الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              باب ذكر اللفظية والتحذير من رأيهم ومقالاتهم

              واعلموا رحمكم الله أن صنفا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم ، وخبث آرائهم ، وقبيح أهوائهم ، أن القرآن مخلوق ، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها ، تمويها وبهرجة على العامة ، ليخفى كفرهم ، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه ، وضعفت نحيزته ، فقالوا : إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله ، فهو كلام الله غير مخلوق ، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا ، ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله ، هذا حكاية لذلك ، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك [ ص: 318 ] القرآن بألفاظنا نحن ، وألفاظنا به مخلوقة ، فدققوا في كفرهم ، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك ، وأدق مذهب ، وأخفى وجه ، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء ، حتى بهرجوا ما دلسوا ، وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه ، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم ، وكان الذي فطن لذلك وعرف موضع القبيح منه الشيخ الصالح ، والإمام العالم العاقل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله ، وكان بيان كفرهم بينا واضحا في كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

              وقد كذبهم القرآن والسنة بحمد الله ، قال الله عز وجل : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله .

              ولم يقل : حتى يسمع حكاية كلام الله .

              وقال تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ، فأخبر أن السامع إنما يسمع إلى القرآن ، ولم يقل : إلى حكاية القرآن .

              وقال تعالى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا .

              وقال عز وجل : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن . [ ص: 319 ]

              وقال تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به .

              ولم يقل : إنا سمعنا حكاية قرآن عجب .

              وقال تعالى : فاقرؤوا ما تيسر من القرآن .

              وقال تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده .

              وقال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين .

              ولم يقل : من حكاية القرآن .

              ومثل هذا في القرآن كثير ، من تدبره عرفه .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية