الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما نفقة من تبعضت فيه الحرية والرق فكان نصفه حرا ونصفه مملوكا فمذهب الشافعي أن نفقته نفقة المعسر ما لم تكمل حريته فيلزمه لزوجته مد واحد ، وإن كان موسرا بما فيه من الحرية . وقال المزني : إذا كان موسرا بما فيه من الحرية تبعضت النفقة بقدر الحرية والرق فيلزمه بنصفه المملوك نصف نفقة معسر وذلك نصف مد وبنصفه الحر نصف نفقة [ ص: 452 ] موسر وذلك مد فيصير عليه لزوجته مد ونصف ، استدلالا بثلاثة أمور : أحدها : أن الشافعي قد أوجب عليه في كتاب الأيمان أن يكفر بالإطعام دون الصيام إثباتا لحكم الحرية ؛ فكذلك في النفقة . والثاني : أنه لما كان في زكاة الفطر ملتزما لنصف زكاته بنصف حريته وللسيد نصفها بالنصف من رقه ولم يغلب حكم الرق في إسقاطها عنه ؛ كذلك في النفقة . والثالث : أنه لما كان موروثا إذا مات بقدر حريته ولم يسقط الميراث تغليبا لرقه وجب أن يكون في النفقة بمثابته . وهذا الذي ذهب إليه المزني فاسد من وجهين : أحدهما : أنه في أحكام الزوجية يغلب حكم رقه على حريته ، فلا يملك من الطلاق إلا اثنتين ولا ينكح إلا في زوجتين ، وكذلك في النفقة يغلب حكم الرق ، ولو جاز أن تتبعض النفقة بقدر حريته ورقه حتى يلتزم مدا ونصفا ، لملك من المنكوحات ثلاثا : واحدة بنصفه المسترق ، واثنتين بنصفه المعتق ، وفي إبطال هذا وتغليب حكم الرق دليل على إبطاله في النفقة تغليبا لحكم الرق . والثاني : أن أصول الشرع في تبعيض أحكام الحرية والرق تنقسم ثلاثة أقسام : أحدها : ما غلب فيه حكم الرق على الحرية : وهو الحدود والميراث والطلاق . وأعداد المنكوحات وزكاة المال ، وسقوط فرض الحج والجمعة . فيجري عليه فيها أحكام من رق جميعه . والثاني : ما تغلب فيه الحرية على الرق وذلك ستر العورة في الصلاة على أظهر الوجهين ، وكالإطعام في الكفارة على ما سنذكره من الخلاف فيه . والثالث : ما يتبعض حكمه بحسب الحرية والرق وذلك الكسب والنفقة وزكاة الفطر ، وإذا اختلفت فيه أصول الشرع كانت نفقات الزوجات محتذية إلى أحد الأصول إلا بدليل . فلم يجز أن يرد إلى ما يغلب فيه حكم الحرية لأمرين : أحدهما : قلة أحكامه وضعف شواهده . والثاني : انعقاد الإجماع على خلافه ، ولم يجز أن يرد إلى ما يتبعض حكمه لأمرين : أحدهما : أنه من أحكام الزوجية وهي لا تتبعض فيما عدا النفقة ؛ فكذلك في النفقة . [ ص: 453 ] والثاني : أن نفقة الزوجية لا تتبعض ؛ لأنها لا تجب على زوجين فوجب ألا تتبعض باختلاف الحكمين ، فلم يبق فيها عن الأقوال إلا أن يغلب فيها حكم الرق مع كثرة أحكامه وقوة شواهده ، فأما استشهاده بما نص عليه الشافعي في إطعامه في الكفارة فقد اختلف أصحابنا في الجواب عن نصه على ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه قال ذلك على مذهبه في القديم : أن العبد يملك إذا ملك فصار بالتمليك في حكم من عتق جميعه . فأما على قوله في الجديد : إنه لا يملك إذا ملك فلا يكفر إلا بالصيام . والثاني : أن السيد يحمل عنه الكفارة فلم يجز أن يكفر عنه إلا بالإطعام دون الصيام : لأن الصيام لا يصح فيه التحمل ويصح في الإطعام . والثالث : أن يغلب فيه حكم الحرية على الأحوال ، لأنه لما لم يجز أن يتبعض بخروجه عن المنصوص عليه في الكفارة ووجب رده إلى تغليب أحد الأمرين كان تغليب الحرية فيه أولى من تغليب الرق ؛ لأن من فرضه الإطعام لا يجوز أن يكفر بالصيام ، ويجوز لمن فرضه الصيام أن يكفر بالإطعام ، وهذا يمنع من رد نفقات الزوجات إلى التبعيض ويوجب تغليب أحد الحكمين وهو بخلاف ما قاله المزني فلم يصح استشهاده به . وأما استشهاده بزكاة الفطر في تبعيضها فيدفعه زكاة المال في تغليب الرق في إسقاطها ، ثم الفرق بين زكاة الفطر ونفقة الزوجة أن زكاة الفطر تتبعض في التزام الشركاء لها ، ونفقة الزوجية لا تتبعض لاستحالة أن يتحملها زوجان مشتركان ، وأما استشهاده بأنه يتبعض في ميراث ما له ، فالجواب عنه أن الشافعي لم يختلف قوله إنه لا يرث واختلف قوله هل يورث على قولين : أحدهما : وهو قوله في القديم ، وبه قال مالك : إنه لا يورث ، ويكون جميع ما له لسيده تغليبا لحكم الرق ، فعلى هذا يسقط الاستشهاد به . والثاني : وهو قوله في الجديد : أنه يورث بقدر حريته وإن لم يرث بها ؛ لأنه ليس يمتنع أن يورث من لا يرث ؛ لأن الجنين إذا سقط ميتا بجناية كان موروثا ولم يكن وارثا ، ثم لا دليل فيه على تبعيض نفقة الزوجة ؛ لأن الميراث يتبعض ونفقة الزوجة لا تتبعض ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية