الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع قال رجلان لآخر ضمنا مالك على فلان

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا طالب المستحق الضامن فله مطالبة الأصيل ) أو وليه ( بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه ) لأنه الذي ورطه في المطالبة لكن ليس له حبسه وإن حبس ولا ملازمته ففائدتها إحضاره مجلس القاضي وتفسيقه بالامتناع إذا ثبت له مال ( والأصح أنه لا يطالبه ) بالدين الحال ( قبل أن يطالب ) كما لا يغرمه مثل الغرم ( وللضامن ) بعد أدائه من ماله كما أفاده السياق ( الرجوع على الأصيل إن وجد إذنه في الضمان والأداء ) لصرف ماله لغرض الغير بإذنه أما لو أدى من سهم الغارمين فلا رجوع له [ ص: 274 ] وكذا لو ضمن سيده ثم أدى بعد عتقه أو نذر ضامن الأداء وعدم الرجوع ( وإن انتفى ) إذنه ( فيهما ) أي الضمان والأداء ( فلا ) رجوع له لأنه متبرع ( فإن أذن ) له ( في الضمان فقط ) أي دون الأداء ولم ينهه عنه ( رجع في الأصح ) لأن الضمان هو الأصل فالإذن فيه إذن فيما يترتب عليه .

أما إذ نهاه عنه بعد الضمان فلا يؤثر أو قبله فإن انفصل عن الإذن فلا رجوع عنه وإلا أفسده ذكره الإسنوي وقد لا يرجع بأن أنكر أصل الضمان فثبت عليه بالبينة مع إذن الأصيل له فيه فكذبها لأنه بتكذيبها صار مظلوما بزعمه والمظلوم لا يرجع على غير ظالمه [ ص: 275 ] وهو هنا المستحق ( ولا عكس في الأصح ) بأن ضمن بلا إذن وأدى بالإذن لأن وجوب الأداء سببه الضمان ولم يأذن فيه نعم إن أذن له في الأداء بشرط الرجوع رجع وحيث ثبت الرجوع فحكمه حكم القرض حتى يرد في المتقوم مثله صورة

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله أو وليه ) قال في شرح الروض في المجنون والمحجور عليه بسفه سواء أكان الضمان بإذنهما قبل الجنون والحجر بإذن وليهما بعد انتهى ( قوله أو وليه ) ما لم يزل الحجر فإن زال توجه الطلب على المحجور عليه كذا في شرح الروض عن المطلب ( قوله ليس له حبسه وإن حبس ولا ملازمته ) قال في العباب بعد هذا قال في الأنوار وله طلب حبسه معه انتهى فليتأمل معناه مع هذا ( قوله كما لا يغرمه قبل الغرم ) قال في شرح الروض أما إذا سلم فله مطالبته أي بالمال وحبسه وملازمته ولو دفع إليه الأصيل المال بلا مطالبة وقلنا لا يملكه أي وهو الأصح فعليه رده ويضمنه إن هلك كالمقبوض بشراء فاسد فلو قال له اقض به ما ضمنته عني فهو وكيل والمال أمانة في يده صرح بذلك في الأصل في النسخ المعتمدة انتهى ( قول المصنف وللضامن الرجوع إلخ ) قال في الروض وشرحه ولو ضمن رجال عن الضامن وأدى فرجوعه إن ثبت على الضامن الأول لا على الأصيل وصرح الأصل بأنه إذا لم يثبت له الرجوع على الأول لم يثبت بأدائه الرجوع للأول على الأصيل لأنه لم يغرم وبأنه إذا ثبت له الرجوع على الأول فرجع رجع الأول على الأصيل بشرطه وبأنه لو ضمن شخص الضامن بإذن الأصيل رجع عليه كما لو قال لغيره أد ديني فأداه وبأنه لو ضمن عن الأصيل بإذنه رجع من أدى منهما عليه [ ص: 274 ] لا على الآخر أو ضمن عن الضامن والأصيل بإذنهما رجع على من شاء منهما بما شاء انتهى ببعض اختصار .

