الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخين ، فأكل ، فلما فرغ قال : «الحمد لله؛ ما دخل بطني طعام سخين منذ كذا وكذا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ، فأرسل إلى أخرى ، فقالت مثل ذلك ، حتى قال كلهن مثل ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى ؟ » فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق به إلى رحله . فقال لامرأته : أعندك شيء ؟ فقالت : لا ، إلا قوت صبياني .

                                                                                                                                                                                                                              قال وروى ابن سعد عن مسروق قال : دخلت على عائشة وهي تبكي ، فقلت : يا أم المؤمنين ما يبكيك ؟ قالت : ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت ، أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان فيه من الجهد .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عنه قال : دخلت على عائشة وهي تبكي ، فقلت : يا أم المؤمنين ما يبكيك ؟ قالت : ما أشبع فأشاء أن أبكي إلا بكيت؛ وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز بر .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 99 ] وروى ابن سعد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما شبع آل محمد غداء ولا عشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات -رضي الله تعالى عنها- حتى لحق بالله عز وجل .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، والبزار -بسند حسن- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان يمر بآل محمد صلى الله عليه وسلم الهلال ، ثم الهلال ، لا يوقد في شيء من بيوته نار ، لا لخبز ، ولا لطبخ ، قالوا : بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال : بالأسودين التمر والماء ، قال : فكان لهم جيران من الأنصار -جزاهم الله خيرا- لهم منائح يرسلون بشيء من اللبن .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى برجال ثقات غير عثمان بن عطاء عنه قال : إن كان لتمر بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهلة ما يسرج في بيت واحدة منهن بسراج ، ولا يوقد فيه نار ، وإن وجدوا زيتا ادهنوا به وودكا أكلوه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار -بسند حسن- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ابن عمر قال له : قد علمت أن محمدا وأهله كانوا يأكلون القد ، قلت : بلى والله . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عن أبي صالح مرسلا قال : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فأكل فلما فرغ حمد الله تعالى ثم قال : «ما أكلت طعاما سخينا ، أو ما ملأت بطني من طعام سخين منذ كذا وكذا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى سعيد بن منصور عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية من خبز بر منذ هاجر إلى المدينة ، حتى مضى لسبيله ، لو شئت أن أحدثكم -وأعدها عليكم- بكل شبعة شبعوها من خبز البر منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحدثتكم . فقال بعض القوم : أي أكل يا أم المؤمنين ؟ قالت : يوم أجلى الله تعالى بني النضير فتركوا البيوت مملأة من التمر والسلاح ، خرجوا على أقدامهم ، قالت : فشبع جميع المسلمين يومئذ من التمر عبدهم وحرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، صغيرهم وكبيرهم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعا ، ولبس خشنا ، فسئل أبو الحسن ما البشع ؟ قال : غليظ الشعير ، وما كان يسفه إلا بجرعة من ماء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن جعفر بن سليمان عن الجريري رحمه الله تعالى قال : بلغني أن [ ص: 100 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع رجل من أصحابه ، فغمز رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه ، فقال له الرجل : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أتشتكي بطنك ؟ فقال : «لا ، إنما هو جعار الجوع» ، فقام الرجل ليدخل حيطان الأنصار ، فرأى رجلا من الأنصار يسقي سقاية ، فقال له : هل لك أن أسقي لك بكل سقاية تمرة جيدة ؟ قال نعم ، قال : فوضع الرجل كساءه ، ثم أخذ يسقي وهو رجل قوي ، فسقى مليا ، حتى ابتهر وعي ، فجعل يتروح ، ثم فتح حجره ، وقال : عد لي تمري ، قال : فعد له نحوا من المد فجاء به ، حتى نثره بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم منه قبضة ، ثم قال : اذهبوا بهذا إلى فلانة ، واذهبوا بهذا إلى فلانة ، فقال الرجل : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أراك تأخذ منه ولا ينقص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألست تقرأ هذه الآية ؟ » قال : فقلت : آية آية يا رسول الله ؟ قال : قول الله تعالى : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين [سبأ : 39] قال أشهد أنما هو من الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا وابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ربما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة هلمي إلى غداءك المبارك ، وربما لم يكن إلا التمرتين» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ما أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا بعينه ، حتى لحق بربه ، ولا شاة سميطا قط .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما اجتمع في بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامان قط ، إن أكل لحما لم يزد عليه ، وإن أكل تمرا لم يزد عليه ، وإن أكل خبزا لم يزد عليه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع من خبز الشعير ، فما أرانا أخرنا لما هو خير لنا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني -بسند جيد- عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته متغيرا ، فقلت : بأبي أنت وأمي ، ما لي أراك متغيرا ؟ قال : «ما حصل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث» قال : فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلا له ، فسقيت له كل دلو بتمرة ، فجمعت تمرا ، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : «من أين لك هذا يا كعب ؟ فأخبرته» فذكر الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى -برجال الصحيح- عن علي بن رباح رحمه الله [ ص: 101 ] تعالى قال : كنت بالإسكندرية مع عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ، فذكروا ما هم فيه فقال رجل من الصحابة : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما شبع أهله من الخبز الغليث . قال موسى بن علي : يعني الشعير والسلت إذا خلطا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا من حيطان المدينة ، فجعل يأكل بسرا أخضر ، فقال : «كل يا ابن عمر» ، فقلت : ما أشتهيه يا رسول الله ، قال : «ما تشتهيه ؟ ! إنه لأول طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعة أيام» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : إن كنا لنرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الكراع فيأكله بعد شهر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، ومسلم ، وابن ماجه عن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه ، قال : لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طعامنا إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد رضي الله تعالى عنه عن عمران بن زيد المدني قال : حدثني أبي قال : دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين ، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير ، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن الأعرج قال : قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوع ، قلت لأبي هريرة : وكيف ذلك الجوع ؟ قال : لكثرة من يغشاه ، وأضيافه ، وقوم يلزمونه لذلك ، فلا يأكل طعاما قط إلا ومعه أصحابه ، وأهل الحاجة يشبعون في المسجد ، فلما فتح الله عز وجل خيبر اتسع الناس بعض الاتساع ، وفي الأمر بعض ضيق ، والمعاش شديد ، وهي بلاد لا زرع فيها ، إنما طعام أهلها التمر ، وعلى ذلك أقاموا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق . وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع . ذكر الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي وابن عساكر عن جبير بن نفير قال : قال أبو البجير رضي الله تعالى عنه : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الجوع ، فوضع على بطنه حجرا ، وقال : «يا رب نفس ناعمة طاعمة ، جائعة عارية يوم القيامة» .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 102 ] وروى ابن سعد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد حبليه بالحجر من الغرث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو يعلى -بسند جيد- وأبو نعيم في الحلية عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهم يحفرون الخندق ثلاثا لم يذوقوا طعاما ، قال جابر : فحانت مني التفاتة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شد على بطنه حجرا من الجوع ، ولفظ أبي نعيم في الحلية : نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد وضع بينه وبين إزاره حجرا ليقيم به صلبه من الجوع .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الترمذي -بسند جيد قوي- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال أبو طلحة : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ، ورفعنا عن حجر حجر ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن حجرين .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر الحافظ رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث المشكاة أن الترمذي صححه ، ولم أقف على ذلك في النسخة التي وقفت عليها من الترمذي .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي الدنيا ، والبيهقي في الزهد ، وابن عساكر عن أبي البجير رضي الله تعالى عنه قال : أصاب النبي صلى الله عليه وسلم جوع يوما ، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم ، وقد عصب على بطنه بعصابة ، قال أسامة : أنا أشد علي حجرا ، فقلت لبعض أصحابه : لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه ؟ قالوا : من الجوع . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم وابن عساكر عن حصين بن يزيد الكلبي رضي الله تعالى عنه قال : ربما شد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بطنه الحجر من الجوع ، ويرحم الله تعالى الإمام ابن جابر حيث قال :


                                                                                                                                                                                                                              طوى كشحه تحت الحجارة من طوى وإحسانه ما قل منه مثال     كأن عيال الناس طرا عياله
                                                                                                                                                                                                                              فكلهم مما لديه يعال     يبيت على فقر ولو شاء حولت
                                                                                                                                                                                                                              له ذهبا محضا ربى وجبال     وما كانت الدنيا لديه بموقع
                                                                                                                                                                                                                              فقد صرمت فيها لديه حبال     رأى هذه الدنيا سريعا زوالها
                                                                                                                                                                                                                              فلم يرض شيئا يعتريه زوال

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 103 ]

                                                                                                                                                                                                                              لعمرك ما الأعمار إلا قصيرة     ولكن آمال الرجال طوال
                                                                                                                                                                                                                              أتته مفاتيح الكنوز فردها     وعافت يمين مسها وشمال
                                                                                                                                                                                                                              وكان يفيض المال بين عفاته     كما فضت الترب المهال شمال
                                                                                                                                                                                                                              فما كان للمال الشديد بمائل     وكم غر أرباب العقول فمالوا
                                                                                                                                                                                                                              به فرج الله المضايق كلها     وبان حرام للورى وحلال
                                                                                                                                                                                                                              فأنصف مظلوما وأمن خائفا     وأغنم محتاجا ونعم مآل
                                                                                                                                                                                                                              بشير نذير صادق القول صادع     لكل كلام جاء عنه كمال
                                                                                                                                                                                                                              بليغ يصوغ القول كيف يريده     لكل مقام ينتحيه مقال
                                                                                                                                                                                                                              جميل جليل مانح غير مانع     عليه وقار ظاهر وجلال
                                                                                                                                                                                                                              إذا أبصرته العين هابت فلم تكن     لتملأ منه العين حين تجال
                                                                                                                                                                                                                              شفيع رفيع ناصر ناصح لنا     رحيم رحيب العفو حين ينال
                                                                                                                                                                                                                              حبيب إلى رب الأنام محبب     إلى الخلق إلا من لديه ضلال
                                                                                                                                                                                                                              لقد شهدت حتى الوحوش ببعثه     وصدق ذيب قوله وغزال
                                                                                                                                                                                                                              وكان مصونا بالغمام مظللا     إذا الناس مالوا للظلال وقالوا



                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، والبزار ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وابن حبان عن ابن عباس وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، والطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم ، فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فقال : «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ » قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : «والذي نفسي بيده ، لأخرجني الذي أخرجكما ، فقوما» ، فقاما معه ، فأتى منزل أبي أيوب الأنصاري ، وقال ابن عمر : منزل أبي الهيثم بن التيهان ، فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته : مرحبا بنبي الله ، وبمن معه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أين أبو أيوب ؟ » فقالت امرأته : يا نبي الله يأتيك الساعة ، انطلق يستعذب الماء ، فجاء أبو أيوب رضي الله تعالى عنه ، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الحمد لله ، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، فانطلق فقطع عذقا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أردت تقطع لنا هذا ، ألا اجتنيت لنا من تمره» ، قال : أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من تمره ، وبسره ، ورطبه ، ثم أخذ المدية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إياك والحلوب» فذبح لهم ، فشوى نصفه ، وطبخ نصفه ، فلما وضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذ من الجدي ، فجعله في رغيف ، وقال : «يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة؛ لأنها لم تصب مثل هذا منذ أيام» ، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة ، فلما أكلوا وشبعوا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه ، قال الله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [ ص: 104 ] [التكاثر : 8] فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» .

                                                                                                                                                                                                                              فكبر ذلك على أصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا : باسم الله ، فإذا شبعتم فقولوا : الحمد لله الذي هو أشبعنا ، وأنعم علينا وأفضل ، فإن هذا كفاف لهذا» فأخذ عمر رضي الله تعالى عنه العذق فضرب بها الأرض حتى تناثر البسر ، ثم قال : يا رسول الله وإنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال : «نعم ، إلا من ثلاث : كسرة يسد بها الرجل جوعته ، أو ثوب يستر به عورته ، أو حجر يدخل فيه من القر والحر» .


                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية