الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ادعى المستودع أنه أنفق الوديعة على عيال المودع بأمره

( وإذا ) جحد المستودع ما عنده من الوديعة ، ثم أودع من ماله عند المودع مثل ذلك : وسعه إمساكه قصاصا بما ذهب به من وديعته ; لأن المال صار دينا له على المستودع بجحوده . وصاحب الحق متى ظفر بجنس حقه من مال المديون يكون له أن يأخذه . والأصل فيه : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند : { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } .

( وقيل ) في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الحق : اليد واللسان ، أن المراد أخذ جنس حقه إذا ظفر به . وكذلك إن كان المال دينا عليه ، وأنكره ، ثم أودعه مثله ، فأما إذا أودعه شيئا من غير جنس حقه لم يسعه إمساكه عنه ; لأن هذا بيع عند اختلاف الجنس فلا ينفرد هو به ، والأول : استيفاء ، وصاحب الحق ينفرد بالاستيفاء ، وحكي عن ابن أبي ليلى رحمه الله التسوية بينهما ; للمجانسة من حيث المالية ، ولكنه بعيد ; فالوديعة عين لا يكون له أن يحبسها باعتبار صفة المالية ، إذا لم يثبت له حق تملك العين ، ولا يدخل عليه المرهون ; لأن هناك : المرتهن يحبس المرهون بإيجاب الراهن ملك اليد له في العين ، وإن كان عند الهلاك يصير مستوفيا دينه باعتبار المالية ، ثم عند المجانسة إذا طلب الثاني يمين المودع الأول ، كان له أن يحلف بالله : لا يلزمني تسليم شيء إليك ، فإن قال للقاضي : حلفه بالله ما استودعته كذا : فله ذلك إلا أن يؤدي المدعى عليه ، فيقول : قد يودع الرجل غيره شيئا ، ثم لا يلزمه تسليم شيء إليه . فإن أدى بهذه الصفة ، فقد طلب من القاضي أن ينظر له ، فيجيبه إلى ذلك .

فأما إذا لم يذكر هذا فإن القاضي يحلفه - كما طلب الخصم - بالله ما أودعه ما يدعي ، ثم لا ينبغي له أن يحلف على ذلك ; لأنه يكون كاذبا في يمينه ، ولا رخصة في اليمين الكاذبة ، فطريق التخلص له : أن [ ص: 129 ] يعرض للقاضي بما ذكرنا ، أو يحلف : ما استودعتني شيئا إلا كذا وكذا ، يستثني ذلك بكلامه ويخفيه من خصمه ومن القاضي ، ويسعه ذلك ; لأنه مظلوم دافع الضرر عن نفسه ، غير قاصد إلى الإضرار بغيره ، إلا أن مجرد نيته لا تكفي لذلك ; لأنه يحتاج إلى إخراجه من جملة ما يتناوله كلامه ، لولا الاستثناء ، وذلك يحصل بالنية ; لأن الاستثناء بيان أن كلامه عبارة عما وراء المستثنى ، فلا يحصل ذلك إلا بما يصلح أن يكون ناسخا ، أو معارضا ، ومجرد النية لا تصلح لذلك ; فلهذا شرط التكلم بالاستثناء . وجه ذلك ما لو قرب إنسان أذنه من فمه سمع ذلك ، وفهمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث