الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1261 81 - حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : قرأت على ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه أنه سأل أبا هريرة رضي الله عنه فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم ح وحدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد قال : حدثني أبي قال : حدثنا يونس ، قال ابن شهاب : وحدثني عبد الرحمن الأعرج أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان ، قيل : وما القيراطان ؟ قال : مثل الجبلين العظيمين " .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ( ومن شهد حتى تدفن ) إذا جعل شهد بمعنى حضر والتحقيق فيه ما ذكرناه آنفا .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله )

                                                                                                                                                                                  وهم أربعة عشر رجلا لأنه رواه من ثلاث طرق :

                                                                                                                                                                                  الأول عبد الله بن مسلمة القعنبي ، الثاني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، الثالث سعيد بن أبي سعيد ، الرابع أبوه أبو سعيد واسمه كيسان ، وهؤلاء قد ذكروا غير مرة ، الخامس عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي البخاري المعروف بالمسندي ، السادس هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء فارس ، السابع معمر بن راشد ، الثامن محمد بن مسلم الزهري ، التاسع سعيد بن المسيب ، العاشر أحمد بن شبيب بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى ابن سعيد أبو عبد الله الحبطي بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة البصري ، الحادي عشر أبوه شبيب بن سعيد ، الثاني عشر يونس بن يزيد ، الثالث عشر عبد الرحمن الأعرج ، الرابع عشر [ ص: 130 ] أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده )

                                                                                                                                                                                  فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه القراءة على الشيخ ، وفيه السؤال ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه القول في سبعة مواضع ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه عبد الله بن مسلمة مدني سكن البصرة ، ومعمر وأحمد بن شبيب وأبوه بصريون ، ويونس أيلي ، والباقون مدنيون ، وفيه عن سعيد بن أبي سعيد ، وحكى الكرماني أن عن أبيه ساقط في بعض الطرق ، قيل : الصواب إثباته ، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن أبي ذئب ، وسقط عن أبيه عند أبي عوانة في رواية ابن عجلان ، وعند ابن أبي شيبة كذلك في رواية عبد الرحمن بن إسحاق ، وعبد بن حميد بن زنجويه في رواية أبي معشر .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر من أخرجه غيره )

                                                                                                                                                                                  الطريق الأول لم يخرجه غيره من بقية الستة ، والطريق الثاني أخرجه مسلم في الجنائز أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وعن عبد الملك بن شعيب ، وأخرجه النسائي فيه عن نوح بن حبيب ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، والطريق الثالث أخرجه مسلم فيه عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى وهارون بن سعيد ، وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه )

                                                                                                                                                                                  قوله : ( وحدثني ) ذكر بلفظ الواو عطفا على مقدر أي : قال ابن شهاب : حدثني فلان به ، وحدثني عبد الرحمن أيضا به . قوله : ( حتى يصلي ) وفي رواية الكشميهني ( حتى يصلي عليه ) وفي أكثر الروايات اللام فيه مفتوحة وفي بعضها بكسرها ، وحملت رواية الفتح على رواية الكسر ; لأن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يشهد ، ولم يبين في هذه ابتداء الحضور ، وفي رواية أبي سعيد المقبري بين ذلك حيث قال من أهلها ، وفي رواية خباب عند مسلم ( من خرج مع جنازة من بيتها ) وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ( فمشى معها من أهلها ) فهذه الأحاديث تقتضي أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة . وقال بعضهم : يحصل أيضا لمن صلى فقط ; لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى ( قلت ) : فيه نظر لأن كل ما كان قبل الصلاة ليس لأجل الصلاة خاصة ، وإنما هو لها ولمعاضدة أهل الجنازة ومعونتهم ، ولأجل إظهار الخدمة لهم تطييبا لقلوبهم ، والشارع قد نص عن أن الذي يصلي فقط فله قيراط ، ولم يتعرض إلى اختلاف القيراط في نفسه وهذا التصرف فيه تحكم ( فإن قلت ): يختلف القيراط باختلاف كثرة العمل فيه كما في الجمعة ( من جاء في الساعة الأولى ) الحديث ( قلت ) : هذا القياس لا يصح لأن عين القيراط نص عليه فلا يمكن أن يتصرف في الشيء المعين المنصوص عليه بالزيادة والنقصان بخلاف الجمعة ، فإن الاختلاف فيه ليس في شيء بعينه فافهم . قوله ( كان له قيراطان ) ظاهره أنهما غير قيراط الصلاة ، وبذلك جزم البعض ، وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد لكن رواية الحسن ومحمد بن سيرين صريحة في أن الحاصل من الصلاة ومن الدفن قيراطان فقط ، وروايتهما قد مرت في باب اتباع الجنائز من الإيمان في كتاب الإيمان ، رويا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال : " من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط "

                                                                                                                                                                                  وقال النووي : رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان . ( قلت ) : يحتمل أن تكون رواية الأعرج عن أبي هريرة متأخرة عن رواية ابن سيرين عنه . قوله ( حتى تدفن ) اختلف فيه أن حصول القيراطين يحصل بمجرد وضع الميت في القبر أو عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب أو بعد الفراغ بالكلية ، وبكل ذلك ورد الخبر ، ففي رواية مسلم من طريق معمر في إحدى الروايتين عنه ( حتى يفرغ منها ) وفي الأخرى ( حتى توضع في اللحد ) وفي رواية أبي حازم عنده ( حتى توضع في القبر ) ، وفي رواية أبي مزاحم عند أحمد ( حتى يقضي قضاءها ) ، وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي ( حتى يقضي دفنها ) ، وفي رواية ابن عياض عند أبي عوانة ( حتى يسوى عليها ) أي التراب .

                                                                                                                                                                                  وقال شيخنا زين الدين : الصحيح عند أصحاب الشافعي أن ذلك يتوقف على كمال الدفن لا على وضعه في اللحد .

                                                                                                                                                                                  وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد ، قوله ( قيل وما القيراطان ؟ ) قال بعضهم : لم يعين هاهنا [ ص: 131 ] القائل ولا المقول له ، وقد بين له مسلم في رواية الأعرج فقال : ( قيل وما القيراطان يا رسول الله ) وبين القائل أبو عوانة من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة ولفظه : ( قلت وما القيراط يا رسول الله ) ( قلت ) : الظاهر بحسب القرينة يدل على أن القائل راوي الحديث وهو أبو هريرة ، والمقول له هو النبي - صلى الله عليه وسلم - أما القائل ففيه احتمال أن يكون غير الراوي ممن كان حاضرا في ذلك المجلس ، وأما المقول له فهو النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا لأنه قال : " مثل الجبلين العظيمين " ، وليس هذا إلا وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الضمير في قوله قال يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . قوله : " مثل الجبلين العظيمين " ، وفي رواية ابن سيرين وغيره : " مثل أحد " ، وفي رواية ابن أبي شيبة : " القيراط مثل جبل أحد " ، وكذا في حديث ثوبان عند مسلم ، والبراء عند النسائي ، وأبي سعيد عند أحمد ، وفي رواية للنسائي من طريق الشعبي : " فله قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد " ، وفي رواية أبي صالح عند مسلم : " أصغرهما مثل أحد " ، وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي بن كعب : " القيراط أعظم من أحد " ، وعند ابن عدي من حديث واثلة: " كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد " ، وقد ذكرنا أن هذا من باب التمثيل والاستعارة .

                                                                                                                                                                                  ( ومما يستفاد منه ) فيه الترغيب في شهود جنازة الميت والقيام بأمره والحض على الاجتماع له ، والتنبيه على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم في تكثيره الثواب لمن يتولى أمره بعد موته ، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان أو بجعلها أعيانا حقيقة ، وفيه السؤال عما يهم فيه



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية