الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في قذف الزوجة خاصة

جزء التالي صفحة
السابق

الباب الثاني في قذف الزوجة خاصة

الزوج كالأجنبي في صريح القذف وكنايته ، وفي أنه يلزمه بقذفها الحد إن كانت محصنة ، والتعزير إن كانت غير محصنة ، إلا أن الزوج يختص بأنه قد يباح له القذف ، وقد يجب عليه ، وبأن الأجنبي لا يتخلص من العقوبة إلا ببينة على زنا المقذوف ، أو بإقرار المقذوف . وللزوج طريق ثالث إلى الخلاص ، وهو [ ص: 328 ] اللعان . وكما تندفع عنه عقوبة القذف باللعان ، يجب عليها به حد الزنا ، ولها دفعه بلعانها . فصل

متى تيقن الزوج أنها زنت ، بأن رآها تزني ، جاز له قذفها ، وكذا إن ظن زناها ظنا مؤكدا ، بأن أقرت به ووقع في قلبه صدقها ، أو سمعه ممن يثق به . قال ابن كج والإمام : سواء كان القائل من أهل الشهادة ، أم لا ، واستفاض بين الناس أن فلانا يزني بها ولم يخبره أحد عن عيان ، لكن انضمت إلى الاستفاضة قرينة الفاحشة ، بأن رآه معها في خلوة ، أو رآه يخرج من عندها ، فيجوز له القذف ، وإنما يجوز في صورة الاستفاضة . إذا انضمت إليها القرينة . وعن الداركي : أنه يجوز بمجرد الاستفاضة . وعن ابن أبي هريرة : يجوز بمجرد القرينة ، والصحيح الأول ، لكن قال الإمام : الذي أراه أنه لو رآها معه مرات كثيرة في محل الريبة ، كان ذلك كالاستفاضة مع الرؤية مرة ، وكذا لو رآها معه تحت شعار على هيئة منكرة ، وتابعه على هذا الغزالي وغيره . ثم ما لم يكن هناك ولد ، لا يجب على الزوج القذف ، بل يجوز أن يستر عليها ويفارقها بغير اللعان إن شاء ، ولو أمسكها لم يحرم .

قلت : قال أصحابنا : إذا لم يكن ولد ، فالأولى أن لا يلاعن ، بل يطلقها إن كرهها . والله أعلم .

وإن كان هناك ولد يتيقن أنه ليس منه ، وجب عليه نفيه باللعان ، هكذا قطع به الأصحاب ، وفيه وجه حكاه الروياني عن جماعة أنه لا يجب النفي ، والصحيح الأول . قال البغوي وغيره : فإن تيقن مع ذلك أنها زنت ، قذفها ولاعن ، وإلا فلا يقذفها ، لجواز أن يكون الولد من زوج قبله ، أو من وطء شبهة . قال الأئمة : وإنما يحصل اليقين إذا لم يطأها أصلا ، أو وطئها وأتت بولد لأكثر من [ ص: 329 ] أربع سنين من وقت الوطء ، أو لأقل من ستة أشهر . ولو وطئها وأتت بولد لأكثر من ستة أشهر ، ولدون أربع سنين ، فإن لم يستبرئها بحيضة ، أو استبرأها فأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء ، لم يحل له النفي ، ولا اعتبار بريبة يجدها في نفسه ، أو شبهة تخيل له فسادا ، وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من الاستبراء ، فثلاثة أوجه . أحدها : يجوز النفي ، لأن الاستبراء أمارة ظاهرة على أنه ليس منه ، والمستحب أن لا ينفيه ، لأن الحامل قد ترى الدم . والثاني : إن رأى بعد الاستبراء القرينة المبيحة للقذف ، جاز النفي ، بل لزمه ، وإن لم ير شيئا ، لم يجز . والثالث : يجوز النفي ، سواء وجدت قرينة وأمارة ، أم لا ، ولا يجب بحال للاحتمال . وأصح هذه الأوجه الثاني ، صححه الغزالي ، وبه قطع العراقيون ، وبالأول قطع البغوي .

قلت : جعل الرافعي الأوجه فيما إذا أتت بالولد لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء ، وكذا فعل القاضي حسين ، والإمام ، والبغوي ، والمتولي . والصحيح ما قاله المحاملي وصاحبا " المهذب " و " العدة " وآخرون أن الاعتبار في ستة الأشهر من حين زنى الزاني بها ، لأن مستند اللعان زناه ، فإذا ولدت لدون ستة أشهر من زنا ، ولأكثر من سنة من الاستبراء ، تيقنا أنه ليس من ذلك الزنا ، فيصير وجوده كعدمه ، ولا يجوز النفي ، وهذا أوضح . والله أعلم .

ولو كان الزوج يطأ ويعزل ، فالصحيح الذي قطع به صاحبا " المهذب " و " التهذيب " وغيرهما أنه لا يجوز النفي بذلك ، فقد سبق الماء ، وجعله الغزالي مجوزا للنفي . ولو جامع في الدبر أو فيما دون الفرج ، فله النفي على الأصح .

فرع

لو أتت بولد لا يشبهه ، نظر ، إن خالفه في نقص وكمال خلقة ، أو حسن وقبح ونحوها ، حرم النفي ، وإن ولدت أسود وهما أبيضان أو عكسه ، فإن لم ينضم [ ص: 330 ] إليه قرينة الزنا ، حرم النفي ، وإن انضمت أو كان يتهمها برجل ، فأتت بولد على لون ذلك الرجل ، جاز النفي على الأصح عند البندنيجي والروياني وغيرهما . وصحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب المنع .

قلت : المنع أصح ، وممن صححه غير المذكورين ، صاحبا " الحاوي " و " العدة " . والله أعلم .

قال الإمام : ولا يؤثر الاختلاف في الألوان المتقاربة ، كالأدمة والسمرة والشقرة ، والقرينة من البياض .

فرع

متى نفى الولد ولاعن ، حكم بنفوذه في الظاهر ، ولا يكلف بيان السبب الذي بنى النفي عليه ، لكن يجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى رعاية الأسباب المذكورة ، وبناء النفي على ما يجوز البناء عليه ، كما سبق .

فصل

لا يلحق الولد بالزوج إذا لم يتحقق إمكان الوطء ، فإذا نكح وطلقها في المجلس ، أو غاب عنها غيبة بعيدة لا يحتمل وصول أحدهما إلى الآخر ، وأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الغيبة ، أو جرى العقد والزوجان متباعدان ، أحدهما بالمشرق ، والآخر بالمغرب ، وأتت بولد لستة أشهر من حين العقد ، ففي كل هذه الصور ينتفي الولد بغير لعان .

فرع

إذا أتت بولد يمكن أن يكون منه ، لكنه رآها تزني واحتمل كونه من [ ص: 331 ] الزنا ، فليس له نفيه . وهل له القذف واللعان ؟ حكى الإمام عن العراقيين والقاضي ، أنه ليس له ذلك قال : والقياس جوازه لجواز القذف إذا تيقن الزنا ولا ولد ، انتقاما منها ، فحصل وجهان ، الصحيح : المنع ، لأن اللعان حجة ضرورية ، إنما يصار إليها لدفع النسب ، أو قطع النكاح حيث لا ولد ، خوفا من أن يحدث ولد على الفراش الملطخ ، وقد حصل الولد هنا ، فلم يبق فائدة ، ولأن في إثبات زناها تعيير الولد ، وإطلاق الألسنة فيه ، ولا يحتمل ذلك لغرض الانتقام مع إمكان الفراق بالطلاق .

قلت : هذا النقل عن العراقيين مطلقا غير مقبول على الإطلاق ، فقد قال صاحب " المهذب " : إن غلب على ظنه أنه ليس منه ، بأن علم أنه كان يعزل عنها ، أو رأى فيه شبه الزاني ، لزمه نفيه باللعان ، يعني بعد قذفها ، وإن لم يغلب على ظنه ، لم ينفه . وقال صاحب " الحاوي " : إذا وطئها ولم يستبرئها ورآها تزني ، فهو بالخيار بين اللعان بعد القذف ، أو بالإمساك . فأما نفي الولد ، فإن غلب على ظنه أنه ليس منه ، نفاه ، وإن غلب على ظنه أنه منه ، لم يجز نفيه ، وإن لم يظن أحد الأمرين ، جاز أن يغلب حكم الشبه ، وهذا هو القياس الجاري على قاعدة الباب . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث