الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله : ( أعوذ بالله ) أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك ، وهذا غير مختص بشخص معين ، فهو أمر على سبيل العموم ؛ لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذا بالله فالأول : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) [ هود : 47 ] فعند هذا أعطاه الله خلعتين : السلام والبركات وهو قوله تعالى : ( قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ) [ هود : 48 ] والثاني : حكى عن يوسف عليه السلام أن المرأة لما راودته قال : ( معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) [ يوسف : 23 ] فأعطاه الله تعالى خلعتين : صرف السوء والفحشاء حيث قال : ( لنصرف عنه السوء والفحشاء ) [ يوسف : 24 ] والثالث : ( فخذ أحدنا مكانه ) [ يوسف : 78 ] فقال : ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ) [ يوسف : 79 ] فأكرمه الله تعالى بقوله : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) [ يوسف : 100 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 68 ] الرابع : حكى الله عن موسى عليه السلام أنه لما أمر قومه بذبح البقرة قال قومه : ( أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) [ البقرة : 67 ] فأعطاه الله خلعتين : إزالة التهمة وإحياء القتيل فقال : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ) [ البقرة : 73 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            الخامس : أن القوم لما خوفوه بالقتل قال : ( وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ) [ الدخان : 20 ] وقال في آية أخرى : ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) [ غافر : 27 ] فأعطاه الله تعالى مراده فأفنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم .

                                                                                                                                                                                                                                            والسادس : أن أم مريم قالت : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) [ آل عمران : 36 ] فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله : ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ) [ آل عمران : 37 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            والسابع : أن مريم عليها السلام لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة : ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) [ مريم : 18 ] فوجدت نعمتين : ولدا من غير أب وتنزيه الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله : ( إني عبد الله ) [ مريم : 30 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            الثامن : أن الله تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال : ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 97 ] وقال : ( قل أعوذ برب الفلق ) [ الفلق : 1 ] و ( قل أعوذ برب الناس ) [ الناس : 1 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            والتاسع : قال في سورة الأعراف : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 199 ] وقال في حم السجدة : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) [ فصلت : 34 ] إلى أن قال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت : 36 ] فهذه الآيات دالة على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أبدا في الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل قال : استب رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغرقا فيه : فقال عليه السلام : " إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك وهي قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) " وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الإنسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جدا وأنه إنما يمكنه أن يعرف ذلك القليل بمدد العقل ، وعند الغضب يزول العقل ، فكل ما يفعله ويقوله لم يكن على القانون الجيد ، فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعا له عن الإقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال ، وحاملا له على أن يرجع إلى الله تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات فلا جرم يقول : أعوذ بالله .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن الإنسان غير عالم قطعا بأن الحق من جانبه ولا من جانب خصمه ، فإذا علم ذلك يقول : " أفوض هذه الواقعة إلى الله تعالى ، فإذا كان الحق من جانبي فالله يستوفيه من خصمي ، وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه " وعند هذا يفوض تلك الحكومة إلى الله ويقول أعوذ بالله .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن الإنسان إنما يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم ، فإذا استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه ، فإذا أحضر في عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال أعوذ بالله ، وكل هذه المعاني مستنبطة من قوله تعالى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [ الأعراف : 201 ] والمعنى أنه إذا تذكر هذه الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضي بقضاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 69 ] والخبر الثاني : روى معقل بن يسار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، فإن مات في ذلك اليوم ؛ مات شهيدا ، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " .

                                                                                                                                                                                                                                            قلت : وتقريره من جانب العقل أن قوله : ( أعوذ بالله ) مشاهدة لكمال عجز النفس وغاية قصورها ، والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال الله وجلاله وعظمته ، وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين .

                                                                                                                                                                                                                                            الخبر الثالث : روى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من استعاذ في اليوم عشر مرات وكل الله تعالى به ملكا يذود عنه الشيطان " .

                                                                                                                                                                                                                                            قلت : والسبب فيه أنه لما قال ( أعوذ بالله ) وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه ، وإذا عرف ذلك من نفسه لم يلتفت إلى ما تأمره به النفس ، ولم يقدم على الأعمال التي تدعوه نفسه إليها ، والشيطان الأكبر هو النفس ، فثبت أن قراءة هذه الكلمة تذود الشيطان عن الإنسان .

                                                                                                                                                                                                                                            والخبر الرابع : عن خولة بنت حكيم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل " .

                                                                                                                                                                                                                                            قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية ، وأن السماوات مملوءة من الأرواح الطاهرة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أطت السماء ، وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد " وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح ، وبعضها طاهرة مشرقة خيرة ، وبعضها كدرة مؤذية شريرة ، فإذا قال الرجل : " أعوذ بكلمات الله التامات " فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شر تلك الأرواح الخبيثة ، وأيضا كلمات الله هي قوله " كن " وهي عبارة عن القدرة النافذة ومن استعاذ بقدرة الله لم يضره شيء .

                                                                                                                                                                                                                                            والخبر الخامس : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لا تضر " وكان عبد الله بن عمر يعلمها من بلغ من عبيده ، ومن لم يبلغ كتبها في صك ثم علقها في عنقه .

                                                                                                                                                                                                                                            والخبر السادس : عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أنه كان يعوذ الحسن والحسين - رضي الله عنهما - ويقول : " أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة " ويقول : " كان أبي إبراهيم عليه السلام يعوذ بها إسماعيل وإسحاق عليهما السلام " .

                                                                                                                                                                                                                                            الخبر السابع : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعظم أمر الاستعاذة حتى أنه لما تزوج امرأة ودخل بها فقالت : أعوذ بالله منك فقال عليه الصلاة والسلام : عذت بمعاذ فالحقي بأهلك .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن الرجل المستبصر بنور الله لا التفات له إلى القائل ، وإنما التفاته إلى القول ، فلما ذكرت تلك المرأة كلمة : أعوذ بالله بقي قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشتغلا بتلك الكلمة ، ولم يلتفت إلى أنها قالت تلك الكلمة عن قصد أم لا . [ ص: 70 ] والخبر الثامن : روى الحسن قال : بينما رجل يضرب مملوكا له فجعل المملوك يقول : ( أعوذ بالله ) إذ جاء نبي الله فقال : أعوذ برسول الله ، فأمسك عنه فقال عليه السلام : عائذ الله أحق أن يمسك عنه ، فقال : فإني أشهدك يا رسول الله أنه حر لوجه الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : أما والذي نفسي بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار .

                                                                                                                                                                                                                                            والخبر التاسع : قال سويد : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فلا أحب أن أترك ذلك ما بقيت .

                                                                                                                                                                                                                                            والخبر العاشر : قوله عليه الصلاة والسلام : " أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك " .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية