الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الدعاء حين الزيارة فمن جنس الدعاء في صلاة الجنازة، كل ذلك حق للميت وعمل صالح من الحي، مثل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم – [ ص: 37 ] والسلام عليه، وسؤال الله له الوسيلة، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة وغيرها. قال الله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا". وثبت في الصحيح أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة".

وثبت في الصحيح عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك به: آمين، ولك مثل ذلك ".

فأما [ما] يسميه كثير من الناس زيارة هي من جنس الإشراك بالله وعبادة غيره، مثل السجود لبعض المقابر التي يقال إنها من قبور الأنبياء والصالحين وأهل البيت أو غيرهم ويسمونها المشاهد، أو الاستعانة بالمقبور ودعائه ومسألته قريبا من قبره أو بعيدا منه، مثل ما يفعل كثير من الناس-: فهذا كله من أعظم المحرمات بإجماع المسلمين، وهو من جنس الإشراك بالله تعالى، فإن المسلمين متفقون على أنه لا يجوز لأحد أن يدعو أحدا ويتوكل عليه ويرغب [ ص: 38 ] إليه في المغفرة والرحمة وتفريج الكربات وإعطاء الطلبات إلا الله وحده لا شريك له، ولا يسجد لغير الله لا لحي ولا لميت، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أمته عن اتخاذ القبور مساجد لئلا يفضي ذلك إلى الشرك. ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.

وفي الصحيحين أيضا أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا النبي - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأينها بأرض الحبشة، وذكرتا حسنها وتصاوير فيها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة".

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، الذين يتخذون القبور مساجد".

وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله زوارات القبور [ ص: 39 ] والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن ، وصححه الترمذي أو حسنه.

فلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من يتخذ القبور مساجد ويسرج عليها سرجا كالشمع والقناديل ونحو ذلك، مثل ما يفعله كثير من الناس، وهذا ما اتفق عليه أهل العلم، فلم يتنازعوا في أن ذلك غير مشروع، بل ينهى عنه، حتى قال العلماء: من نذر لنبي أو غير نبي شمعا أو زيتا أو نحو ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به، لكن منهم من يجعل عليه كفارة يمين، ومنهم من يقول: لا شيء. وإذا صرف ذلك إلى مسجد يعبد الله فيه وحده لا شريك له، أو صرفه إلى فقراء المسلمين المؤمنين الذين يستعينون به على عبادة الله كان حسنا. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".

التالي السابق


الخدمات العلمية