( فرع ) في الناشري ما نصه تنبيه لو ضمن بإذن الولي في صورة الصغير والمجنون طالب الولي فلو اتفق ذلك بعد رشدهما فالمتجه مطالبتهما وإذن الولي في حال الحجر يقوم مقام إذنهما ولم أر من تعرض لذلك قاله أبو زرعة قال الأذرعي نعم لو كان الصبي معدما فالظاهر أن الولي لا يطالب بخلاص الصبي بخلاف ما إذا كان الصبي موسرا قال الماوردي ولو كان غير الأب أمره بالضمان عنه فليس للضامن المطالبة بخلاصه لأحد لأنه ضمن بإذن من لا ولاية له انتهى فافهم إن أذن له الحاكم والوصي ليس كإذن الأب انتهى .

( قوله وكذا لو ضمن سيده إلخ ) عبارته في شرح الإرشاد ولو ضمن عبد عن سيده بإذنه وأدى بعد العتق لم يرجع كما لو أجره ثم أعتقه أثناء المدة لا يرجع بأجرة بقيتها وكذا لو ضمن عن قنه بإذنه وأدى قبل عتقه أو عن مكاتبه وأدى بعد تعجيزه لأن السيد لا يثبت له على عبده دين انتهى وقضية تقييده بقبل العتق وبعد التعجيز أنه لو أدى بعد العتق وقبل التعجيز رجع ولو قريب مفهوم من التعليل المذكور ( قوله أو نذر ضامن الأداء ) قد يستشكل انعقاد نذر الأداء مع وجوبه على الضامن والواجب لا ينعقد نذره اللهم إلا أن يجعل المنذور مجرد عدم الرجوع فقط حتى يكون المقصود من قوله لله علي الأداء وعدم الرجوع هو نذر عدم الرجوع فقط .

( قوله [ ص: 275 ] نعم إن أذن له في الأداء بشرط الرجوع رجع ) ينبغي أن يقوم مقام شرط الرجوع التعريض به كأن يقول له أولا أفوت عليك شيئا أو وأعوض عليك أو وأكافئك كما قالوا نظير ذلك فيمن عمل لغيره بغير تصريح بأجرة ثم الرجوع عند الشرط ظاهر إن أدى عن جهة الإذن فإن قصد الأداء عن جهة الضمان فينبغي عدم الرجوع لصرفه الأداء عن الجهة المقتضية للرجوع ولو لم يقصد واحدة من الجهتين فعلى أيهما ينحط محل نظر ، وقوة عبارة الشارح كغيره تقتضي الرجوع فيكون منحطا على جهة الإذن ويوجه بأن وقوعه بعد الإذن يقتضي إلغاء النظر إلى الضمان ، وقصر النظر على الإذن ما لم يقصد الصرف عنه ولو قصد الأداء عن الجهتين جميعا فهل يقسم بينهما أو يغلب أحدهما وأيهما يغلب فيه نظر والقسمة غير بعيدة فليتأمل



حاشية الشرواني

( قوله أو وليه ) قال في المطلب ولو كان الأصيل محجورا عليه لصبا فللضامن بإذن وليه إن طولب طلب الولي بتخليصه ما لم يزل الحجر فإن زال توجه الطلب على المحجور عليه ويقاس بالصبي المجنون والمحجور عليه بسفه سواء كان الضمان بإذنهما قبل الجنون والحجر أم بإذن وليهما بعد ذلك ا هـ مغني وفي سم عن شرح الروض مثله قول المتن ( إن ضمن بإذنه ) أي أما لو ضمن بغير إذنه فليس له مطالبته لأنه لم يسلطه عليه نهاية ومغني ( قوله لأنه الذي ورطه ) أي أوقعه في مشقة المطالبة وأصل التوريط الإيقاع في الهلاك ا هـ .

ع ش ( قوله ليس له حبسه إلخ ) قال في العباب بعد هذا قال في الأنوار وله طلب حبسه معه انتهى فليتأمل معناه مع هذا ا هـ سم وفي ع ش بعد ذكر كلام الأنوار ما نصه أي ولا يجب عليه أن يحبسه معه بل يتخير وعليه فقول الشارح م ر ليس له حبسه أي ليس له الإلزام بحبسه ا هـ .

( قوله ففائدتها ) أي المطالبة ا هـ ع ش قول المتن ( والأصح أنه لا يطالبه إلخ ) وعليه ليس له مطالبة المضمون له بأن يطالبه أو يبرئه ولا مطالبة الأصيل بالمال حيث كان ضامنا بالإذن ما لم يسلمه فلو دفع له الأصيل ذلك من غير مطالبة أي من رب الدين لم يملكه ولزمه رده وضمانه إن تلف كالمقبوض بشراء فاسد فلو قال له اقض به ما ضمنته عني كان وكيلا والمال في يده أمانة ولو أبرأ الضامن الأصيل أو صالح عما سيغرم فيهما أي الضمان والكفالة أو رهنه الأصيل شيئا بما ضمنه أو أقام به كفيلا لم يصح إذ لم يثبت للضامن حق بمجرد الضمان ولو شرط الضامن حال الضمان أن يرهنه الأصيل شيئا أو يقيم له به ضامنا فسد أي الضمان لفساد الشرط نهاية ومغني وقوله وعليه ليس له أي للضامن وكذا ضمائر بأن يطالبه إلخ ودفع له ولزمه وقال له وضمنته ورهنه وأن يرهنه ويقيم له .

( قوله بعد أدائه إلخ ) أي ولم يقصد الأداء عن غير جهة الضمان ا هـ .

نهاية أي بأن قصد الأداء عن جهة الضمان أو أطلق ع ش وينبغي في صورة الإطلاق أن محلها إن لم يكن عليه دين آخر للمضمون له فليتأمل رشيدي ( قوله لصرفه ) إلى المتن في المغني ( قوله لغرض الغير ) أي الواجب على ذلك الغير كما يعلم مما مر في القرض ا هـ .

رشيدي ( قوله أما لو أدى إلخ ) أي الضامن محترز قوله السابق من ماله . عبارة المغني هذا إذا أدى من ماله أما لو أخذ من سهم [ ص: 274 ] الغارمين فأدى به الدين فإنه لا يرجع كما ذكروه في الصدقات خلافا للمتولي ا هـ .

( قوله لو ضمن سيده ) أي بإذنه لأجنبي ثم أدى بعد عتقه لعل وجهه أنه لما جرى سبب الوجوب قبل العتق كان المغروم بسبب الضمان كأنه من مال السيد ا هـ ع ش وفي النهاية عطفا على ما مر أو ضمن السيد دينا على عبده غير المكاتب بإذنه وأداه قبل عتقه أو على مكاتبه بإذنه وأداه بعد تعجيزه أو ضمن فرع عن أصله صداق زوجته بإذنه ثم طرأ إعساره بحيث وجب إعفافه قبل الدخول وامتنعت الزوجة من تسليم نفسها حتى تقبض الصداق فأداه الضامن فلا رجوع وإن أيسر المضمون أي الأصيل وكذا لو ضمنه عنه عند وجوب الإعفاف بإذنه ثم أدى ا هـ .

قال ع ش قوله م ر قبل عتقه مفهومه أنه لو أدى بعد عتقه رجع عليه وقوله م ر فلا رجوع أي لأن ما أداه صار واجبا عليه بإعسار أصله وعلى هذا لو تزوج الأصل زوجتين وضمن صداقهما الفرع بإذن أصله ثم أعسر الأصل فينبغي أن الفرع إذا غرم يرجع بصداق واحدة منهما لحصول الإعفاف بها وتكون الخيرة للفرع فيما يرجع به من الصداقين ا هـ .

( قوله أو نذر ضامن ) أي بالإذن ( الأداء ) قد يستشكل انعقاد نذر الأداء مع وجوبه على الضامن والواجب لا ينعقد نذره اللهم إلا أن يجعل المنذور مجرد عدم الرجوع فقط حتى يكون المقصود من قوله لله علي الأداء وعدم الرجوع هو نذر عدم الرجوع ا هـ .

سم عبارة ع ش فإن نذر الأداء ولم يذكر الرجوع ثم أدى لم يرجع قاله الجلال البلقيني لأن الأداء صار واجبا فيقع الأداء عن الواجب ونازعه م ر في نفس انعقاد النذر لأن الأداء واجب لا يصح نذره انتهى ا هـ .

أقول ولك دفع إشكال سم ونزاع م ر بأن وجوب الأداء على الضامن على سبيل الكفاية كما مر وفرض الكفاية ينعقد نذره قول المتن ( وإن انتفى فيهما فلا ) شمل ما لو أذن له المديون في أداء دينه فضمنه وأدى عن جهة الضمان وما لو قال له أد عني ما ضمنته لترجع به علي وأدى لا عن جهة الإذن ا هـ نهاية قال الرشيدي قوله م ر عن جهة الضمان خرج به ما لو أدى عن جهة الإذن أو أطلق لكن الشهاب ابن قاسم نقل عنه في حواشي المنهج أنه لا رجوع في صورة الإطلاق فلعل ما اقتضاه كلامه هنا غير مراد له فليراجع ا هـ .

وقال ع ش قوله م ر لا عن جهة الإذن أي بأن أدى عن جهة الضمان أو أطلق فليتأمل ولو اختلفا في النية وعدمها صدق الدافع فإن النية لا تعلم إلا من جهته ا هـ .

( قوله ولم ينهه عنه ) أي عن الأداء ا هـ ع ش ( قوله بعد الضمان ) حق العبارة فإن كان بعد الضمان إلخ ا هـ رشيدي ( قوله فلا يؤثر ) أي النهي فيرجع بما أدى ا هـ ع ش ( قوله فإن انفصل عن الإذن ) بأن طال الزمن بينهما ا هـ ع ش ( قوله فهو ) أي النهي ( رجوع عنه ) أي الإذن وهو صحيح ا هـ ع ش ( قوله وإلا أفسده ) أي وإن كان النهي مقارنا للإذن أفسد النهي الإذن فلا رجوع في الصورتين ( قوله وقد لا يرجع ) إلى قول المتن ولو أدى [ ص: 275 ] في المغني ( قوله وهو إلخ ) أي ظالمه ( قوله نعم إن أذن له في الأداء بشرط الرجوع إلخ ) ينبغي أن يقوم مقام شرط الرجوع التعريض به كأن يقول له أد ولا أفوت عليك شيئا أو وأعوض عليك أو وأكافئك كما قالوا نظير ذلك فيمن عمل لغيره بغير تصريح بأجرة ثم الرجوع عند الشرط ظاهر إن أدى عن جهة الإذن فإن قصد الأداء عن جهة الضمان فينبغي عدم الرجوع لصرفه الأداء عن الجهة المقتضية للرجوع ولو لم يقصد واحدة من الجهتين فعلى أيهما ينحط محل نظر ؛ وقوة عبارة الشارح كغيره تقتضي الرجوع فيكون منحطا على جهة الإذن ويوجه بأن وقوعه بعد الإذن يقتضي إلغاء النظر إلى الضمان وقصر النظر على الإذن ما لم يقصد الصرف عنه ولو قصد الأداء عن الجهتين جميعا فهل يقسم بينهما أو يغلب أحدهما وأيهما يغلب فيه نظر والقسمة غير بعيدة فليتأمل .

ا هـ سم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث