الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْآفَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْغِيبَةُ . وَالنَّظَرُ فِيهَا طَوِيلٌ فَلْنَذْكُرْ ، أَوَّلًا مَذَمَّةَ الْغِيبَةِ ، وَمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ شَوَاهِدِ الشَّرْعِ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَمِّهَا فِي كِتَابِهِ وَشَبَّهَ صَاحِبَهُ بِآكِلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ ، فَقَالَ تَعَالَى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ وَالْغِيبَةُ تَتَنَاوَلُ الْعِرْضَ وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِ وَالدَّمِ وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَفَاحَشُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . وَعَنْ جَابِرِ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ ؛ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي وَيَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ . وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى أَقْوَامٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ بِأَظَافِيرِهِمْ فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ . وَقَالَ سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : عَلِّمْنِي خَيْرًا أَنْتَفِعُ بِهِ فَقَالَ : لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَصُبُّ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَقَى ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ وَإِنْ أَدْبَرَ فَلَا تَغْتَابَنَّهُ . وَقَالَ الْبَرَاءُ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَانِقَ فِي بُيُوتِهِنَّ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ . وَقِيلَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ " مَنْ مَاتَ تَائِبًا مِنَ الْغِيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ . وَقَالَ أَنَسُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِصَوْمِ يَوْمٍ فَقَالَ : لَا يُفْطِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى آذَنَ لَهُ . فَصَامَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ظَلِلْتُ صَائِمًا فَائْذَنْ ، لِي لِأُفْطِرَ . فَيَأْذَنُ لَهُ وَالرَّجُلُ وَالرَّجُلُ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَتَاتَانِ مِنْ أَهْلِكَ ظَلَّتَا صَائِمَتَيْنِ ، وَإِنَّهُمَا يَسْتَحِيَانِ أَنْ يَأْتِيَاكَ فَائْذَنْ ، لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا . فَأَعْرَضَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَاوَدَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَمْ يَصُومَا وَكَيْفَ يَصُومُ مَنْ ظَلَّ نَهَارَهُ يَأْكُلُ لَحْمَ النَّاسِ ؟ اذْهَبْ فَمُرْهُمَا إِنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ أَنْ تَسْتَقِيئَا فَرَجَعَ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرَهُمَا ، فَاسْتَقَاءَتَا ، فَقَاءَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَقَةً مِنْ دَمٍ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَقِيَتَا فِي بُطُونِهِمَا لَأَكَلَتْهُمَا النَّارُ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ ، إِنَّهُمَا قَدْ مَاتَتَا ، أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا . فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي بِهِمَا فَجَاءَتَا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ ، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا : قِيئِي . فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ ، حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى : قِيئِي . فَقَاءَتْ كَذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى ، فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ . وَقَالَ أَنَسُ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الرِّبَا ، وَعَظَّمَ شَأْنَهُ فَقَالَ إِنَّ الدِّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَطِيئَةِ مِنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ وَأَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الْمُسْلِمِ . إتحاف السادة المتقين ( الْآفَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْغِيبَةُ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ، (وَالنَّظَرُ فِيهَا طَوِيلٌ، فَنَذْكُرُ أَوَّلًا مَذَمَّةَ الْغِيبَةِ، وَمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ شَوَاهِدِ الشَّرْعِ) مِنَ الآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ، (وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَمِّهَا فِي كِتَابِهِ) الْعَزِيزِ، (وَشَبَّهَ صَاحِبَهَا بِآكِلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ) سُبْحَانَهُ: ( وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) أَيْ: لَا يَذْكُرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِسُوءٍ فِي غَيْبَتِهِ، ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) تَمْثِيلٌ لِمَا يَنَالُهُ الْمُغْتَابُ مِنْ عِرْضِ الْمُغْتَابِ عَلَى أَفْحَشِ وَجْهٍ مَعَ مُبَالَغَاتِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُقَدَّرِ، وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى "أَحَدُ" لِلتَّعْمِيمِ، وَتَعْلِيقُ الْمَحَبَّةِ بِمَا هُوَ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ، وَتَمْثِيلُ الِاغْتِيَابِ بِآكِلِ اللَّحْمِ، أَيْ: لَحْمِ الْإِنْسَانِ، وَجَعْلُ الْمَأْكُولِ أَخًا وَمَيْتًا، وَتَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَكَرِهْتُمُوهُ ، تَقْرِيرًا وَتَحْقِيقًا لِذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ صَحَّ ذَلِكَ أَوْ عُرِضَ عَلَيْكُمْ هَذَا، فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِنْكَارُ كَرَاهَتِهِ، وَانْتِصَابُ "مَيْتًا" عَلَى الْحَالِ مِنَ اللَّحْمِ، أَوِ الْأَخِ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ) مُبْتَدَأٌ (الْمُسْلِمِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلًّا لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى نَكِرَةٍ (عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ) خَبَرُهُ، أَيْ: جَمِيعُ أَنْوَاعِ مَا يُؤْذِيهِ حَرَامٌ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (دَمُهُ) أَيْ: إِرَاقَةُ دَمِهِ بِلَا حَقٍّ، (وَمَالُهُ) أَيْ: أَخْذُ مَالِهِ بِنَحْوِ غَصْبِ، (وَعِرْضُهُ) أَيْ: هَتْكُ عِرْضِهِ بِلَا اسْتِحْقَاقٍ، وَأَدِلَّةُ تَحْرِيمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَجَعَلَهَا "كُلُّ الْمُسْلِمِ"، وَحَقِيقَتُهُ لِشِدَّةِ اضْطِرَارِهِ إِلَيْهَا، فَالدَّمُ بِهِ حَيَاتُهُ وَمَادَّتُهُ الْمَالُ، فَهُوَ مَاءُ الْحَيَاةِ، وَالْعِرْضُ بِهِ قِيَامُ صُورَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا; لِأَنَّ مَا سِوَاهَا فَرْعٌ وَرَاجِعٌ إِلَيْهَا; لِأَنَّهُ إِذَا قَامَتْ صُورَتُهُ الْبَدَنِيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، فَلَا حَاجَةَ لِغَيْرِهِمَا، وَقِيَامُهُمَا إِنَّمَا هُوَ بِتِلْكَ الثَّلَاثَةِ، وَلِكَوْنِ حُرْمَتِهَا هِيَ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ، لَمْ يَحْتَجْ لِتَقْيِيدِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَوْلُهُ: فِي رِوَايَةٍ: "إِلَّا بِحَقِّهَا"، إِيضَاحٌ وَبَيَانٌ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . اهـ . قُلْتُ: هَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الصَّمْتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ ، أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَسَاقَهُ هَكَذَا، وَأَمَّا لَفْظُ مُسْلِمٍ : "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ" . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ بِلَفْظِ: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، مَالُهُ وَعِرْضُهُ وَدَمُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ" . وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي الْبَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْغِيبَةُ) هِيَ (تَنَاوُلُ الْعِرْضِ) بِمَا يُكْرَهُ، (وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ وَالْمَالِ) فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِمَا، (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ.. فَذَكَرَهُ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ ، دُونَ قَوْلِهِ: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ. اهـ . قُلْتُ: وَبِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ، (وَعَنْ جَابِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (وَأَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ؛ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ) ، أَيْ: مِنْ إِثْمِهِ (إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْنِي فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ) ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا اغْتَابَ ابْنَ الْجَلَاءِ ، فَأَرْسَلَ يَسْتَحِلُّهُ، فَأَبَى، وَقَالَ: لَيْسَ فِي صَحِيفَتِي حَسَنَةٌ أَحْسَنُ مِنْهَا، فَكَيْفَ أَمْحُوهَا؟ قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ. اهـ . قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْغِيبَةِ، وَأَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي التَّوْبِيخِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ وَحْدَهُ بِلَفْظِ: "الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا" . وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَفِيهِ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ.. فَسَاقَهُ كَسِيَاقِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءً. (وَقَالَ أَنَسٌ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ يَخْمِشُونَ) أَيْ: يُقَطِّعُونَ (وُجُوهَهُمْ بِأَظَافِيرِهِمْ) جَمْعُ الْأَظْفَارِ، جَمْعُ ظُفُرٍ، (فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ) ، أَيْ: يَذْكُرُونَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ، (وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ) ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ أَبُو الْمُغِيرَةِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَسَاقَهُ كَمَا لِلْمُصَنِّفِ سَوَاءً، وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ ، حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ" . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ ذَمِّ الْغِيبَةِ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا، وَالْمُسْنَدُ أَصَحُّ. (وَقَالَ سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ) أَبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ، وَقِيلَ: سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، كَانَ يَنْزِلُ الْبَدْوَ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا: (أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي خَيْرًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَصُبُّ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ) ، أَيْ: بِطَلَاقَةِ وَجْهٍ وَبَشَاشَةٍ، (وَإِذَا أَدْبَرَ فَلَا تَغْتَابَنَّهُ) أَيْ: إِذَا وَلَّى بِظَهْرِهِ فَلَا تَذْكُرْهُ بِمَا يَكْرَهُ، كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا: "فَلَا تَغْتَابَنَّهُ"، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَسَاقَهُ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحْمَدُ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ، وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَذُكِرَ أَيْضًا فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ، وَلَيْسَ فِي سَنَدِ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا مَنْ يُنْظَرُ إِلَّا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْجَصَّاصُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ ، بَصْرِيُّ الْأَصْلِ، ضَعِيفٌ، (وَقَالَ الْبَرَاءُ) بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ) أَيْ: ذَوَاتِ الْخُدُورِ، (فِي بُيُوتِهَا) ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِهِ فِيهَا، (فَقَالَ) مِنْ جُمْلَةِ مَا خَطَبَ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ) أَيْ: لَمْ يَخْلُصْ إِلَيْهِ (لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ) بِكَشْفِهَا وَإِظْهَارِهَا، (فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ) الْمُسْلِمِ، (يَتَتَبَّعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَتَبَّعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ) ، وَهُوَ (فِي جَوْفِ بَيْتِهِ) ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَذَكَرَهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قُلْتُ: مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ: قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : هُوَ كَثِيرُ الْغَلَطِ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: صَدُوقٌ، لَهُ أَوْهَامٌ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، قُلْتُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ بِلَفْظِ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا.. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ : رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْفٍ ، وَابْنُ قَانِعٍ فِي مُعْجَمِهِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . اهـ مَا وَجَدْتُهُ، وَقَدْ رَوَى نَحْوَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي النَّوَادِرِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلًا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ آدَابِ الصُّحْبَةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا تَتَّبِعُوا عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَتَبَّعْ عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ يَتَتَبَّعِ اللَّهُ عَثْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْنَسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، لَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَثَرَاتِهِمْ.." ، فَسَاقَهُ نَحْوَهُ، (وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ) عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُوسَى ( "مَنْ مَاتَ تَائِبًا مِنَ الْغِيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ" . وَقَالَ أَنَسُ) بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِصَوْمِ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، (وَقَالَ: لَا يُفْطِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى آذَنَ لَهُ. فَصَامَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ظَلِلْتُ صَائِمًا، فَأْذَنْ لِي لِأُفْطِرَ. فَيَأْذَنُ لَهُ) ، فَيُفْطِرُ، (وَالرَّجُلُ وَالرَّجُلُ) يَجِيءُ فَيَسْتَأْذِنُ فَيَأْذَنُ لَهُ، (حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتَاتَانِ مِنْ أَهْلِكَ) يَعْنِي مِنْ قُرَيْشٍ (ظَلَّتَا صَائِمَتَيْنِ، وَإِنَّهُمَا تَسْتَحْيِيَانِ أَنْ تَأْتِيَاكَ، فَأْذَنْ لَهُمَا فَلْتُفْطِرَا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ) بِوَجْهِهِ، (وَعَاوَدَهُ) فِي الْإِذْنِ، (فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَمْ يَصُومَا) ، أَيْ: فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَصُمْ، (وَكَيْفَ صَامَ مَنْ ظَلَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ؟ اِذْهَبْ فَمُرْهُمَا إِنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ أَنْ تَسْتَقِيئَا) أَيْ: تَطْلُبَانِ إِفْرَاغَ مَا فِي بُطُونِهِمَا، (فَرَجَعَ) الرَّجُلُ (إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرَهُمَا، فَاسْتَقَاءَتَا، فَقَاءَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَقَةً مِنْ دَمٍ) ، أَيْ: قِطْعَةً مِنْ دَمٍ غَلِيظٍ مُتَجَمِّدٍ، (فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ) ، مَا رَأَى (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَقِيَتَا) أَيْ: الْعَلْقَتَانِ (فِي بَطْنِهِمَا لَأَكَلَتْهُمَا النَّارُ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَذَكَرَهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ضَعِيفٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ ، زَاهِدٌ، ضَعِيفٌ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، (وَفِي رِوَايَةٍ) أُخْرَى (أَنَّهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ قَدْ مَاتَتَا، أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اِئْتُونِي بِهِمَا، فَجَاءَتَاهُ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَسٍّ، أَوْ) قَالَ: (قَدَحٍ) شَكٌّ فِي الرَّاوِي، (فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: قِيئِي. فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ، حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: قِيئِي. فَقَاءَتْ كَذَلِكَ) ، أَيْ: قَيْحًا وَدَمًا وَصَدِيدًا، (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا) ، وَهُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، (وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَدْرٍ ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لَحْمَ النَّاسِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ هَهُنَا امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا، وَقَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَحْسَبُهُ قَالَ: فِي الظَّهِيرَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا.. فَسَاقَهُ كَسِيَاقِ الْمُصَنِّفِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ كَذَلِكَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدٍ ، وَفِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ فَأَسْقَطَ فِيهِ ذِكْرَ الرَّجُلِ، قُلْتُ: رَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَفِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي كِتَابِ آدَابِ الصُّحْبَةِ، وَالتَّعْرِيفِ بِحَالِ رَاوِيهِ عُبَيْدٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، (وَقَالَ أَنَسُ) بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الرِّبَا، وَعَظَّمَ شَأْنَهُ أَنَّ الدِّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَطِيئَةِ مِنْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ الرِّبَا أَشَدَّ مِنَ الزِّنَا; لِأَنَّ فَاعِلَهُ حَاوَلَ مُحَارَبَةَ الشَّارِعِ بِفِعْلِهِ بِعَقْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَيْ: بِحَرْبٍ عَظِيمَةٍ، فَتَحْرِيمُهُ مَحْضُ تَعَبُّدٍ، وَأَمَّا قُبْحُ الزِّنَا فَظَاهِرٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَلَهُ رَوَادِعُ وَزَوَاجِرُ سِوَى الشَّرْعِ، فَآكِلُ الرِّبَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ اللَّهِ، وَالزَّانِي يَخْرِقُ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ، فَرِيحُهُ تَهُبُّ حِينًا، ثُمَّ تَسْكُنُ، وَلِوَاؤُهُ يَخْفِقُ بُرْهَةً، ثُمَّ يَقِرُّ، ( وَأَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ) أَيْ: الِاسْتِطَالَةُ فِيهِ، بِأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى مَا قِيلَ لَهُ، وَأَكْثَرَ مِمَّا رُخِّصَ لَهُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ بِالرِّبَا، وَعَدَّهُ مِنْ عِدَادِهِ، ثُمَّ فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَضَرَّةً، وَأَشَدُّ فَسَادًا؛ فَإِنَّ الْعِرْضَ شَرْعًا وَعَقْلًا أَعَزُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَالِ، وَأَعْظَمُ مِنْهُ خَطَرًا؛ وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الشَّارِعُ بِالْمُجَاهَرَةِ بِهَتْكِ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ يُوجِبْ بِنَهْبِ الْأَمْوَالِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبَنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَذَكَرَهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، قُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ مِنْ وَصْفٍ بِالضَّعْفِ، وَأَبُو مُجَاهِدٍ سَعْدٌ الطَّائِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَنَسَبَهُ فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَلِيُّ بْنُ شَقِيقٍ ، وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا وَصَفَهُمَا بِضَعْفٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ : كَمَا وُجِدَ بِخَطِّهِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ . وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "مَنْ أَكَلَ دِرْهَمًا رِبًا فَهُوَ مِثْلُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية