الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإذا قال قائل: إن الممكن - أو المحدث - يفتقر في عدمه إلى عدم السبب الموجب.

قيل له: وعدم ذلك السبب الموجب: إما أن يكون واجبا، وأما أن يكون ممكنا، فإن كان واجبا، لزم أن يكون عدم كل ممكن واجبا، فتكون جميع الممكنات ممتنعة، لأن عدم كل ممكن على هذا التقدير معلول بعدم واجب، وإذا كان معدوما لعدم علته، وعدم علته واجبا، كان عدمه واجبا، وهذا معلوم الفساد بالبديهة. [ ص: 121 ]

وإن قيل: إن عدم العلة ممكن، فإن كان معدوما بنفسه، أمكن أن يكون الممكن معدوما بنفسه لا بعلة، وهو المطلوب. وإن كان معدوما بعلة، كان القول في تلك العلة كالقول في الأخرى، ويلزم من هذا أن يكون عدم كل ممكن معللا بعدم ممكن آخر.

وهذا باطل لوجوه: منها: أنه ليس تعليل عدم هذا بعدم هذا، بأولى من العكس. فإن كل ممكن مفتقر إلى المرجح المؤثر، سواء سمي فاعلا أو علة، أو موجبا أو سببا، أو ما سمي به.

فإذا قيل: عدم هذا الممكن لعدم مؤثره، وعدم ذلك المؤثر لعدم مؤثره، كان كل منهما مساويا للآخر في الافتقار إلى المؤثر، فليس أن يكون عدم أحدهما لعدم الآخر، المفتقر عدما إلى المؤثر، بأولى من أن يكون عدم ذاك لعدم هذا المفتقر عدمه إلى المؤثر، مع استوائهما في ذلك.

منها: إذا كان عدم هذا لعدم ذاك، وعدم ذاك لعدم آخر، فالعدم الثالث إن كان هو الأول، لزم الدور القبلي، وإن كان غيره، لزم التسلسل في العلل والمعلولات، وكلاهما ممتنع.

فهذا كله مما يبين أن عدم الممكن ليس مفتقرا إلى المؤثر، كافتقار [ ص: 122 ] وجوده إلى المؤثر، فليس ترجيح وجوده على عدمه، كترجيح إحدى كفتي الميزان، وترجيح أحد الزمانين بالحدوث على الآخر، فإنه هناك رجح الشيء على مثله بلا مرجح، ونسبة الحادث إلى هذا الزمان كنسبته إلى هذا، ونسبة الرجحان إلى هذه الكفة كنسبته إلى هذه، بخلاف الوجود والعدم بالنسبة إلى الممكن، فإنه ليس رجحان الوجود كرجحان العدم.

التالي السابق


الخدمات العلمية