الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        في التعليق بنفي التطليق

                                                                                                                                                                        وفي معناه التعليق بنفي دخول الدار والضرب ، وسائر الأفعال ، فإذا قال : إن لم أطلقك ، فأنت طالق ، لم يقع الطلاق حتى يحصل اليأس من التطليق .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إذا لم أطلقك ، فأنت طالق ، فإذا مضى زمن يمكنه أن يطلق فيه ، فلم يطلق ، طلقت ، هذا هو المنصوص في الصورتين ، وهو المذهب ، وقيل : [ ص: 134 ] قولان فيهما بالنقل والتخريج ، ولو قال : متى لم أطلقك ، أو " مهما " ، أو أي حين ، أو كلما لم أفعل ، أو تفعلي كذا ، فأنت طالق ، فمضى زمن يسع الفعل ولم يفعل ، طلقت على المذهب ، كلفظ إذا ، وأشار الحناطي إلى خلاف ، وضبط الأصحاب هذا تفريعا على المذهب ، بأن أدوات التعليق كلها تقتضي الفور في طرف النفي ، إلا لفظة " إن " ، فإنها للتراخي ، وفي تسمية هذا فورا وتراخيا ، نوع توسع ، ولكن المعنى مفهوم ، ولو علق النفي بلفظة " إن " ، وقيد بزمان ، فقال : إن لم أطلقك اليوم ، فأنت طالق ، وقلنا بالمذهب ، فإذا مضى اليوم ولم يطلق ، حكم بوقوع الطلاق قبيل غروب الشمس لحصول اليأس حينئذ ، ولو قال : إن تركت طلاقك ، فأنت طالق ، فإذا مضى زمن يمكنه أن يطلق فيه فلم يطلق ، طلقت ، بخلاف طرف النفي ، ولو طلقها في الحال واحدة ثم سكت ، لم يقع أخرى لأنه لم يترك طلاقها . قال البغوي : ولو قال : إن سكت عن طلاقك ، فأنت طالق فلم يطلقها في الحال ، وقع طلقة ، وإن طلقها في الحال ثم سكت ، وقعت أخرى بالسكوت ، ولا تطلق بعد ذلك لانحلال اليمين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : كلما سكت عن طلاقك ، أو كلما لم أطلقك ، فأنت طالق ، ومضت ثلاثة أوقات تسع ثلاث طلقات بلا تطليق ، طلقت ثلاثا ، وهذه الصور في المدخول بها ، فلو قال لغير المدخول بها : كلما لم أطلقك فأنت طالق ، ومضت لحظة لم يطلقها ، بانت ولا تلحقها الثانية ، فلو جدد نكاحها وقلنا : يعود الحنث ، فمضت لحظة ، وقعت طلقة أخرى ، ولو قال للمدخول بها عقب هذا التعليق بكلما : أنت طالق على ألف ، فقبلت ، بانت ولم تقع الثانية ، فإن جدد نكاحها ، عاد قولا عود الحنث .

                                                                                                                                                                        [ ص: 135 ] فرع

                                                                                                                                                                        إذا قلنا بالمذهب وهو الفرق بين " إن " و " إذا " فقال : أردت بإذا معنى إن ، دين ، ويقبل أيضا ظاهرا على الأصح ، وحيث قلنا : في " إن " أو " إذا " إنه إذا مضى زمن يسع التطليق فلم يطلق يقع ، فأمسك رجل فمه ، أو أكرهه على الامتناع من التطليق ، قال الحناطي : يخرج على الخلاف في حنث الناسي والمكره ، وحيث قلنا : لا يقع الطلاق حتى يتحقق اليأس من التطليق . ولليأس طرق ، أحدها : أن يموت أحد الزوجين قبل التطليق ، فيحكم بوقوع الطلاق قبيل الموت .

                                                                                                                                                                        والثاني : إذا جن الزوج ، لا يحصل اليأس لاحتمال الإفاقة ، فإن اتصل بالموت ، تبينا حصول اليأس من وقت الجنون ، فيحكم بوقوع الطلاق قبيل الجنون .

                                                                                                                                                                        الثالث : إذا فسخ النكاح بسبب ، لم يحصل اليأس ، لاحتمال التجديد ، لأن البر والحنث لا يختص بحال النكاح ، ولذلك تنحل اليمين بوجود الصفة في البينونة ، فإن مات أحدهما قبل التجديد والتطليق ، حكم بوقوع الطلاق قبيل الانفساخ ، هكذا قاله الإمام ، وتابعه الغزالي وغيره . قالوا : وإنما يتصور ذلك في الطلاق الرجعي ، ليمكن اجتماعه هو والانفساخ ، فلو كان الطلاق بائنا لكونه ثلاثا ، أو قبل الدخول ، لم يمكن إيقاعه قبل الانفساخ ، لما فيه من الدور ، فإنه لو وقع لما حصل الانفساخ ، ولو لم يحصل الانفساخ لم يحصل اليأس ، وإذا لم يحصل اليأس ، لم يقع الطلاق ، فيلزم من وقوعه عدم وقوعه ، وهذا من قبيل الدور الحكمي ، وأما إذا جدد نكاحها بعد الانفساخ ، فإن طلقها في النكاح الثاني ، لم يفت التطليق ، بل قد حصل ، وإن لم يطلقها حتى مات أحدهما ، بني على قولي عود الحنث ، إن قلنا : يعود ، طلقت في النكاح الثاني قبل الموت ، وبنينا النكاح على النكاح ، وإن قلنا : [ ص: 136 ] لا يعود الحنث ، لم يمكن إيقاع الطلاق قبيل الموت ، فيحكم بوقوع الطلاق قبيل الانفساخ كما سبق . واعلم أن هذه الطرق الثلاثة ، هي فيما إذا كان التعليق بنفي التطليق ، أما إذا علق بنفي الضرب وسائر الأفعال ، فالجنون لا يوجب اليأس ، وإن اتصل به الموت ، قال الغزالي : لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها ، كضرب العاقل على الصحيح ، ولو أبانها ودامت البينونة إلى الموت ، ولم يتفق الضرب ، لم يقع الطلاق ولا يحكم بوقوعه قبيل البينونة ، بخلاف قوله : إن لم أطلقك ، لأن الضرب بعد البينونة ممكن ، والطلاق بعد البينونة غير ممكن ، وإذا كان التعليق بنفي الضرب ونحوه من الأفعال ، فعروض الطلاق كعروض الفسخ والانفساخ ، لكن ينبغي أن يبقى من الطلاق عدد يمكن فرضه ، مستندا إلى قبيل الطلاق ، فأما في التعليق بنفي التطليق ، فإنما تفرض البينونة بالانفساخ ، لأنه لو طلقها بطلت الصفة المعلق عليها ، ويمكن أن تفرض في طلاق الوكيل ، فإنه لا تفوت الصفة .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        " إن " الشرطية هي بكسر الهمزة ، فإن فتحت ، صارت للتعليل ، فإذا قال : أنت طالق أن لم أطلقك بفتح الهمزة ، طلقت في الحال ، ثم الذي قاله الشيخ أبو حامد والإمام والغزالي والبغوي ، إن هذا في حق من يعرف اللغة ، ويفرق بين أن وإن ، فإن لم يعرف ، فهو للتعليق . وقال القاضي أبو الطيب : يحكم بوقوع الطلاق في الحال ، إلا أن يكون الرجل ممن لا يعرف اللغة ولا يميز ، وقال : قصدت التعليق ، فيصدق ، وهذا أشبه ، وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ ، وبه قطع المتولي .

                                                                                                                                                                        [ ص: 137 ] قلت : الأول أصح ، وبه قطع الأكثرون . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وعلى هذا القياس طرق الإثبات ، فإذا قال : أنت طالق إن دخلت الدار ، وإن دخلت الدار فأنت طالق ، طلقت في الحال وإن لم تكن دخلت الدار ، ولو قال : أنت طالق إن طلقتك ، حكم بوقوع طلقتين ، واحدة بإقراره ، وأخرى بإيقاعه في الحال ، لأن المعنى : أنت طالق لأني طلقتك ، ولو قال : أنت طالق إذ دخلت الدار ، طلقت في الحال ، لأن " إذ " للتعليل أيضا . فإن كان القائل لا يميز بين " إذ " و " إذا " ، فيمكن أن يكون الحكم كما لو لم يميز بين إن وأن .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أنت طالق طالقا ، قال الشيخ أبو عاصم : لا يقع في الحال شيء ، لكن إذا طلقها وقع طلقتان ، والتقدير : إذا صرت مطلقة فأنت طالق ، وهذا في المدخول بها ، ولو قال : أنت طالق إن دخلت الدار طالقا ، فإن طلقها قبل الدخول ، فدخلت الدار طالقا ، وقعت المعلقة إذا لم تحصل البينونة بذلك الطلاق ، وإن دخلت غير طالق ، لم تقع تلك المعلقة ، ولو قال : أنت طالق فطالق إن دخلت الدار طالقا ، فهذا تعليق طلقتين بدخولها الدار طالقا ، فإن دخلت طالقا ، وقع طلقتان بالتعليق ، ولو قال : أنت إن دخلت الدار طالقا ، واقتصر عليه ، قال البغوي : إن قال : نصبت على الحال ، ولم أتم الكلام ، قبل منه ، ولم يقع شيء ، وإن أراد ما يراد عند الرفع ولحن ، وقع الطلاق إذا دخلت الدار .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال إسماعيل البوشنجي : لو قال : أنت طالق حين لا أطلقك ، أو حيث [ ص: 138 ] لا أطلقك ، ولم يطلقها عقبه ، طلقت في الحال على قياس مذهبنا ، وكذا لو قال : حين لم أطلقك ، أو حيث لم أطلق ، أو ما لم أطلقك ، ولو قال : أنت طالق إن لم أضربك ، أو إن لم أضربك فأنت طالق ، وقال : أردت وقتا ، دين ، سواء عين الساعة أو وقتا قريبا أو بعيدا ، وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفي الطلاق وسائر الأفعال ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية