الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت أن زنا المقذوفة يسقط الحد عن قاذفها فقد قال الشافعي - رضي الله عنه - : " أو وطئت وطئا حراما " فجمع في سقوط الحد عن القاذف بين زناها وبين وطئها حراما ، وهذا الجمع على تفصيل لا يمكن حمله على الظاهر . والوطء الحرام ينقسم خمسة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : ما يوجب الحد ويسقط العفة ، وهو أن يطأ ذات محرم له بعقد نكاح ، أو يطأ جارية أبيه أو جارية زوجته التي دفعها صداقا ، فيجب في ذلك الحد إذا علم . وتسقط به عفته ، ويكون كالزنا في سقوط الحد على القاذف .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : ما تسقط به عفته وفي وجوب الحد عليه قولان : وهو أن يطأ ذات محرم بملك يمين من نسب أو رضاع ، كمن ملك أمه من الرضاع أو أخته من نسب أو رضاع ، فوطئها بملكه ، ففي وجوب الحد عليه قولان مضيا في كتاب النكاح :

                                                                                                                                            أحدهما : يحد .

                                                                                                                                            والثاني : لا يحد ، وعفته على القولين معا ساقطة ويسقط بها الحد عن قاذفه .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : ما لا يوجب الحد ، ولكن يسقط بالعفة ، وهو أن يطأ جارية ابنه ، أو [ ص: 126 ] أمة بين شريكين وطئها أحدهما ، أو كوطء الزوجة والأمة في الدبر ، فلا حد في ذلك ، والعفة به ساقطة ، يسقط عنها الحد عن قاذفه .

                                                                                                                                            والقسم الرابع : ما لا يوجب الحد ، وفي سقوط العفة وجهان : وهو الوطء في النكاح بلا ولي ، أو نكاح متعة ، أو شغار ، فقد اختلف أصحابنا في سقوط العفة به مع اتفاقهم على سقوط الحد على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن العفة باقية لسقوط الحد فيه ، فعلى هذا يجب الحد على القاذف .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن العفة ساقطة بهذا لما فيه من قلة التحرج مع ظهور الخلاف ، فعلى هذا يسقط الحد عن قاذفه .

                                                                                                                                            والقسم الخامس : ما لا يوجب الحد ولا يسقط العفة ، وهو وطء الأمة أو الزوجة في الحيض ، أو الإحرام ، أو الصيام ، وكل ذلك حرام لكن لا حد فيه ، ولا تسقط به العفة ، والحد على قاذفه واجب ؛ لأنه وطء صادف محلا مباحا طرأ التحريم عليه لعارض .

                                                                                                                                            فإذا تقرر ما وصفنا من سقوط الحد عن القاذف بما ذكرنا من حدوث الزنا والوطء الحرام على التفصيل المتقدم فلا حاجة إلى اللعان ، فأما إذا جاز أن يلاعن لنفيه ؛ لأنه لا ينفى عنه مع سقوط الحد إلا باللعان ، فأما إن أراد مع عدم الولد أن يرفع باللعان الفراش ليثبت به التحريم المؤبد ، ففي جوازه وجهان ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية