقد أمرنا الله تعالى أن نلتزم الحقوق الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك الحقوق بالأيمان والتأكيد في ذلك النافي لتلك الريبة فهذا الميثاق يضاف إلى الله تعالى إضافة المشروعية كما تقدم في الكفالة والشهادة في { ولا نكتم شهادة الله } .

وإذا احتمل الميثاق المضاف إليه تعالى هذه المواثيق الثلاثة ويكون اللفظ حقيقة في أي ذلك وقع أو كان مرادا صار اللفظ دائرا بين ما هو موجب وبين ما هو ليس بموجب وهما القسمان الآخران الحادثان الميثاق اللفظي الدال على كلام الله القديم والميثاق المشروع في حقنا لم يكن موجبا حينئذ لأن [ ص: 38 ] المحتمل الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب هذا هو القاعدة الشرعية المجمع عليها وإذا كانت هذه الأسئلة واردة على هذه الألفاظ حالة كونها مفردة فإذا جمعت وقيل كفالات الله تعالى أو مواثيقه فالأسئلة باقية بحالها .

ويرد على الجمع ما يرد على المفردات ووافق مالكا أبو حنيفة وابن حنبل في هذه المسائل وقال الشافعي رضي الله عنه العهد والكفالة والميثاق وقولنا وحق الله الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار كنايات لا صرائح لترددها بين المعاني القديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب بها كفارة حتى ينوي القديم وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وكذلك العهد والكفالة والميثاق قد يراد بها الحوادث كما تقدم تقريره والذي قاله الشافعي رضي الله عنه متجه بما تقدم من الأسئلة والتقارير .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( اللفظ السادس الميثاق إلى آخر ما قاله فيه ) قلت ما قاله صحيح غير قوله والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به فإن المقسم ليس خبرا عن تعظيم المقسم به بل هو نوع من أنواع الإنشاء [ ص: 38 ]



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( اللفظ السادس ) قوله علي ميثاق الله قال مالك وأبو حنيفة وابن حنبل رحمهم الله تعالى يلزمه الكفارة به إذا حنث كعلي عهد الله وعلي كفالة الله ولا يتجه إلا إذا جرى بنقله من الإخبار بالالتزام المؤكد إلى إنشاء [ ص: 61 ] القسم إما عرف زماني وحينئذ فيتغير الحكم بتغير العرف وإما عرف شرعي وحينئذ لا يتغير الحكم وإن تغير العرف وذلك لأن الميثاق لغة العهد الموثق باليمين الذي هو نوع من أنواع الإنشاء مأخوذ من التوثق وهو التقوية وهو أن العهد لغة الالتزام فميثاق الله بالإضافة عبارة عن التزامه تعالى المقوى بالقسم فيصدق بالقدر المشترك بين القديم وهو كلامه تعالى النفسي القديم الذي دلت عليه ألفاظ المواثيق القرآنية الأتية وبين الحادثين أحدهما ألفاظ المواثيق القرآنية نحو قوله تعالى { قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } وقوله تعالى { والشمس وضحاها } إلى قوله { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } من الالتزامات القرآنية الكثيرة المؤكدة بالحلف فإن الأول التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله وربي والثاني التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله السابق { والشمس وضحاها } إلى قوله { ونفس وما سواها } دل على أن الله التزم التزاما مؤكدا بأن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دسا لها أي دسسها بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة

( وثانيهما ) ما شرعه الله تعالى لنا بأن من أمره لنا تلتزم الحقوق الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك الحقوق بتأكيد ذلك بالإيمان النافي لتلك الريبة أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة المشروعية كما في قوله تعالى { ولا نكتم شهادة الله } كما مر فلفظ علي ميثاق الله دائر بين ما هو موجب للكفارة وهو الميثاق القديم وبين ما هو ليس بموجب لها وهما الميثاقان الحادثان أعني اللفظي والمشروع في حقنا وهو حقيقة في أي واحد منها وقع أو كان مرادا والدائر بين الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب كما هو القاعدة الشرعية المجمع عليها فمن هنا قال الشافعي رضي الله عنه العهد والكفالة والميثاق كنايات لا صرائح لترددها بين المعاني القديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا ا هـ .

وقد مر عن المجموع وشرحه انعقاد اليمين بكفالة الله وعهد [ ص: 62 ] الله إن لم ينو معنى حادثا بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا هـ .

ويجري في هذه الألفاظ مجموعة كعلي عهود الله أو علي كفالات الله أو علي مواثيق الله ما جرى فيها مفردة .




الخدمات العلمية