الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من كان من ورثة المفقود غنيا

ومن كان من ورثة المفقود غنيا فلا نفقة له في ماله ما خلا الزوجة لأن حياته معلوم ، ولا يستحق أحد من الأغنياء النفقة في مال الحي سوى الزوجة ; لأن استحقاق الزوجة بالعقد ، فلا يختلف باليسار والعسرة أو بكونها محبوسة بحقه ، وذلك موجود في حق المفقود ، فأما استحقاق من سواها فباعتبار الحاجة ، وذلك ينعدم بغنى المستحق ، فإن كانت له غلة جعل القاضي فيها من يحفظها ; لأنه ناظر لكل من عجز عن النظر لنفسه ، والمفقود عاجز عن النظر لنفسه فينصب القاضي في غلاته من يجمعها ، ويحفظها عليه ، وما كان يخاف عليه الفساد من متاعه ، فإن القاضي يبيعه ; لأن حفظ عينه عليه متعذر فيصير إلى حفظ [ ص: 39 ] ماليته عليه ، وذلك يكون بالبيع وينفق على زوجته وأولاده الصغار أو الكبار من الإناث أو الزمنى من الذكور من ماله بالمعروف ، وهذا إذا كان السبب معلوما عنده ; لأنه لو كان حاضرا قضى بالنفقة لهم عليه بعلمه ، فإن كان غائبا يقضي بذلك لهم في ماله أيضا ، وقيل : هذا لا يكون منه قضاء على الغائب على الحقيقة بل يكون تمكينا للمستحق من أخذ حقه ، ولو تمكنوا من ذلك كان لهم أن يأخذوه فيعينهم القاضي على ذلك ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان رضي الله عنه : { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } وقيل : بل هو قضاء منه ، وللقاضي ولاية القضاء على الغائب بعلمه ، كما إذا أقر بين يديه ثم غاب .

ثم هذا نظر منه للغائب ; لأن ملك النكاح حقه في زوجته ، ولا يبقى بدون النفقة فكان له أن ينفق عليها من ماله حفظا لملكه عليه ، وكذلك ولده جزء منه فينفق عليه من ماله حفظا لنسله . وللقاضي ولاية في ماله فيما يرجع إلى الحفظ والنظر ، وإن استوثق منهم بكفيل فحسن ، وإن لم يأخذ منهم كفيلا فهو مستقيم أيضا إلا أن الأحوط أن يأخذ الكفيل لجواز أن يكون فارقها قبل أن يفقد ، أو كان عجل لها النفقة لمدة فكان تمام النظر في الاستيثاق بالكفيل ، وهذا قولهم جميعا ; لأن هذه كفالة للمفقود وهو معلوم ، ولكن لا يجب على القاضي أخذ الكفيل من غير خصم يطلب ذلك ، وليس هنا خصم طالب ، فلهذا يسعه أن لا يأخذ كفيلا ، ولم ينفق من ماله على غير من سمينا من ذي الرحم المحرم ; لأن وجوب النفقة عليه لهم لا يكون إلا بعد قضاء القاضي ، والقاضي لا يقضي على الغائب ، ولأن ولايته فيما يرجع إلى النظر للمفقود ، وذلك لا يوجد في حق ذي الرحم المحرم ، ولا يبيع شيئا مما لا يخاف عليه الفساد من ماله في نفقة ولا غيرها ; لأن ولاية البيع للنظر له ، وحفظ العين فيما يتأتى حفظه نظر له ، فلا يبيع شيئا من ذلك ، وهو في الإنفاق على من سميناهم معين لهم على أخذ حقهم ، وإنما يثبت لهم حق الأخذ إذا ظفروا بجنس حقهم ، ولا يكون لهم أن يبيعوا عروضا ولا غيرها فكذلك القاضي لا يبيع شيئا من ذلك ، فإن لم يكن له مال إلا دار ، واحتاج زوجته وولده إلى النفقة لم يبع لهم الدار ، وكذلك لو كان خادم ; لأن هذا مما لا يخاف عليه الفساد من ملكه ، فلا يكون بيعه محض الحفظ عليه ، فلهذا لا يبيعه بخلاف ما يخاف فساده .

وهذا بخلاف الوصي في حق الوارث الكبير الغائب ، فإن له أن يبيع العروض ; لأن ولايته ثابتة فيما يرجع إلى حق الموصي ، وبيع العروض فيه معنى حقه [ ص: 40 ] وربما يكون حفظ الثمن للاتصال إلى ورثته أيسر من حفظ العين ، وهنا لا ولاية للقاضي على المفقود إلا في الحفظ فقط ، وحفظ عين ملكه عند الإمكان أنفع له ; فلهذا لا يبيع شيئا من العروض ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن كان له أب محتاج فلابنه أن يبيع شيئا من ماله من العروض وينفق على نفسه ، وليس له أن يبيع العقار وهو استحسان ، وفي القياس له أن يبيع العروض ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله ، وذكر الكرخي أن محمدا ذكر قول أبي حنيفة رحمه الله في الأمالي وقال : هو حسن .

وجه القياس أنه لا ولاية للأب في مال ولده الكبير ، ونفوذ البيع يعتمد الولاية ألا ترى أنه لا يبيع عقاره لهذا ، ولا يبيع عروضه إذا كان حاضرا ، والحاضر والغائب في حكم الولاية للأب عليه سواء ألا ترى أنه لما ثبت له ولاية التملك بالاستيلاد لم يفترق الحال بين حضور الولد وغيبته .

ووجه الاستحسان أن ولاية الأب ، وإن زالت بالبلوغ فقد بقي أثرها حتى يصح منه استيلاد جارية الابن لحاجته إلى ذلك ، وحاجته إلى النفقة لبقاء نفسه حاجته إلى الاستيلاد لبقاء نسله ، ولهذا يتملك هناك بضمان القيمة ، وينفق على نفسه من ماله بغير ضمان ، وإذا ثبت بقاء أثر ولايته كان حاله كحال الوصي في حق الوارث الكبير الغائب ، وهناك ثبت له حق بيع العروض دون بيع العقار ; لأن بيع العروض من الحفظ ، وبيع العقار ليس من الحفظ ، فإن العقارات محصنة بنفسها ; ولهذا لا يبيع حال حضوره ; لأن بيعه في هذه الحالة ليس من الحفظ ، فإن الابن حافظ لماله كما لا يبيع الوصي عروض الولد الكبير الحاضر ، ولا يبعد زوال ولاية الأب بالبلوغ مع بقاء أثره ، كما لو مات وأوصى إلى رجل زالت ولايته بالموت ، وبقي أثره ببقاء الوصي ، فإن كان للمفقود دنانير أو دراهم أو ذهب أو فضة تبرا أنفق عليهم من ذلك ، وكذلك كل ما كان يخاف عليه الفساد من غلته ومتاعه فإن القاضي يبيع ذلك وينفق عليهم منه ، وإن باعته زوجته أو الولد فبيعهما باطل ; لأن البيع من الحفظ ، وليس من استيفاء النفقة في شيء ، وإليهما حق استيفاء النفقة دون الحفظ ، وأما القاضي فله حق الحفظ في مال المفقود ، وبيع ما يخاف عليه الفساد من الحفظ ، وبعد البيع الثمن من جنس حقهم فينفق عليهم منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث