الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم .

[4] فمن لم يجد الرقبة فصيام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان، ولا يوما العيدين وأيام التشريق عند الثلاثة، وعند أحمد: إن تخلل صومها صوم رمضان، أو فطر واجب كيوم العيد، لم ينقطع التتابع.

من قبل أن يتماسا فلو أصاب المظاهر منها ليلا أو نهارا عمدا أو سهوا، انقطع التتابع عند الثلاثة، وقال الشافعي وأبو يوسف: إن جامع ليلا عامدا، أو نهارا ناسيا، لم يستأنف، وله وطء غيرها من نسائه بالاتفاق. [ ص: 555 ]

فمن لم يستطع الصوم لعذر فإطعام ستين مسكينا .

والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، فقال أبو حنيفة: لكل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير، والصاع عنده ثمانية أرطال بالعراقي، وعند أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث، وقال مالك: لكل مسكين مد من عيش أهل البلد، فإن كان الشعير والتمر، أعطي لكل مسكين منه عدل الحنطة بمد هشام، وقدره مد وثلثان بمد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهشام هذا الذي أضيف إليه المد هو هشام بن إسماعيل المخزومي، كان أميرا على المدينة من قبل هشام بن عبد الملك. وقال الشافعي: لكل مسكين مد مما يكون فطرة، وهو البر، والأرز، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وقدر المد رطل وثلث بالبغدادي، وهو مد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال أحمد: المخرج في الكفارة ما يخرج في الفطرة، وهو البر، والشعير، ودقيقهما، أو سويقهما، وهو بر أو شعير يحمص، ثم يطحن، والتمر، والزبيب، والأقط، وهو شيء يعمل من اللبن المخيض، ولا يجزئ من البر أقل من مد، وهو رطل وثلث بالبغدادي، ولا من غيره أقل من مدين لكل مسكين، وتقدم ذكر الصاع والمد والكلام عليها مستوفى بأتم من هذا في سورة المائدة عند ذكر كفارة اليمين، وفي سورة التوبة عند ذكر زكاة الفطر.

فإن دفع الكفارة إلى مسكين واحد في ستين يوما، جاز عند أبي حنيفة، ولم يجز عند الشافعي ومالك، وقال أحمد: إن لم يجد غيره، أجزأه، وإلا فلا، ولو غداهم وعشاهم، جاز عند أبي حنيفة بشرط شبعهم في الأكلتين، وعند الثلاثة: لا يجوز. [ ص: 556 ]

ويجوز دفع الكفارة لكافر، وإخراج القيمة عند أبي حنيفة; خلافا للثلاثة.

ومن كفر بالإطعام، جاز له الوطء في خلاله عند أبي حنيفة والشافعي; خلافا لمالك وأحمد، ونقل بعض المفسرين عن مالك أن من كفر بالإطعام، جاز له الوطء قبله; لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس، ولم يقل في الطعام: قبل أن يتماسا، ومنقول مذهب مالك خلاف ذلك، فقد جزم علماء مذهبه في كتبهم أنه لا يجوز الوطء في خلال الإطعام كالصيام، فإن وطئ، بطل ما مضى من إطعامه، ولزمه ابتداؤها، وصرح ابن عطية المالكي في "تفسيره" عن مالك أنه قال: إطعام المساكين أيضا هو قبل التماس حملا على العتق والصوم.

ذلك إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام لتؤمنوا بالله ورسوله لتصدقوا ما أتى به الرسول من الله عز وجل، ثم شدد بقوله:

وتلك حدود الله فالتزموها، وقفوا عندها.

وللكافرين عذاب أليم أي: الذين لا يقبلونها.

واختلفوا فيمن ظاهر من أمته، فقال مالك: يصح، وقال الثلاثة: لا يصح، وعليه عند أحمد كفارة يمين.

واتفقوا على صحة الظهار من العبد، ويكفر بالصيام، وقال مالك: إن عجز عنه، فبالإطعام إن أذن له سيده، فإن منعه، انتظر القدرة على الصيام. [ ص: 557 ]

ويصح من الأجنبية عند مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح منها، ويصح من الذمي عند الشافعي وأحمد، ويكفر بالمال، وعند أبي حنيفة ومالك لا يصح منه.

ومن كرر الظهار قبل التكفير، فكفارة واحدة عند مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة بكل ظهار كفارة، ومذهب الشافعي إن كرره في امرأة متصلا، وقصد تأكيدا، فظهار واحد، أو استئنافا، فالأظهر التعدد، وإنه بالمرة الثانية عائد في الأولى، والله أعلم.

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية