الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم جهز أبو بكر الجيش ليقاتل من كفر من العرب ، فترك إعطاء الصدقات ، وارتد عن الإسلام  ، فقال له عمر : كيف تقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " فقال أبو بكر : والله ، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، والذي نفس أبي بكر بيده لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه حتى آخذها ، قال عمر : فلما رأيت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق ، فأمر أبو بكر على الناس خالد بن الوليد ، وأمر ثابت بن قيس بن شماس على الناس الأنصار ، وجمع أمر الناس إلى خالد بن الوليد ، ثم أمرهم أن يسيروا وسار معهم مشيعا ، حتى نزل ذا القصة من المدينة على بريد وأميال ، فضرب معسكره وعبأ جيشه ، ثم تقدم إلى خالد بن الوليد وقال : إذا عشيتم دارا من دور الناس فسمعتم أذانا للصلاة فأمسكوا عنها حتى تسألوهم ما الذي يعلمون ؟ وإن لم تسمعوا الأذان فشنوا الغارة واقتلوا وحرقوا ، ثم أمر خالد بن الوليد أن يصمد لطليحة ، وهو على [ ص: 166 ] ماء من مياه بني أسد ، وكان طليحة يدعي النبوة ، وينسج للناس الأكاذيب والأباطيل ، ويزعم أن جبريل يأتيه ، وكان يقول للناس : أيها الناس ، إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئا ، واذكروا الله قعودا وقياما ، وجعل يعيب الصلاة ويقول : إن الصريح تحت الرغوة ، وكان أول ما ابتلي من الناس طليحة أنه أصلب هو وأصحابه العطش في منزلهم فيه ، فقال طليحة فيما شجع لهم من أباطيله : اركبوا علالا - يعني فرسا - واضربوا أميالا تجدوا قلالا ، ففعلوا فوجدوا ماء ، فافتتن الأعراب به ، ثم قال أبو بكر لخالد بن الوليد : لآتيك من ناحية خيبر إن شاء الله فيمن بقي من المسلمين ، وأراد بذلك أبو بكر أن يبلغ الخبر الناس بخروجه إليهم ، ثم ودع خالدا ورجع إلى المدينة ، ومضى خالد بالناس ، وكانت بنو فزارة وأسد يقولون : والله لا نبايع أبا الفصيل - يعنون أبا بكر - وكانت طيء على إسلامها ، لم تزل عنه مع عدي بن حاتم ، ومكنف بن زيد الخيل ، فكانا يكالبانها ويقولان لبني فزارة : والله لا نزال نقاتلكم إن شاء الله ، فلما قرب خالد بن الوليد من القوم وبعث عكاشة [ ص: 167 ] بن محصن ، وثابت بن أقرم - أخا بني العجلان - طليعة أمامه ، وخرج طليحة بن خويلد المتنبئ وأخوه سلمة بن خويلد أيضا طليعة لمن وراءهما ، فالتقيا عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ، فانفرد طليحة بعكاشة ، وسلمة بن خويلد بثابت ، فأما سلمة فلم يلبث ثابتا أن قتله ، ثم صرخ طليحة وقال : يا سلمة ، أعني على الرجل فإنه قاتلي ، فاكتنفا عكاشة حتى قتلاه ، وكرا راجعين إلى من وراءهما ، فلما وصل خالد والمسلمون إلى ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن ، وهما قتيلان ، عظم ذلك على المسلمين وراءهم ، ثم مضى خالد حتى نزل على طيء في خللهم سلمى ، فضرب معسكره وانضم إليه من كان من المسلمين في تلك القبائل ، ثم تهيأ للقتال ، وسار إلى طليحة وهو على مائه ، والتقى معه طليحة في سبعمائة رجل من بني فزارة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر ، يتنبأ ويسجع ، فهز عيينة بن حصن الحرب ، وشد القتال ثم كر على طليحة فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، فرجع عيينة وقاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه ثانيا وقال : لا أبا لك ، هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم ، قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : إن لك [ ص: 168 ] رحى كرحاه ، وحديثا لا تنساه ، قال عيينة : أظن الله أنه قد علم أنه سيكون لك حديث لا تنساه يا بني فزارة هكذا ، فانصرفوا فهذا والله كذاب ، فانصرف وانصرفت معه فزارة ، وانهزم الناس ، وكان طليحة قد أعد فرسا له عنده ، وهيأ بعيرا لامرأته النوار ، ثم اجتمعت إليه فزارة وهم مبارزون ، فقالوا : ما تأمرنا ؟ فلما سمع منهم ذلك استوى على فرسه وحمل امرأته على البعير ، ثم نجا بها ، وقال لهم : من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت وينجو بأهله فليفعل ، ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشام ، وانصرفت فزارة ، وقتل منهم من قتل ، ثم دخلت القبائل في الإسلام على ما كانوا عليه من قبل .

فلما فرغ خالد من بيعتهم أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة بن سلمة ، وبعث بهما إلى أبي بكر ، فلما قدما عليه قال قرة : يا خليفة رسول الله إني كنت مسلما ، وإن عند عمرو بن العاص من إسلامي شهادة ، قد مر بي فأكرمته وقربته ، وكان عمرو بن العاص هو الذي جاء بخبر الأعراب ، وذلك أن عمرا كان على عمان ، فلما أقبل راجعا إلى المدينة مر بهوازن ، وقد انتقضوا وفيهم سيدهم قرة بن هبيرة ، فنزل عليه عمرو بن العاص فنحر له وأقراه وأكرمه ، فلما أراد عمرو الرحيل خلى به قرة بن هبيرة وقال : يا عمرو ، إنكم معشر قريش إن أنتم كففتم [ ص: 169 ] عن أموال الناس وتركتموها لهم - يريد الصدقات - فقمن أن يسمع لكم الناس ويطيعوا ، فإن أنتم أبيتم إلا أخذ أموالهم فإني والله ما أرى العرب مقرة بذلك لكم ، ولا صابرة عليه حتى تنازعكم أمركم ويطلبوا ما في أيديكم ، فقال عمرو بن العاص : أبالعرب تخوفنا موعدك ؟ أقسم الله لأوطئنه عليك الخيل ، ثم مضى عمرو حتى قدم المدينة على أبي بكر وأخبره الخبر قبل خروج خالد إليهم ، فتجاوز أبو بكر عن قرة بن هبيرة وعيينة بن حصن وحقن لهما دماءهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية