الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الخامس من القسم الثالث من احكام الوصية الصحيحة في مسائل العين والدين

جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الخامس : في مسائل العين والدين .

مقصوده : أن يخلف الميت عينا ودينا على بعض الورثة ، أو على أجنبي ، فنصيب الوارث بعض ما عليه بالإرث ، أو الأجنبي بعض ما عليه بوصية .

وأول ما نقدمه أن الميت إذا لم يخلف إلا دينا على بعض الورثة ، برئ من عليه من حصته ، ولا تتوقف براءته على توفير حصة الباقين ؛ لأن الملك بالإرث لا يتأخر ، والإنسان لا يستحق على نفسه شيئا .

ولو خلف عينا ودينا على بعض الورثة ، نظر ، إن كان الدين من غير جنس العين ، أو من غير نوعه ، قسمت العين بين الورثة ، فما أصاب من لا دين عليه ، دفع إليه ، وما أصاب المدين ، دفع إليه إن كان مقرا مليئا .

وإن كان جاحدا أو معسرا ، فالآخر مستحق ظفر بغير جنس حقه . وحكمه مذكور في موضعه . وإن كان الدين من نوع العين ، بأن خلف عشرة عينا [ وعشرة دينا ] على أحد ابنيه الحائزين ، قال الأستاذ : يأخذ من لا دين عليه العشرة نصفها إرثا ونصفها قصاصا بما يصيبه من الدين . وفي كيفية القصاص الخلاف المعروف .

قال الإمام : هذا بعيد ، والخلاف إنما هو في تقاص الدينين ، لا في تقاص الدين والعين ، بل المذهب أن الإرث يثبت شائعا في العين والدين ، وليس لمن لا دين عليه الاستبداد بالعشرة إن كان المدين مقرا مليئا ، فإن تراضيا ، أنشآ عقدا ، وإن كان جاحدا أو معسرا ، فله أن يأخذها على قصد التملك ، لأنه ظفر بجنس حقه المتعذر تحصيله .

ولو خلف دينا وعينا ، وأوصى بالدين لإنسان وهو ثلث ماله أو أقل ، [ ص: 300 ] فحقه منحصر فيه ، فما نض دفع إليه . ولو أوصى بثلث الدين ، فوجهان : أحدهما : أن ما نض منه يضم إلى العين . فإن كان ما نض ثلث الجميع أو أقل ، دفع إلى الموصى له . وأصحهما : أنه كلما نض منه شيء ، دفع ثلثه إلى الموصى له وثلثاه إلى الورثة ؛ لأن الوصية شائعة في الدين .

إذا تقرر هذا ، فالدين المخلف مع العين من جنسه ونوعه ، إما أن يكون على وارث ، [ وإما على أجنبي ، وإما عليهما .

أما القسم الأول : على وارث ] ، فنصيبه من جملة التركة ، إما أن يكون مثل ما عليه من الدين ، وإما أكثر ، وإما أقل .

الحالة الأولى : أن يكون مثله ، فتصحح المسألة ، ويطرح مما صحت منه نصيب المدين ، وتقسم العين على سهام الباقين ، ولا يدفع إلى المدين شيء ، ولا يؤخذ منه شيء .

مثاله : زوج وثلاثة بنين ، وترك خمسة دينا على ابن ، وخمسة عشر عينا ، فجملة التركة عشرون ، نصيب كل ابن خمسة ، وما على المدين مثل نصيبه ، فتصحح المسألة من أربعة ، ويطرح منها نصيب ابن ، يبقى ثلاثة ، تقسم العين عليها ، نصيب كل واحد خمسة ، ونصيب المدين يقع قصاصا ، كذا أطلقوه .

قال الإمام : هذا محمول على ما إذا رضي المدين بذلك ، أو كان جاحدا ، أو معسرا . وعلى هذا ينزل الجواب المطلق في جميع هذه المسائل .

الحالة الثانية : أن يكون نصيبه أكثر مما عليه ، فتقسم التركة بينهم ، فما أصاب المدين ، طرح منه ما عليه ، ويعطى الباقي من العين .

الثالثة : أن يكون نصيبه أقل ، فيطرح من المسألة نصيبه ، وتقسم العين على الباقي ، فما خرج من القسمة ، يضرب في نصيب المدين الذي طرح ، فما بلغ ، فهو [ ص: 301 ] الذي حيي من الدين ، والمراد بهذه اللفظة أن ما يقع في مقابلة العين من الدين ، كالمستوفى بالمقاصة ، فكأنه حيي من الدين ، ولولا المقاصة ، فالدين على المفلس ميت فائت ، ثم الباقي من الدين بعد الذي حيي يسقط منه شيء ، ويبقى شيء يؤديه المدين إلى سائر الورثة .

وطريق معرفة الساقط والباقي ، أن تقسم كل التركة بين الورثة ، فما أصاب المدين ، طرح مما عليه من الدين ، فما بقي ، فهو الذي يؤديه المدين ، فيقسمه سائر الورثة على ما بقي من سهام الفريضة بعد إسقاط نصيب المدين .

مثاله : الدين في الصورة المذكورة ثمانية ، والعين اثنا عشر ، فسهام الفريضة أربعة ، يطرح منها نصيب المديون ، وتقسم العين على الباقي ، يخرج من القسمة أربعة ، تضربها في نصيب المدين وهو واحد ، يكون أربعة ، فذلك هو الذي حيي من الدين ، يبقى منه أربعة ، تأخذ منه نصيب المدين من التركة وهو خمسة ، تطرحها مما عليه ، يبقى ثلاثة ، فالثلاثة هي التي تبقى من الدين ، ويسقط واحد ، وتلك الثلاثة مقسومة على سهامهم مما صحت منه المسألة وهي ثلاثة . هذا إذا لم يكن وصية ، فإن كانت ، بأن خلف ابنين وترك عشرة عينا ، وعشرة دينا على أحدهما ، وأوصى بثلث ماله لزيد ، فوجهان :

أصحهما وينسب إلى ابن سريج وبه قطع الجمهور : أننا ننظر إلى الفريضة الجامعة للوصية والميراث وهي ثلاثة ، للموصى له سهم ، ولكل ابن سهم ، فيأخذ المدين سهمه مما عليه ، ويقتسم الابن الآخر وزيد العين نصفين ، وقد حيي من الدين خمسة ، يبقى خمسة ، للمدين ثلاثة ، يبقى [ ثلاثة ] وثلث ، إذا أداها اقتسمها الابن الآخر وزيد نصفين .

والوجه الثاني وينسب إلى أبي ثور : يأخذ الموصى له ثلث العين ، والابن [ ص: 302 ] الذي لا دين عليه ، يأخذ ثلثا إرثا ، والثلث قصاصا ، فيبرأ المدين من ثلثي الدين بالإرث والمقاصة ، يبقى عليه ثلث الدين ، يأخذه الموصى له .

القسم الثاني : أن يكون الدين على أجنبي ، فينظر : إن لم يكن وصية ، اشتركت الورثة في العين والدين ، وإن كانت ، فإما أن يكون لغير المدين ، وإما له ، وإما لهما .

فإن كانت لغيره ، بأن خلف ابنين ، وترك عشرة عينا وعشرة دينا على زيد ، وأوصى لعمرو بثلث ماله ، فالابنان وعمرو يقتسمون العين أثلاثا ، وكلما حصل من الدين شيء اقتسموه كذلك . ولو قيد الوصية بثلث الدين ، اقتسم الابنان العين . وأما الدين ، فقد ذكرنا فيه وجهين :

أحدهما : أن الحاصل منه الدين ، يضم إلى العين ويدفع ثلث الدين مما حصل إلى زيد ، ويسمى : وجه الحصر ، لأنه حصر حق الموصى له فيما يتنجز من الدين . وأصحهما : أن ما يحصل من الدين يدفع إلى زيد ثلثه ، ويسمى : وجه الشيوع . وإن كانت الوصية للمدين ، نظر فيما يستحقه بالوصية ، أهو مثل الدين ، أم أقل ، أم أكثر ؟ ويقاس بما ذكرنا فيما إذا كان الدين على وارث .

وإن كانت الوصية لهما ، بأن أوصى - والصورة ما سبق - لعمرو بثلث العين ، ولزيد بما عليه ، ورد الابنان الوصيتين إلى الثلث ، فيكون الثلث بينهما على أربعة ، لعمرو سهم ، ولزيد ثلاثة ، فعلى قول ابن سريج : الفريضة الجامعة من اثني عشر ، للوصيتين أربعة ، وللابنين ثمانية ، فيقتسم عمرو والابنان العين على قدر سهامهم وهي تسعة ، لعمرو سهم وتسع ، ولكل ابن أربعة وأربعة أتساع ، ويبرأ زيد من ثلاثة أرباع الثلث وهي خمسة دراهم ، يبقى عليه خمسة ، كلما أدى شيئا كان بين عمرو والابنين على تسعة ، فيحصل لعمرو خمسة أتساع درهم ، فيتم له ربع الثلث وهو درهم وثلثان ، وللابنين الباقي . ثم ليكن المصروف إلى عمرو عند خروج الدين من نفس العين إن كانت باقية .

وعلى الوجه المنسوب إلى أبي ثور : لعمرو ربع الثلث ، [ ص: 303 ] وهو درهم وثلثان يأخذه من العين ، والباقي من العين للابنين ، فيبرأ الغريم من خمسة ، يبقى عليه [ خمسة ] ، إذا أداها اقتسمها الابنان .

ولو خلف ابنين وعشرين درهما عينا وعشرة دينا على رجل ، وأوصى للغريم بما عليه ، ولزيد بعشرة من العين ، ولم يجز الابنان ما زاد على الثلث ، فيجعل الثلث بينهما نصفين .

ثم عن ابن سريج - رحمه الله - وجهان : أصحهما : أن الفريضة الجامعة من ستة ، للوصيتين اثنان ، وللابنين أربعة ، فلزيد من العشرين أربعة ، ولكل ابن ثمانية ، ويبرأ الغريم عن نصف الثلث وهو خمسة ، يبقى عليه خمسة ، إذا حصل منها شيء جعل بينهم أخماسا حتى يتم لزيد خمسة ، ولكل ابن عشرة .

والثاني : أنه يدفع إلى زيد من العين نصف وصيته وهو خمسة ، ويبرأ الغريم من نصف ما عليه وهو خمسة ، وللابنين باقي العين خمسة عشر ، ويقتصان باقي الدين وهو خمسة . قال الإمام : هذا الوجه على ضعفه يجري فيما سبق .

القسم الثالث : أن يكون الدين على وارث وأجنبي ، بأن ترك ابنين وعشرة عينا وعشرة [ دينا ] على أحدهما وعشرة [ دينا ] على أجنبي ، وأوصى بثلث ماله ، فعلى قياس ابن سريج والجمهور : الفريضة الجامعة من ثلاثة ، يجعل سهم المدين ما عليه ، ويقتسم [ الابن ] الآخر والموصى له العين نصفين ، وما حصل مما على الأجنبي اقتسماه نصفين .

وعلى الوجه الثاني : يأخذ الموصى له ثلث العين ، والباقي للابن الذي لا دين عليه ، ويبرأ الابن المدين مما عليه ، وإذا حصل ما على الأجنبي ، أخذ الموصى له ثلثيه ، والابن الذي لا دين عليه ثلثه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث