الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب " رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت "

6442 25 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة، عجلنا الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم [ ص: 7 ] يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله، ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خيرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ألا إن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له ؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت، أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير [ ص: 8 ] فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر: خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله: "إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة" .

وعبد العزيز: ابن عبد الله بن يحيى الأويسي المدني ، وإبراهيم: ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، وصالح: ابن كيسان .

قوله: "كنت أقرئ" بضم الهمزة، من الإقراء، أي كنت أقرئ قرآنا، وفيه دلالة على أن العلم يأخذه الكبير عن الصغير، وأغرب الداودي فقال: يعني يقرأ عليهم، ويلقنونه، واعترضه ابن التين وقال: هذا خروج عن الظاهر .

قوله: "في آخر حجة حجها" يعني عمر رضي الله عنه، وكان ذلك في سنة ثلاث وعشرين .

قوله: "إذ رجع" جواب قوله: "فبينما" .

قوله: "إلي" بتشديد الياء .

قوله: "لو رأيت رجلا" جزاؤه محذوف تقديره: لرأيت عجبا، أو كلمة "لو" للتمني، فلا تحتاج إلى جواب .

قوله: "هل لك في فلان" لم يدر اسمه .

قوله: "لو قد مات عمر " كلمة "قد" مقحمة ؛ لأن "لو" لازم أن يدخل على الفعل، وقيل: "قد" في تقدير الفعل، ومعناه: لو تحقق موت عمر .

قوله: "لقد بايعت فلانا" يعني طلحة بن عبيد الله ، وقال الكرماني : هو رجل من الأنصار ، وكذا نقله ابن بطال عن المهلب ، لكن لم يذكر مستنده في ذلك .

قوله: "إلا فلتة" بفتح الفاء وسكون اللام وبالتاء المثناة من فوق، أي فجأة، يعني بايعوه فجأة من غير تدبر .

قوله: "وتمت" أي وتمت المبايعة عليه .

قوله: "أن يغصبوهم أمرهم" كذا هو في رواية الجميع بغين معجمة وصاد مهملة، وفي رواية مالك : يغتصبوهم، بزيادة تاء الافتعال، ويروى: أن يغصبونهم، وهي لغة كقوله تعالى: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح بالرفع، وهو تشبيههم "أن" بـــــــــ "ما" المصدرية، فلا ينصبون بها، أي الذين يقصدون أمورا ليس ذلك وظيفتهم ولا لهم مرتبة ذلك، فيريدون مباشرتها بالظلم والغصب، وحكى ابن التين أنه روي بالعين المهملة وضم أوله من أعصب: أي صار لا ناصر له، والمعصوب: الضعيف، من أعصبت الشاة: إذا انكسر أحد قرنيها، أو قرنها الداخل وهو المشاش، والمعنى أنهم يغلبون على الأمر فيضعف لضعفهم .

قوله: "رعاع الناس" بفتح الراء وبعينين مهملتين، وهم الجهلة الأراذل والغوغاء، بغينين معجمتين بينهما واو ساكنة، وهو في الأصل الجراد الصغار حين يبدأ في الطيران، ويطلق على السفلة المتسرعين إلى الشر .

قوله: "يغلبون على قربك" أي هم الذين يكونون قريبا منك عند قيامك للخطبة لغلبتهم، ولا يتركون المكان القريب إليك لأولي النهى من الناس، ووقع في رواية الكشميهني وأبي زيد المروزي : قرنك، بكسر القاف وبالنون وهو خطأ، وفي رواية ابن وهب عن مالك : على مجلسك إذا قمت في الناس .

قوله: "يطيرها" بضم الياء من الإطارة، يقال: أطار الشيء إذا أطلقه .

قوله: "كل مطير" بالرفع فاعل "يطيرها" والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المقالة، و "مطير" بضم الميم: اسم فاعل من الإطارة [ ص: 9 ] وفي رواية السرخسي : "يطير بها" بفتح الياء وبالباء الموحدة بعد الراء، أي يحملون مقالتك على غير وجهها .

قوله: "وأن لا يعوها" أي وأن لا يحفظوها، من الوعي وهو الحفظ .

قوله: "وأن لا يضعونها" وترك النصب جائز مع الناصب، لكنه خلاف الأفصح .

قوله: "فأمهل" أمر من الإمهال، هو التؤدة والرفق والتأني، يقال: أمهلته إذا انتظرته ولم تعاجله .

قوله: "فتخلص" بضم اللام وبالصاد المهملة، أي تصل .

قوله: "متمكنا" حال من الضمير الذي في "قلت" .

قوله: "فيعي" أي يحفظ أهل العلم مقالتك .

قوله: "أقومه" وفي رواية السرخسي : أقوم بدون الضمير .

قوله: "في عقب ذي الحجة" بفتح العين المهملة وكسر القاف أو السكون، والأول أولى لأنه يقال لما بعد التكملة، والثاني لما قرب منها، يقال: جاء عقب الشهر بالوجهين، والواقع الثاني ؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه قدم قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الأربعاء، وقال الكرماني : قوله: "عقب ذي الحجة" أي يوم هو آخره، أو الشهر المعاقب له، أي أول المحرم، وفي التوضيح: يقال: جاء على عقب الشهر وفي عقبه بضم العين وإسكان القاف إذا جاء بعد تمامه .

قوله: "عجلنا الرواح" ، ويروى "عجلنا بالرواح"، وهكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره: "عجلت الرواح" بدون الباء .

قوله: "حين زاغت الشمس" أي حين زالت الشمس عن مكانها، والمراد به اشتداد الحر .

قوله: "حتى أجد" قال الكرماني : أجد بالرفع، قلت: لا يرتفع الفعل بعد (حتى) إلا إذا كان حالا، ثم إذا كان الحال بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب، وإن كان محكيا جاز الرفع والنصب كما في قراءة نافع : "حتى يقول الرسول" بالرفع .

قوله: " سعيد بن زيد " هو أحد العشرة المبشرة .

قوله: "حوله" وفي رواية الإسماعيلي : "حذوه"، وفي رواية إسحاق الفربري عن مالك : "حذاه"، وفي رواية معمر : "فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته" .

قوله: "فلم أنشب" بفتح الشين المعجمة، أي فلم أمكث، ولم أتعلق بشيء حتى خرج عمر رضي الله تعالى عنه من مكانه إلى جهة المنبر .

قوله: "ما عسيت أن يقول" ، القياس أن يقول: ما عسى أن يقول، فكأنه في معنى رجوت وتوقعت .

قوله: "لعلها بين يدي أجلي" ، أي بقرب موتي، وهو من الأمور التي وقعت على لسان عمر رضي الله تعالى عنه فوقعت كما قال .

قوله: "وعاها" أي حفظها .

قوله: "فليحدث بها" يعني على حسب ما وعى وعقل، وفيه الحض لأهل العلم على تبليغه ونشره .

قوله: "فلا أحل" بضم الهمزة، من الإحلال، وذلك نهي- لأجل التقصير والجهل - عن الحديث بما لم يعلموه ولا ضبطوه .

قوله: "لأحد" ظاهره يقتضي أن يقال: له، ليرجع الضمير إلى الموصول، ولكن الشرط هو الارتباط، وعموم الأحد قائم مقامه .

قوله: "إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم" قال الطيبي : قدم عمر رضي الله تعالى عنه هذا الكلام قبل ما أراد أن يقول توطئة له، ليتيقظ السامع لما يقول .

قوله: "آية الرجم" مرفوع، لأنه اسم (كان) وخبره هو قوله: "مما أنزل الله" مقدما، وكلمة "من" للتبعيض، وآية الرجم هي قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" وهو قرآن نسخت تلاوته دون حكمه .

قوله: "مما أنزل الله" وفي رواية الكشميهني : فيما أنزل الله .

قوله: "ووعيناها" أي حفظناها .

قوله: "رجم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفي رواية الإسماعيلي : ورجم، بزيادة الواو .

قوله: "إن طال" بكسر الهمزة .

قوله: "أن يقول" بفتح الهمزة .

قوله: "بترك فريضة أنزلها الله" أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشيه عمر رضي الله تعالى عنه، فإن طائفة من الخوارج أنكروا الرجم، وكذا بعض المعتزلة أنكروه .

قوله: "والرجم في كتاب الله حق" أي في قوله تعالى: أو يجعل الله لهن سبيلا وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر .

قوله: "أو كان الحبل" بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وفي رواية معمر : "الحمل" بالميم .

قوله: "أو الاعتراف" أي الإقرار بالزنا .

قوله: "ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله" أي مما نسخت تلاوته وبقي حكمه .

قوله: "لا ترغبوا عن آبائكم" أي لا تتركوا النسبة عن آبائكم فتنسبون إلى غيرهم .

قوله: "فإنه كفر بكم" أي فإن انتسابكم إلى غير آبائكم كفر بكم، أي كفر حق ونعمة .

قوله: "أو إن كفرا بكم" شك من الراوي، قال الكرماني : "أو إن كفرا" شك فيما كان في القرآن، وهو أيضا من المنسوخ التلاوة دون الحكم .

قوله: "ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف افتتاح كلام غير الذي قبله، وفي رواية مالك : "ألا وإن" بالواو بدل ثم .

قوله: "لا تطروني" من الإطراء وهو المبالغة في المدح .

قوله: "كما أطري عيسى " على صيغة المجهول، وفي رواية سفيان : "كما أطرت النصارى عيسى عليه السلام " حيث قالوا: هو ابن الله، ومنهم من ادعى أنه هو الله .

قوله: "ألا وإنها" أي وإن بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه .

قوله: "كانت كذلك" أي فلتة، وصرح بذلك في [ ص: 10 ] رواية إسحاق بن عيسى ، عن مالك ، وقال الداودي : معنى قوله: "كانت فلتة" أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاوروا، وأنكر هذا الكرابيسي وقال: المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم، والمراد بالفلتة: ما وقع من مخالفة الأنصار ، وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة ، وقال ابن حبان : معنى قوله: "كانت فلتة" أن ابتداءها كان عن غير ملأ كثير، وفي التوضيح: قال عمر : والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولأن أقدم فيضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، فهذا يبين أن قول عمر : "كانت فلتة" لم يرد مبايعة أبي بكر ، وإنما أراد ما وصفه من خلافة الأنصار عليهم، وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه .

قوله: "ولكن الله وقى شرها" أي ولكن الله رفع شر خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ومعناه أن الله وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر، وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر ، وذلك أنه لما خشوا أن يبايع الأنصار سعد بن عبادة ، وقال أبو عبيد : عجلوا بيعة أبي بكر خيفة انتشار الأمر، وأن يتعلق به من لا يستحق، فيقع الشر .

قوله: "من تقطع الأعناق" أي أعناق الإبل، يعني تقطع من كثرة السير، حاصله: ليس فيكم مثل أبي بكر في الفضل والتقدم، فلذلك مضت بيعته على حال فجأة، ووقي شرها، فلا يطمعن أحد في مثل ذلك .

قوله: "عن غير مشورة" بفتح الميم وضم الشين المعجمة، وبفتح الميم وسكون الشين، وفي رواية الكشميهني : من غير مشورة .

قوله: "فلا يبايع" جواب (من) على صيغة المجهول، من المبايعة بالباء الموحدة، ويروى بالتاء المثناة من فوق من المتابعة، وهذه أولى لقوله: ولا الذي تابعه، بالتاء المثناة من فوق في أوله، وبالياء الموحدة بعد الألف .

قوله: "تغرة أن يقتلا" أي المبايع والمتابع، بالموحدة وفتح الياء آخر الحروف في الأول، وبالمثناة من فوق وكسر الموحدة في الثاني، و "تغرة" بالغين المعجمة مصدر، يقال: غرر نفسه تغريرا وتغرة: إذا عرضها للهلاك، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: خوف تغرة أن يقتلا، أي خوف وقوعهما في القتل، فحذف المضاف الذي هو الخوف، وأقيم المضاف إليه الذي هو "تغرة" مقامه، وانتصب على أنه مفعول له .

قوله: "وإنه قد كان" أي وإن أبا بكر قد كان من خيرنا، بالخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، كذا في رواية المستملي ، وفي رواية غيره بالباء الموحدة، فعلى رواية المستملي يقرأ: إن الأنصار ، بكسر همزة (إن) على أنه ابتداء كلام، وعلى رواية غيره بفتحها على أنه خبر (كان)، وكلمة "ألا" معترضة .

قوله: "ألا إن الأنصار " قد ذكرنا غير مرة أن كلمة "ألا" لافتتاح الكلام، ينبه بها المخاطب على ما يأتي .

قوله: "بأسرهم" أي بكليتهم .

قوله: "في سقيفة بني ساعدة " وهي الصفة، وقال الكرماني : كان لهم طاق يجتمعون فيه لفصل القضايا وتدبير الأمور .

قوله: "وخالف عنا" أي معرضا عنا، وقال المهلب : أي في الحضور والاجتماع لا بالرأي والقلب، وفي رواية مالك ومعمر : أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا في رواية سفيان ، لكن قال العباس بدل الزبير رضي الله تعالى عنه .

قوله: "فانطلقنا نريدهم" زاد جويرية : "فلقينا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه، فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه" .

قوله: "لقينا رجلان" فعل وفاعل، وهما عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي الأنصاري .

قوله: "صالحان" صفة"رجلان"، وفي رواية معمر عن ابن شهاب : شهدا بدرا ، وفي رواية ابن إسحاق : رجلا صدق: عويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، كذا أدرج تسميتهما، وبين مالك أنه قول عروة ، ولفظه: قال ابن شهاب : أخبرني عروة أنهما معن بن عدي ، وعويم بن ساعدة ، قلت معن : ابن عدي بن الجد بن عجلان بن ضبيعة البلوي ، من بلي، ابن الحارث بن قضاعة ، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق ، وسائر مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وعويم: ابن ساعدة بن عايش بن قيس ، شهد العقبتين جميعا في قول الواقدي وغيره، وشهد بدرا وأحدا والخندق ، ومات في خلافة عمر بالمدينة .

قوله: "ما تمالأ عليه القوم" أي ما اتفق عليه القوم، وهو بفتح اللام وبالهمزة، من باب التفاعل .

قوله: "لا عليكم أن لا تقربوهم" كلمة "لا" بعد "أن" زائدة .

قوله: "رجل مزمل" على وزن اسم المفعول من التزميل وهو الإخفاء، واللف في الثوب .

قوله: "بين ظهرانيهم" بفتح الظاء المعجمة والنون أي بينهم، وأصله بين ظهريهم، فزيدت الألف والنون للتأكيد .

قوله: "يوعك" بضم الياء وفتح العين، أي يحصل له الوعك، وهو الحمى بنافض، ولذلك زمل .

قوله: "تشهد خطيبهم" أي قال كلمة الشهادة، وقيل: كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار [ ص: 11 ] فيحتمل أن يكون الخطيب .

قوله: "وكتيبة الإسلام" بفتح الكاف وكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة، وهو الجيش المجتمع الذي لا ينتشر، ويجمع على كتائب .

قوله: "معشر المهاجرين " كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره: "معاشر المهاجرين " .

قوله: "رهط" أي قليل، قال الخطابي : رهط أي نفر يسير بمنزلة الرهط، وهو من الثلاثة إلى العشرة، أي عددكم بالنسبة إلى الأنصار قليل، ورفعه على الخبرية .

قوله: "وقد دفت دافة" بتشديد الفاء، أي عدد قليل، وقال الكرماني : الدافة: الرفقة يسيرون سيرا لينا، أي وإنكم قوم طراد غرباء أقبلتم من مكة إلينا، "تريدون أن تختزلونا" من الاختزال بالخاء المعجمة والزاي، وهو الاقتطاع، أي تقتطعونا عن الأمر، وتنفردوا به دوننا .

قوله: "وأن يحضنونا" بالحاء المهملة والضاد المعجمة، أي يخرجونا "من الأمر" أي الإمارة والحكومة ويستأثروا علينا، يقال: حضنت الرجل عن الأمر: إذا اقتطعته دونه وعزلته عنه، ووقع في رواية أبي علي بن السكن : يحتصونا، بالتاء المثناة من فوق والصاد المهملة المشددة، وفي رواية الكشميهني : "يحصونا" بضم الحاء بدون التاء، وهو بمعنى الاقتطاع والاستئصال، وفي رواية أبي بكر الحنفي ، عن مالك عند الدارقطني : ويخطفونا، بالخاء المعجمة والطاء المهملة وبالفاء، واتفقت الروايات على أن قوله: "فإذا هم" إلخ بقية كلام خطيب الأنصار .

قوله: "فلما سكت" أي خطيب الأنصار .

قوله: "زورت" من التزوير بالزاي والواو، وهو التهيئة والتحسين، وفي رواية مالك : رويت، براء وواو مشددة ثم ياء آخر الحروف، من الروية ضد البديهة .

قوله: "وكنت أداري منه بعض الحد" أي أدفع عنه بعض ما يعتري له من الغضب، ونحوه قوله: "على رسلك" بكسر الراء، أي اتئد واستعمل الرفق والتؤدة .

قوله: "أن أغضبه" بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الضاد المعجمة وبالباء الموحدة، من الإغضاب، وفي رواية الكشميهني بمهملتين وياء آخر الحروف من العصيان .

قوله: "هو أحلم مني" أي أشد حلما مني، والحلم هو الطمأنينة عند الغضب .

قوله: "وأوقر" أي أكثر وقارا، وهو التأني في الأمور والرزانة عند التوجه إلى المطلب .

قوله: "ما ذكرتم" أي من النصرة وكونكم كتيبة الإسلام .

قوله: "ولن يعرف" على صيغة المجهول .

قوله: "هذا الأمر" أي الخلافة، وفي رواية مالك : ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش .

قوله: "هم أوسط العرب" ، وفي رواية الكشميهني : هو بدل هم، والأول أوجه، ومعنى أوسط: أعدل وأفضل، ومنه قوله تعالى: أمة وسطا أي عدلا .

قوله: "أحد هذين الرجلين" هما عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، بين ذلك بقوله: "فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح " والآخذ بيده هو أبو بكر ، والضمير في "يدي" يرجع إلى عمر رضي الله تعالى عنه، قال الكرماني : كيف جاز له أن يقول هذا القول وقد جعله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إماما في الصلاة، وهي عمدة الإسلام ؟ ثم قال: قاله تواضعا وتأدبا وعلما بأن كلا منهما لا يرى نفسه أهلا لذلك بوجوده، وأنه لا يكون للمسلمين إلا إمام واحد .

قوله: "وهو جالس" أي أبو بكر جالس بيننا .

قوله: "فلم أكره مما قال غيرها" هذا قول عمر رضي الله عنه، أي لم أكره مما قال أبو بكر غير هذه المقالة، وهي قوله: "وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم" .

قوله: "كان والله أنأقدم" على صيغة المجهول، من التقديم، وكلمة "أن" مفتوحة لأنها اسم كان، ولفظة "والله" معترضة بينهما .

قوله: "فتضرب عنقي" بالنصب عطف على "أن أقدم" .

قوله: "لا يقربني ذلك" أي تقديم عنقي وضربه من الإثم .

قوله: "أحب إلي" بالنصب خبر كان .

قوله: "من أن أتأمر" كلمة "أن" مصدرية، أي من كوني أميرا على قوم فيهم أبو بكر موجود .

قوله: "أن تسول" بضم التاء وفتح السين وتشديد الواو المكسورة، أي أن تزين نفسي، يقال: سولت له نفسه شيئا: أي زينته، ويقول له الشيطان: افعل كذا وكذا .

قوله: "إلي" بتشديد الياء .

قوله: "شيئا" منصوب بقوله: "أن تسول" .

قوله: "لا أجده الآن" من الوجدان أي الساعة هذه .

قوله: "فقال قائل من الأنصار " كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره: فقال قائل الأنصار ، بإضافة "قائل" إلى الأنصار ، وقد سمى سفيان هذا القائل في روايته عند البزار فقال: حباب بن المنذر ، وحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى، ابن المنذر على وزن اسم الفاعل من الإنذار، ابن الجموح بن يزيد بن حرام الأنصاري ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله: "منا أمير" إنما قال ذلك لأن العرب لم تكن تعرف الإمارة، إنما كانت [ ص: 12 ] تعرف السيادة، يكون لكل قبيلة سيد، لا تطيع إلا سيد قومها، فجرى هذا القول منه على العادة المعهودة حين لم يعرف أن حكم الإسلام بخلافه، فلما بلغه أن الخلافة في قريش أمسك عن ذلك، وأقبلت الجماعة إلى البيعة .

قوله: "أنا جذيلها" بضم الجيم، مصغر الجذل بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال، وهو أصل الشجر، والمراد به: عود ينصب في العطن للجربى لتحتك، أي أنا ممن يستشفى فيه برأيي كما يستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك به، والتصغير للتعظيم، و"المحكك" صفة جذيل .

قوله: "وعذيقها" مصغر العذق، بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة: النخل، وبالكسر: القنو منها .

قوله: "المرجب" من الترجيب وهو التعظيم، وهو أنها إذا كانت كريمة فمالت، بنوا لها من جانبها المائل بناء رفيعا كالدعامة ليعتمدها ولا يسقط، ولا يعمل ذلك إلا لكرمها، وقيل: هو ضم عذاقها إلى سعفاتها وشدها بالخوص لئلا ينفضها الريح، أو يوضع الشوك حولها لئلا تصل إليها الأيدي المتفرقة .

قوله: "اللغط" بالغين المعجمة: الصوت والجلبة .

قوله: "حتى فرقت" بكسر الراء، أي حتى خشيت، وفي رواية مالك : حتى خفت، وفي رواية جويرية : حتى أشفقنا الاختلاف .

قوله: "ونزونا" بفتح النون والزاي وسكون الواو، أي وثبنا عليه وغلبنا عليه .

قوله: "قتلتم سعد بن عبادة " قيل: ما معناه وهو كان حيا ؟ وأجيب بأن هذا كناية عن الإعراض والخذلان والاحتساب في عدد القتلى، لأن من أبطل فعله وسلب قوته فهو كالمقتول .

قوله: "فقلت: قتل الله سعد بن عبادة " القائل هو عمر رضي الله تعالى عنه، ووجه قوله هذا: إما إخبار عما قدر الله عن إهماله وعدم صيرورته خليفة، وإما دعاء صدر عنه عليه في مقابلة عدم نصرته للحق، قيل: إنه تخلف عن البيعة، وخرج إلى الشام ، فوجد ميتا في مغتسله، وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول، ولا يرون شخصه: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ، فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده .

قوله: "ما وجدنا" أي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله: "من أمر" في موضع المفعول .

قوله: "أقوى" مفعول قوله: "ما وجدنا" .

قوله: "ولم تكن بيعة" جملة حالية .

قوله: "أن يبايعوا" بفتح همزة "أن" لأنه مفعول قوله: "خشينا" .

قوله: "فإما بايعناهم" من المبايعة بالباء الموحدة وبالياء آخر الحروف قبل العين، وفي رواية الكشميهني : تابعناهم بالتاء المثناة من فوق، وبالباء الموحدة قبل العين .

قوله: "على ما لا نرضى" ويروى: على ما نرضى، والأول هو الوجه، وهو رواية مالك أيضا .

قوله: "فمن بايع رجلا" بالباء الموحدة، وفي رواية مالك بالتاء المثناة من فوق .

قوله: "فلا يتابع" هو على صيغة المجهول، من المتابعة بالتاء المثناة من فوق .

قوله: "ولا الذي بايعه" بالباء الموحدة .

قوله: "تغرة أن يقتلا" أي خوف وقوعهما في القتل، وقد مر تفسير هذا عن قريب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث