الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو تباعد حيضها فهي من أهل الحيض حتى تبلغ السن التي من بلغها لم تحض بعدها من المؤيسات اللاتي جعل الله عدتهن ثلاثة أشهر فاستقبلت ثلاثة أشهر . وقد روي عن ابن مسعود وغيره مثل هذا وهو يشبه ظاهر القرآن ، وقال عثمان لعلي وزيد في امرأة حبان بن منقذ : طلقها وهو صحيح وهي ترضع فأقامت تسعة عشر شهرا لا تحيض ثم مرض : ما تريان ؟ قالا : نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت ؛ فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض ، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل وكثير ، فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته ، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضتين ثم توفي حبان قبل الثالثة فاعتدت عدة المتوفى عنها وورثته . وقال عطاء كما قال الله تعالى إذا يئست اعتدت ثلاثة أشهر قال الشافعي رحمه الله : في قول عمر رضي الله عنه في التي رفعتها حيضتها تنتظر تسعة أشهر ، فإن بان بها حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت ، يحتمل قوله قد بلغت السن التي من بلغها من نسائها يئسن ، فلا يكون مخالفا لقول ابن مسعود رضي الله عنه ، وذلك وجه عندنا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : اعلم أن للمعتدة إذا تأخر حيضها قبل وقت الإياس حالتين : إحداهما : أن يكون بسبب معروف من مرض أو رضاع فتكون باقية في عدتها وإن تطاولت مدتها حتى يعاودها الحيض فتعتد بثلاثة أقراء ، روي أن حبان بن منقذ طلق امرأته وهي ترضع فأقامت تسعة عشر شهرا لا تحيض ثم مرض حبان فقال عثمان لعلي وزيد - رضي الله تعالى عنهم - : ما تريان في امرأة حبان ؟ فقالا : نرى أنها ترثه ويرثها إن [ ص: 188 ] ماتت ، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ، وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض ، ثم هي على حيضها ما كان من قليل وكثير ، فرجع حبان إلى أهله وأخذ بنته ، فلما فصلت الرضاع حاضت حيضتين ، ثم توفي حبان قبل الثالثة فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثته . والحالة الثانية : أن يكون تأخر حيضها بغير سبب يعرف ، ففيما تعتد به ثلاثة أقاويل : أحدها : وهو قول عمر - رضي الله تعالى عنه - ومذهب مالك - رحمه الله - أنها تمكث تسعة أشهر تتربص بنفسها مدة غالب الحمل ، فإذا انقضت تسعة أشهر وهي غير مستريبة اعتدت ثلاثة أشهر عدة الطلاق وإن لم يحكم بإياسها ؛ لأن العدة موضوعة لاستبراء الرحم بالظاهر دون الإحاطة ، وذلك موجود بمضي عدة المدة ، وفي الزيادة عليها إدخال ضرر عليها فلم يكلف ما يضرها ، فعلى هذا لو تأخرت حيضتها بعد أن يمضي لها قرء من الأقراء الثلاثة لم تعتد به من شهرها ؛ لأنه لا تبنى أحد العدتين على الأخرى واستأنفت بعد الحكم بتأخر حيضتها سنة ، منها تسعة أشهر ليست بعدة ، وإنما هي للاستظهار بها في استبراء الرحم ، وثلاثة أشهر بعدها هي العدة .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنها تمكث متربصة بنفسها مدة أكثر الحمل وهي أربع سنين ؛ لأنه أحوط لها وللزوج في استبراء رحمها ، فإذا انقضت أربع سنين استأنفت العدة ثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل استكمال ثلاثة أشهر عاودت الأقراء وسقط حكم ما مضى ، وإن تأخر بعد الحيضة استأنفت تربص أربع سنين ثم اعتدت ثلاثة أشهر ، وكذلك حكمها إن عاودها من بعد . فأما إن حاضت بعد انقضاء الشهور الثلاثة روعي حالها ، فإن كان ذلك بعد أن تزوجت فقد انتهت عدة الأول وهي على نكاح الثاني ، وإن حاضت قبل أن تزوجت ، ففيه وجهان : أحدهما : تعاود الاعتداد بالأقراء لما يحذر من مخالفة الظاهر كما لو عاودها الحيض قبل انقضاء ثلاثة أشهر . والوجه الثاني : أن عدتها قد انقضت للحكم بانقضائها كما لو تزوجت ، وهذان القولان ذكرهما الشافعي في القديم . والقول الثالث : نص عليه في الجديد ، وهو الأصح . وبه قال أبو حنيفة : إنها تمكث متربصة بنفسها مدة الإياس ، لأن موضوع العدد على الاحتياط في استبراء الأرحام وحفظ الأنساب ، فوجب الاستظهار لها لا عليها ، [ ص: 189 ] وليس لتطاولها بالبلوى من وجه في تغيير الحكم كامرأة المفقود ، فعلى هذا فيما يعتبر من مدة إياسها ؟ قولان : أحدهما : يعتبر نساء عشيرتها في زمان إياسهن ، فإذا انتهت إلى ذلك السن حكم بإياسها ، فقد قيل : إنه لم تحض امرأة لخمسين سنة إلا أن تكون عربية ، ولم تحض لستين سنة إلا أن تكون قرشية ، وهو قول لم يتحقق ، وحضرتني وأنا بجامع البصرة امرأة ذات خفر وخشوع ، فقالت : قد عاودني الدم بعد الإياس ، فهل يكون حيضا ؟ فقلت : كيف عاودك ؟ قالت : أراه كل شهر كما يعتادني في زمان الشباب ، فقلت : ومذ كم رأيتيه ؟ فقالت : مذ نحو من سنة قلت : كم سنك ؟ قالت : سبعين سنة ، قلت : من أي الناس أنت ؟ قالت : من بني تميم ، قلت : أين منزلك ؟ قالت : في بني حصين ، فأفتيتها أنه حيض يلزمها أحكامه . والقول الثاني : يعتبر بإياسها أبعد زمان الإياس في نساء العالم كلهن كما يعتبر في أقل الحيض وأكثر الأقل ، والأكثر من عادة نساء العالم من غير أن تحيض بأهلها وعشيرتها ، فإذا حكم بإياسها على ما ذكرناه من القولين اعتدت حينئذ بثلاثة أشهر عدة المؤيسة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية