( أبي بكر بن أبي قحافة الصديق - رضي الله عنه - ) قال الشيخ استخلاف واسمه أبو حاتم محمد بن حبان أبو أحمد التميمي : عبد الله ، ولقبه عتيق ، واسم أبي قحافة : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وأم أبي بكر : أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب - أخو عمرو بن [ ص: 152 ] كعب - بن سعد بن تيم بن مرة بن لؤي بن غالب .
أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ، ثنا محمد بن المتوكل ، ثنا أنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : كنت عند ابن عباس في خلافة عبد الرحمن بن عوف ، فلما كان في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب عمر ، أتاني في منزلي عشاء فقال : لو شهدت أمير المؤمنين اليوم وجاءه رجل وقال : يا أمير المؤمنين ، إني سمعت فلانا يقول : لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا ، فقال عبد الرحمن بن عوف عمر : إني لقائم العشية في الناس ومحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإني أخشى أن تقول فيهم اليوم مقالة لا يعونها ولا يضعونها مواضعها ، وأن يطيروا بها كل مطير ، ولكن أمهل يا أمير المؤمنين حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة ودار الهجرة ، فتخلص بالمهاجرين والأنصار ، وتقول ما قلت متمكنا ، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها ، قال عمر : أما والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة ، قال فلما قدمنا ابن عباس : المدينة ، وجاء يوم الجمعة هجرت لما حدثني فوجدت عبد الرحمن بن عوف ، قد سبقني بالهجرة جالسا إلى جنب المنبر ، فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته ، فلما زالت الشمس خرج علينا سعيد بن زيد بن نفيل عمر فقلت - وهو مقبل - : أما والله [ ص: 153 ] ليقولن اليوم أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل عليه أحد قبله ، قال : فغضب فقال : وأي مقال يقول لم يقل قبله ؟ فلما ارتقى سعيد بن زيد عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه ، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها ، فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي : إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق وأنزل عليه الكتاب ، وكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده ، وإني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، ألا وإن الرجم على من أحصن إذا زنى وقامت عليه البينة ، أو كان الحمل ، أو الاعتراف ، ثم إنا قد كنا نقرأ : ( ولا ترغبوا عن آبائكم ) ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : . لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله "
ثم إنه بلغني أن فلانا منكم يقول : لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا ، فلا يغتر امرؤ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك ، ألا وإن الله وقى شرها ، ودفع عن الإسلام والمسلمين ضرها ، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، وإنه كان من خيرنا حين توفي [ ص: 154 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إن عليا والزبير ومن تبعهما تخلفوا عنا في بيت وتخلفت عنا الأنصار في فاطمة ، سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ، فلقينا رجلين صالحين من الأنصار شهدا بدرا فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء الأنصار ، قالا : فارجعوا فامضوا أمركم بينكم ، فقلت : والله لنأتينهم ، فأتيناهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل ، قلت : من هذا ؟ قالوا : قال : قلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط منا ، وقد دفت إلينا دافة منكم ، وإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويحضنونا بأمر دوننا ، وقد كنت زورت في نفسي مقالة أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر ، وكنت أدارئ من أبي بكر بعض الحد ، وكان أوقر مني وأحلم ، فلما أردت الكلام قال : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ، ووالله ما ترك كلمة قد كنت زورتها إلا جاء بها ، أو بأحسن منها في بديهته ، ثم قال : أما بعد ، وأما ما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار [ ص: 155 ] فأنتم له أهل ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب دارا ونسبا ، ولقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ، وأخذ بيدي ويد سعد بن عبادة ، فوالله ما كرهت مما قال شيئا غير هذه الكلمة ، كنت لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبي عبيدة بن الجراح ، أبو بكر ، فلما قضى أبو بكر مقالته قام رجل من الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ، وإلا أجلنا الحرب فيما بيننا وبينكم خدعة ، قال فقال معمر : قتادة : قال عمر : فإنه لا يصلح سيفان في غمد ، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء ، قال عن معمر ، في حديثه : فارتفعت الأصوات بيننا ، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت : يا الزهري ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار قال : ونزونا على أبا بكر ، حتى قال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة سعدا ، قال : قلت : قتل الله سعدا ، وأنا والله ما رأينا فيما حضرنا أمرا كان أقوى من مبايعة أبي بكر [ ص: 156 ] خشينا إن فارقنا القوم أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا ، فلا يغرن امرأ يقول : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقد كانت كذلك ، إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا يبايع هو ولا الذي بايعه بعده ، قال وأخبرني الزهري : عروة أن الرجلين اللذين لقياهما من الأنصار : عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، والذي قال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب الحباب بن المنذر .
قال : نظر المسلمون إلى أعظم أركان الدين وعماد الإسلام للمؤمنين فوجدوها الصلاة المفروضة ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولى أبو حاتم إقامتها في الأوقات المعلومات ، فرضي المسلمون للمسلمين ما رضي لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه طائعين في سائر الأركان ، وبايعوه في السر والإعلان . أبا بكر
فلما كان اليوم الثاني قام على المنبر ، فتكلم قبل عمر بن الخطاب أبي بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا مني ، وما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت [ ص: 157 ] عهدا عهده إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيأمرنا بقول يكون آخرنا ، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان قد هدى به أهله ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا إليه فبايعوه ، فبايع الناس بيعة العامة بعد بيعة السقيفة . أبا بكر
ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فإني قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه ، إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه ، إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم بالبلاء ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .